في نقد الأديان
اشكالية الأخلاق في الفكر الديني
(( هل الإيمان والعقائد أن تسلب إنساناً بصره ثم تعاقبه إذا لم يرَ، وأن تعطي آخر بصرًا قويًّا ثم تكافئه لأن بصره قوي ؟! )) عبد الله القصيمي
مدخل عام:
في البداية يجب علينا أن نعرف أن المسألة الأخلاقية – كغيرها - مسألة فكرية شغلت بال المفكرين والفلاسفة منذ القدم, فطرحت نفسها على طاولة الحوار والنقاش. تعددت الآراء والأفكار في شأنها مما أدى إلى ظهور مدارس أخلاقية عديدة ( الأبيقورية, السفسطائية, الرواقية... ). وكان للمفكرين الإغريق ( أبيقور, أرسطو, سقراط, أفلاطون .... ) دور بارز في دفع مسألة الأخلاق إلى التحليل العقلي والنقاش الفكري. فمثلاً راج المذهب العقلي عند الفلاسفة اليونان القدماء وكان الإلزام الخلقي عندهم يخضع للعقل فنجد أن هيرقليطس (475 ق . م ) آية الفعل النبيل خضوعه لقانون العقل وآية الفعل الخسيس منافاته لهذا القانون، وجرى في هذا التيار سقراط ( 399 ق . م ) الذي أرجع الأخلاق إلى العقل ومن ثم كانت الفضيلة علماً والرذيلة جهلاً. والدين أيضاً أظهر أفكاره في الأخلاق كونه جزء من التاريخ الثقافي والإنساني الطويل ليحاول بشكل أو بآخر تأكيد معتقده – كما سنرى – أو لإثبات وجوده ودحض حجج نقاده فالأخلاق بالنسبة للدين شيء أساسي لعمل دعاية للعقيدة التي يتبناها بين الناس أعني على سبيل المثال أن الشخص س ذو أخلاق رفيعة من صدق وأمانة وإخلاص ... الخ. جاء ع1 وتحدث لـ ع2 عن أن أخلاق س رائعة ثم ع2 تحدث لـ ع3 و ع4 وهكذا انتشر خبر أخلاق س الرفيعة في كافة أنحاء القبيلة وأصبح ذو سيط محمود وموثوق بين جميع المجتمع المحيط به. ولكن عندما يستغل س ثقت الناس به عن طريق الإدعاء بأن هناك ملك نوراني اسمه جبريل قد نزل عليه وهو في غار حراء ليطلعه على أمور ستحدث في مستقبل البشرية, هذا ما يتنافى مع أخلاق س الذي عهدناه صادقاً. وقد يدعي س أيضاً أنه قد رأى الفيل يطير بجناحين في السماء ثم ذلك الفيل قد أرسل الوحي ليخبره عن الأمم التي ستدخل النعيم والأمم التي ستدخل الجحيم أي النار– أعاذنا الله وإياكم منها –. ولكن !! عندما لا يكون هناك دليل, لن أقول لكم دليل مادي بل دليل معقول منطقياً على الأقل يؤكد صحة كلامه, بوجود الفيل الطائر عندئذ ينتقل س من ذلك الشخص الخلوق والصادق إلى شخص استغلالي يستغل ثقة الناس به ليحقق طموحاته للوصول مثلاً إلى حكم العشيرة. وهذا المثال ينطبق تماماً على شخصية الدين عندما نجرده من قدسيته ونتعامل معه بعين الناقد الذي يبحث بموضوعية وتجرد. لهذا إن الأخلاق الجميلة التي يدعي الدين الأحقية فيها والأسبقية في معرفتها هي بكل بساطة إحدى الطرق البراجماتيكية ( الذرائعية ) التي يستخدمها الدين للحصول على أكبر عدد من المؤيدين لعقيدته وأفكاره. والمشكلة الخُلقية حالها كأي مشكلة تعترض الفكر الإنساني الذي يحاول أن يحل مشكلاته ليتجه نحو الكمال. فلقد حارت المسألة الأخلاقية وترددت بين ( الأخلاق النظرية ) وهي أخلاق الفلسفة وبين علم الاجتماع الأخلاقي. ولابد من الإشارة إلى أن التيارات الأخلاقية – كما أسلفنا – قد تباينت حلولها المطروحة في المشكلة الخلقية فتصدر عن وجهة نظر عقلي محض تارةً أو عن تفكير تجريبي خالص تارةً أخرى, غير أنها جميعاً لا تخرج عن كونها تعبيراً أيديولجياً وفلسفياً لأصحابها . والحقيقة أن العثور على حلول متعددة للمشكلات الأخلاقية لا يأتي من العلم وإنما يصدر عن العقل, فالأخلاق ليست غريبة عن ضرورات العقل ولا يمكن للحياة الأخلاقية أن تستغني عن ذلك الجهد العقلي الذي يحاول معرفة دواعي الواجب معرفة واضحة. فالحياة الأخلاقية إذن لا تقوم بلا تأمل وتفكير وإذا لم تكن الأخلاق معقولة فلن تكون عندئذٍ إلا إلهاماً أعمى. سأبدأ بتعريف علم الأخلاق وتوضيح بعض المفاهيم الأخلاقية لأنتقل إلى نقد ربط الأخلاق بوجود الله, فهناك حجج نقدية عديدة في هذا الموضوع, وسأنتهي بنقد الأخلاق الدينية, حيث أنني سأتعامل مع الدين بمعزل عن القدسية, أي بعد تجريده من قدسيته التي يحفها به أصحابه, فهم يرونه ذلك الكائن الأليف الذي لا يتجاوز عتبات دور العبادة. وبهذا سيكون سير المقال وفق المنهجية التالية:
• مدخل عام • علم الأخلاق – تعريفات ضرورية – وفيه أربعة فروع : علم الأخلاق, الإنسان كائن أخلاقي, القيمة الأخلاقية, المذهب العقلي في الأخلاق . • نقد فكرة ارتباط الأخلاق بوجود الله (الإله والأخلاق) • نقد الأخلاق الدينية (مشكلة الأخلاق الدينية)
أولاً: علم الأخلاق – تعريفات ضرورية -:
يوجد بعض التعاريف والمصطلحات المهمة والشائكة في علم الأخلاق يجب توضيحها، وإذا لم يتم ذلك قد يؤدي إلى سوء فهم من المتلقي أو صعوبة في فهم تعابير لا نستخدمها غالباً في حياتنا لأنها باعتقادي نتاج فكري صرف. ولهذا سأقدم بشكل وجيز ومختصر تعاريف وأولوليات يجب معرفتها قبل الشروع في صلب موضوعنا الأساسي.
أ - علم الأخلاق: الأخلاق هي دراسة, وتقييم السلوك الإنساني على ضوء القواعد الأخلاقية التي تضع معايير للسلوك, يضعها الإنسان لنفسه أو يعتبرها التزامات وواجبات تتم بداخلها أعماله أو هي محاولة لإزالة البعد المعنوي لعلم الأخلاق, وجعله عنصرا مكيفاً, أي أن الأخلاق هي محاولة التطبيق العلمي, والواقعي للمعاني التي يديرها علم الأخلاق بصفة نظرية, ومجردة . وكلمة أخلاق ETHIC مستخلصة من الجدار اليوناني ETHOS, والتي تعني خلق. وتكون الأخلاق ETHIC طقما من المعتقدات, أو المثاليات الموجهة, والتي تتخلل الفرد أو مجموعة من الناس في المجتمع < 1 > إن علم الأخلاق يحاول أن يحدد للإنسان مبادئ العمل وقواعد السلوك. ينطلق دائماً للبحث عن المثل العليا وتحقيق ما يجب أن يكون فيطلق أحكاماً تسمى أحكام وجوب أي أحكام قيم وهذا ما يجعل من علم الأخلاق علم معياري ويقربه من علم المنطق في آلية استشفاف الأحكام آنفة الذكر. إلاّ أن هناك من الفلاسفة يفرقون بين نوعين من الأخلاق وصفي ومعياري: فالوصفي أي العادات التي يتبعها مجتمع من المجتمعات في شؤون حياته أما المعياري فهي نظرة فلسفية تحدد مواطن الخير والشر في مطلق الزمان. ولكن يمكن المزج بين النوعين السابقين – أي بين الأخلاق الوصفية والمعيارية – فأعتقد أن الأخلاق النظرية يجب أن تترجم إلى الواقع أي نقل الأفكار من حيز العقل المجرد إلى حيز الواقع العملي .... وقد قال الأستاذ تيسير شيخ الأرض في كتابه " الفحص عن أساس الأخلاق " كلاماً يبين الرابط بين الأخلاق الوصفية والمعيارية : والحقيقة أن الفلاسفة يُفرقون عادة بين أخلاق وصفية وأخرى معيارية. أما الأولى فهي العادات التي يتبعها مجتمع من المجتمعات في شؤونه الحيوية في خلال فترة من الزمن في حين أن الثانية نظرة فلسفية تُريد أن تحدد للمجتمعات كلها كل مواطن الخير والشر في هذه العادات في مطلق الزمان وهي من هذه الناحية تتطلع إلى مثل أعلى. إذا تأملنا هذا التفريق وجدنا أنه يخلط بين مستويين مستوى الممارسة ومستوى النظر, فالعادات الاجتماعية تدخل في مستوى الممارسة في حين أن تقويمها يدخل في مستوى النظر. وإذا اعترفنا بأن هناك ارتباطاً بين الممارسة والنظر كان لابدَّ لنا من أن نرى كيف يؤدي أحد المستويين إلى الآخر. فالأخلاق المعيارية بما تحمله من قيم يمكن أن ننزلها إلى حيز التنفيذ ونجعلها تأخذ لها مكاناً في الواقع, والأخلاق في مستوى الممارسة يمكننا أن نخضعها للتأمل ونرفعها إلى مستوى القيم لنرى خيرها من شرها وفي هذه الحال يمكن تنقيحها والعودة بها إلى الواقع خالية من شوائب الشر. إن المستوى الأول: هو مستوى النظر في حين أن المستوى الثاني: هو مستوى العمل, ولكن من خلال تنقيح أحدهما الآخر وتفاعله جدلياً معه < 2 > .
وقد قسم الكاتب جوليان باجيني Julian Baggini في كتابه " الفلسفة مواضيع مفتاحية " “Philosophy Key Themes “ الأخلاق إلى ثلاثة أنواع : في المستوى الأكثر عملية تدور الفلسفة الأخلاقية حول ما يجب أن نفعله في أي موقف معين يمكن أن نسمي هذا مستوى الأخلاق التطبيقية applied ethics ومعظم المناقشات في وسائل الإعلام تتم على هذا المستوى وتتضمن أسئلة من قبيل: هل من الصواب نسخ كائن بشري؟ هل قتل الرحيم خطأً أخلاقياً؟ ..... للإجابة عن أسئلة كهذه كثيراً ما يحتاج المرء الصعود إلى مستوى أعلى ودراسة النظريات العامة عما يكون صواباً فعله أو خطأ. يقودنا هذا إلى مستوى الأخلاق المعيارية normative ethics حيث نجد نظريات عامة عن أنواع الأشياء الصائبة والخاطئة. وبهذه الصورة يمكن مثلاً أن تقول نظرية أخلاقية معيارية إنه من الخطأ دائماً قتل أي مخلوق يملك القدرة على تقرير مستقبله ولم يختر أن يُقتل. هذه ليست نظرية حول ما هو صواب أو خطأ من الأشياء الخاصة بل ما هو صواب أو خطأ من أنواع الأشياء. فالشخص الذي يعمل على مستوى الأخلاق التطبيقية ووافق على هذا الخُلُق المعياري سوف يحاول عندئذ ويرى ما لهذه القاعدة من متضمنات لقضايا نوعية كتلك المتعلقة باستنساخ البشر والقتل الرحيم وخير الحيوانات. لكن الجدل يمكن أن يرتفع ثانية إلى مستوى آخر يسمى " الأخلاق العليا meta-ethics " ويعالج حالة الادعاءات الأخلاقية بصورة عامة مثال ذلك حين يقول أحدهم من الخطأ قتل أي مخلوق يملك المقدرة على تقرير مستقبله الخاص ولم يختر أن يُقتل . ما نوع الادعاء الذي يُدّعى؟ أيقول شيئاً صادقاً أم يقول قولاً كاذباً؟ أم أنه يعبر عن رأي وحسب؟ هل يقول شيئاً ينطبق على كل أحد أم على أشخاص فقط من ثقافة معينة أو فترة تاريخية معينة؟ ما أساس ما يقول؟ والأخلاق أهي راسخة الجذور في الطبيعة البشرية أم في الله أم نخلقها نحن فقط؟ هذه القضايا للأخلاق العليا تدور حول الطبيعة العامة للأخلاق وبنيتها لا حول ما هو صائب من الأفعال وما هو خاطئ < 3 >
علم الأخلاق باختصار: مجموعة من المبادئ النظرية والقواعد العملية التي يجب على الفرد إتباعها ليحيا حياته الطبيعية, أي الحياة الإنسانية السوية التي تجعل المرء يعيش بسلام مع بني جنسه.
ب - الإنسان كائن أخلاقي: إن إحدى المميزات الكبرى للوجود الإنساني هي اعتبار الإنسان كائناً أخلاقياً يحتضن في أعماقه قوة باطنية هي الشعور الأخلاقي أو الضمير الذي يحكم على الأفعال الإنسانية على ضوء ما تستحقه من قيم أخلاقية. ولقد عرف الإنسان هذه التجربة الأخلاقية وهذا الميل نحو الخير عملياً منذ بداية ظهور الحياة الاجتماعية, فأخذ يصدر أحكاماً تقويمية على سلوكه وعلى سلوك غيره من الناس. وإذا كان صحيحاً أن لدى الإنسان حاجات ودوافع عضوية يسعى لإشباعها مثله في ذلك كمثل غيره من الكائنات الأخرى إلا أنه يختلف عن تلك الكائنات جميعاً في أنه الكائن الوحيد الذي يستطيع مراقبة دوافعه وإعلاء غرائزه . < 4 > ج – القيمة الأخلاقية: * القيمة بشكل عام: حاضرة في سلوك الإنسان, تحدد اتجاه هذا السلوك وترسم مقوماته فهي تلازم عملنا وتمثل مطالبنا الدائمة والمؤقتة. مثال ذلك : من الأجدر أن يكون الإنسان شجاعاً لا جباناً , قوياً لا ضعيفاً، فالقيام بهذا التفضيل يسمى تقويماً . تبدو لنا القيمة في ثوب نرغب فيه أو هدف نبتغي نواله أو توازن نسعى لتحقيقه, إن القيمة قد تتبدد عندما نحصل عليها ولكن لا تزول نهائياً لأنها ستظهر في مطلب جديد. إن اللذة والفرح والسعادة – وهي قيم - تفقد أحسن بهجتها حين نملكها ولكن تعود من خلال أمل جديد في حياتنا وباختصار القيمة تتمثل كل هدف نختاره ونرغب فيه أو نفضله كالحقيقة والصحة والسعادة كلها قيم نرغب فيها ونبتغي الحصول عليها * أما القيمة الأخلاقية: هي أسمى القيم لأنها غاية بذاتها ولا تقاس بنفعها وتعلو كل القيم الأخرى بما فيها القيم العقلية والفكرية التي لا تتمتع بهذه القيمة الرفيعة إلا إذا اتجهت اتجاهاً أخلاقياً يقرب الناس من بعضهم لبعض ليحقق لهم الخير الذي يصبون إليه , أفعال الإنسان الأخلاقية المتنوعة من استقامة وإيثار وأمانة جميعها ذات قيم أخلاقية لأنها جديرة بالتقدير والطلب وعموماً فالقيمة الأخلاقية هي الخاصة المميزة لفعل أخلاقي نرغب فيه ويكون جدير بالطلب. د - المذهب العقلي في الأخلاق: يوجد مذاهب أخلاقية كثيرة وعديدة إلا أن أقواها هو المذهب العقلي. فالاتجاه العقلي في الأخلاق يرى الواجب أو الإلزام أنه يصدر عن سلطة باطنية في الإنسان نفسه هي ( العقل ) وليس من سلطة إلهية كما يرى الدين, إن الدين ينظر إلى الخير كما يريده الله لنا فيربط بين فعل الخير والطاعة ومن هنا كان فعل الخير يؤدي إلى طاعة الله وبالتالي دخول الجنة. لقد لقي هذا الاتجاه – أي المذهب العقلي - دعاة بين الفلاسفة اليونان قديماً وكما تحدثنا في بداية هذا المقال عن هيرقليطس وسقراط فهرقليطس وجد أن آية الفعل النبيل خضوعه لقانون العقل وآية الفعل الخسيس منافاته لهذا القانون وجرى على دربه سقراط الذي أرجع الأخلاق إلى العقل ومن ثم كانت الفضيلة علماً والرذيلة جهلاً (( العِلمُ فضيلةٌ والجَهلُ رذيلةٌ )). في ضوء هذا الاتجاه العقلي صدرت آراء تلميذ سقراط, أي أفلاطون, في فكرة الإلزام الخلقي حيث يتحقق عنده الخير الأقصى أو السعادة للإنسان بإخضاعه الشهوات الحسية لصوت العقل والعقل هو الذي يلزم الإنسان بإتباع الخير وتجنب الشر. وبالتالي فإن ذلك يتعارض تماماً مع فكرة الدين التي تجعل من عقولنا قاصرة وغير قادرة على التفريق بين ما هو خير لنا أو شر لنا. قد رأت المدرسة الرواقية ( وضع أصولها زينون 336 - 264 ق.م ) أن الإلزام الخلقي على اتصال وثيق بالعقل, فالعقل وحده هو الذي يحدد قيم ومقياس الخير و الشر ومن هنا كان شعار المدرسة الرواقية الرائع: (( عشْ على وفاقٍ معَ الطبيعةِ )) أي بمقتضى العقل.
ثانياً: نقد فكرة ارتباط الأخلاق بوجود الإله ( الإله والأخلاق ):
بات عند الدينيين أمر الدفاع عن الله هو أمر أساسي بل هو واجب إيماني يمليه عليهم دينهم ومتأصل في نفوسهم وعقولهم . لقد تعددت طرقهم في ذلك وفي كل مرة يظهر لنا المؤمنون بحلة جديدة من الأدلة فتارةً يوردون الحجة الغائية أي إن وجود الإله هو أفضل تفسير للنظام الكوني الذي يُعتبر من أعقد المشكلات التي واجهت الإنسان حيث أن الإنسان بقي فترة طويلة يؤمن بـ ( الآلهة ) فيلحق كل شيء في الطبيعة لم يستطيع تفسيره بإله مستقل وهكذا قد ظهر عنده إله الريح كون الإنسان القديم لا يعلم ما هو تفسير الرياح ومن أين تأتي وكيف تنشأ ؟ وإله الماء وإله الشمس ... وقد جاء النقاد الآن وأثبتوا لنا أنه لا دليل على أن هذا النظام قد قام به مصمم ذكي وخارق وأن بالوسع تفسير الكون من خلال الفيزياء ... ثم تحدث المؤمنون عن الحجة الكونية التي تقول بأن الله واجب الوجود وهو العلة الأولى للكون لأن الكون لا يمكن أن يكون علة نفسه ( وهذه الفرضية قال بها الكندي سابقاً ) ووجهت انتقادات واسعة لفرضية العلة الأولى .. منها أنه لا يوجد لدينا مبرر لافتراض ضرورة وجود علة من هذا القبيل أي الله في الأصل ليس ضرورياً وجوده لأنه لن يضيف شيئاً جديداً لتفكيرنا بل سيأزم الوضع أكثر ومن هنا قال الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي:
لما جهلت من الطبيعة أمرها وأقمت نفسك في المقام معللِ أثبت رباً تبتغي حلاً به للمشكلات فكان أكبر مشكلِ
كما أنه إن وجدت تلك العلة الأولى للكون فليس من الواضح السبب الذي يدفعنا إلى افتراض أن هذه العلة هي الله. لقد احتار المؤمنون ماذا يفعلون كي يثبتوا أن إلههم موجود فطرحوا لنا فرضية أخرى جديدة حيث أنه في الحجة الجديدة كانت أكثر حبكةً وهي الحجة الأخلاقية على وجود الله, إذ أنهم يرون السبب الوحيد الذي يجعل الناس يظنون من المهم وجود الله هو أن وجود الأخلاق مستحيل بدون وجود الله والمرشح الوحيد الذي سيسن لنا القواعد الأخلاقية ومعايير الخير والشر هو الله, ولكن هناك انتقادات كثيرة قد وجهت إلى الحجة الأخلاقية لم يحسب حسابها الدينيين. من تلك الانتقادات ما تحدث عنه برتراند راسل في " لماذا لست مسيحياً " بقوله : فهناك صيغة تقول أنه لاوجود للخير والشر مادام الله غير موجود, وأنا هنا لست معنياً بالتحقيق عما إذا كان هنالك ثمة اختلاف بين الخير والشر أم لا, فهذا سؤال آخر, ولكنني معني بطرح السؤال الآتي: إذا كنتم واثقون من وجود الاختلاف بين الخير والشر, فإنكم ستكونون عالقين في موقف وهو: هل هذا متوقف على كينونة الله ؟ فإذا كان هذا متعلقاً بها, فهذا يعني أن الله لا يكترث بالاختلاف بين الخير والشر, ويعني أنه لا يوجد أي فحوى حقيقية عن طيبة الله. وإذا كنتم ستتخذون نفس موقف اللاهوتيين, أن الله طيب, فعليكم أن تعترفوا أن الخير والشر يملكان نفس المعنى وأنهما مستقلان عن كينونة الله, لأن كينونة الله طيبة حسب تصوركم وأيضاً كما خلقها. كما أنكم مجبرون حينئذٍ أن تقولوا أنه ليس بواسطة الله يأتي الخير والشر إلى الوجود, بل يكونان في جوهر منطقهما سابقين على وجود الله. وبالطبع – إذا كنتم ترضون بهذا – ستستطيعون أن تقولوا أن ثمة كائن متعال يقوم بإملاء أوامره على الإله الذي صنع هذا العالم. < 5 >
لقد تحدث أيضاً عن تلك الحجة والانتقادات التي وجهت إلى فكرة ارتباط الأخلاق بوجود الله الأستاذ جوليان باجيني Julian Baggini في كتابه " الفلسفة مواضيع مفتاحية " “ Philosophy Key Themes “ وقدم أسئلة مشروعة تجعل من الحجة الأخلاقية على وجود الله ضعيفة وهشة – والكلام للمؤلف – سبب وحيد يجعل الناس يظنون أن من المهم جداً وجود الإله: قد يبدو أن تكون الأخلاق مستحيلة من دون الإله. ويتضمن وجود قانون أخلاقي أن يوجد من يسنّ القانون والكائن الوحيد الذي هو في وضع يخوله سنّ قوانين من هذا القبيل هو الإله لهذا إذا لم يكن الإله موجوداً فإن الأخلاق غير ممكنة. حتى إن بعضهم قد استخدم هذا الأمر كدليل على وجود الإله. لمّا كان هناك شيء من قبيل الأخلاق ولمّا كان الإله وحده قادراً على أن يكون مصدرها فإن الإله واجب الوجود, إن المقدمة الأولى لهذه الحجة موضع تساؤل لأن كوننا نتبع القواعد الأخلاقية ونؤمن بوجود الأخلاق لا يضمن أن توجد الأخلاق مستقلة عنا إنما نتبع تقاليد بشرية أو قوانين أخلاقية أنشأناها نحن لا الإله. لهذا على الرغم من أنه لا ريب في صدق وجود الأخلاق بصورة من الصور ليس واضحاً أن هذه أخلاق بمعنى مجموعة من القوانين سنّتها سلطة إلهية. والمقدمة الثانية للحجة أكثر أهمية لأنه سواء كانت الحجة من وجود الأخلاق إلى وجود الإله تعمل أم لا , فلا يزال هناك قضية ما إذا كان إمكان وجود الأخلاق يعتمد على الإله بصورة ما أو لا يعتمد. < 6 > يحدثنا جوليان باجيني الآن عن معضلة يوثيبيرو The Euthypyro Dilemme وهي عبارة عن حوار داخلي طرحه أفلاطون قديماً:
الحقيقة أن أفلاطون قبل 2000 سنة وضع حجة مقنعة جداً بأن الأخلاق لا تعتمد على الإله وذلك في حوار يدعى يوثيبيرو Euthypyro والحجة بسيطة جداً تقوم على الأجوبة الممكنة عن سؤال بسيط: أيختار الإله ما هو صالح لأنه صالح أم أن الصالح صالح لأن الإله يختاره؟ ( يدور سؤال أفلاطون عن الآلهة لا عن الإله وعن المقدس بدلاً من الصالح لكن النقطة الأساسية هي ذاتها ) تأمل الإمكان الثاني . إذا كان الصالح هو فقط ما يختاره الإله فيبدو أن التفريق بين الصالح والطالح هو تفريق قسري, فما الذي يمنع الإله أن يقرر أن القتل صالح والرأفة طالحة مثلاً؟ وإذا كان الصالح والطالح قسريين بهذه الصورة فإنهما إذن يفقدان قوتهما الأخلاقية . من المؤكد إذن أن الخيار الأول هو الذي يجب أن يصح. إن خيار الإله للصالح والطالح ليس قسرياً, ليس كونه يختار الصالح هو الذي يجعله صالحاً إنه يختار الصالح لأنه صالح, لكن هذا يعني أن الأشياء الصالحة صالحة بصورة مستقلة عن الإله واختيار الإله لا يجعلها صالحة – هي صالحة قبل أن يختاره الإله وهذا يعني أن الصلاح لا يعتمد على الإله. < 7 >
يتابع جوليان باجيني في كتابه لينتقد فكرة ارتباط الإله مع الأخلاق ولكأن المؤلف يريد أن يقول لنا أن الأخلاق منفصلاً تماماً عن فكرة امكانية وجود الله!! كيف لا؟ وأن الإنسان هو الذي وضع معايير وقيم الصالح والطالح, فتلك القيم كما رأينا عند المذهب الأخلاقي العقلي أن الخير واضح ومفهوم في العقل والشر أيضاً ومع هذا يعود المؤمنين ليقحموا الله في المفهوم الأخلاقي:
لكن إذا كان الصالح والطالح لا يعتمدان على الإله, فهذا يعني أننا لا نحتاج الإله لكي يوجد الصالح والطالح إذا كان الإله غير موجود. إذن فإن الصالح والطالح يظلان موجودين وهكذا لا يوجد علاقة اعتماد متبادل بين الإله والصلاح وهكذا لا يُثبت وجود الأخلاق وجود الإله كما أن عدم وجود الإله لن يهدد الأخلاق < 8 > لقد أثارت معضلة يوثيبيرو ضجة كبيرة في الأوساط الثقافية بعدما طرحت نفسها بشكل أكبر فيما بعد ... حاول المؤمنين إخراج الله من الورطة الكبيرة التي وقع فيها. والآن جوليان يستعرض فكرة المؤمنين الجديدة ثم سيوجه لها انتقاد حاسم للقضية ... علماً أن باب النقاش مفتوح بالنسبة للمؤمنين ولغير المؤمنين فعندما يحاول المؤمنين - كما سنرى الآن - إيجاد حل للمشكلات التي يعانيها الله سيقابل هذا الحل بعشرات الانتقادات وأتساءل لماذا يا ترى يحدث ذلك؟ هل لأن فكرة وجود الله هشة إلى هذه الدرجة؟؟؟
يقول جوليان باجيني في كتابه: يعد الكثيرون هذه الحجة حاسمة وحاول بعضهم الرد عليهم. فقيل مثلاً إن الإله هو الصلاح وهكذا يكون السؤال المطروح في معضلة يوثيبيرو Euthypyro سؤالاً مضللاً الإله يختار ما هو صالح, الإله هو ذاته صالح لكن عندئذ يبقى بإمكاننا طرح المعضلة الأساسية ذاتها في صيغة أخرى: هل الإله صالح لأن الصالح هو الإله تماماً مهما كان؟ أو الإله الصالح لأن الصلاح متجسد في الإله؟ وبكلمة أخرى أيكون الإله صالحاً مهما كانت طبيعته - كلي الرحمة أو كلي النقمة - أم الإله صالح لأن ما يعنيه كونه صالحاً ظاهراً تماماً في الإله. إن الأجوبة تقود إلى النتيجة ذاتها: إذا كان الصلاح غير قسري فإن صلاح الإله يجب أن يعكس طبيعة الصلاح ذاتها الأمر الذي يعني أن مفهوم الصلاح قابل للانفصال عن مفهوم الإله < 9 > إذا كان المؤمنين قد حاولوا الرد على يوثيبيرو للتخلص من المعضلة بإدعائهم بأن الله هو الصلاح بقيت فرضية ارتباط الأخلاق بالله أمر مثير للشك والريبة وتطرح إستفهامات عديدة .. بل أكثر من ذلك هناك من العلماء قد قال بأن ( الله هو الشر) أي بأن الله هو الظلمة القصوى والعدو الذي يجب محاربته.
وهذا العالم الاشتراكي هو برودون ويحدثنا الأستاذ أندريه ناتاف Andre Nataf في كتابه " الفكر الحر " “ La Libre Pensee´ “
ويخبرنا أندريه عن ذلك الباحث الاشتراكي اللامع بقوله : {الله هو الشر} برودون Proudhon ( 1865 – 1809 ) معروف كاشتراكي وكخصم لماركس, لقد كان كاتباً أصيلاً خرج من الشعب كما كان مع باكونين Bakounine أحد مؤسسي الفوضوية, فإن برودون له هذه الصيغة لفكر حر لا يلين { الله هو الشر }: فكرة فيها من المفارقة ما يجعلنا لا نعلم إن كان ينبغي اعتبارها سفسطة أم طفولية أم تجديفاً, لم يجرؤ أحدٌ قبل برودون أن يفكر في قلب افتراض الحس السليم المقبول منذ قرون والذي يعتبر أن الله هو الخير نظراً لأن الشر يعود لإبليس أو للخطيئة. < 10 >
بعد كل ذلك من النقاشات المطروحة لدينا بعض الأسئلة التي يحق لنا أن نطرحها عليكم هل الله حقاً هو خيّر أو كلي المحبة – كما يرى المسيحيون –؟ هل سألنا أنفسنا .. يا تُرى هل الله يستحق الصفات الحميدة التي ننعته بها؟ كيف يكون الله كلي الرحمة والمغفرة والحنان والشر موجود في العالم والزلازل والبراكين تقتل آلاف الناس بدون تمييز بين صغير أو كبير بين عاجز أو امرأة ... من المسؤول عن الطبيعة الأساسي في المفهوم الديني؟ ... الجواب هو الله؟ إذاً لماذا يفعل الله ذلك طالما هو كلي الرحمة والمحبة؟ يقودنا ذلك إلى قول أبيقور في انتقاد رحمة وقدرة الله المزعومة بقوله: (( هل يريد الله أن يمنع الشر, لكنه لا يقدر؟ حينئذ هو ليس كلي القدرة هل يقدر لكنه لا يريد ؟ حينئذ هو شرير؟ ))
وهكذا لم يخطأ الإشتراكي اللامع برودون بمقولته (الله هو الشر) ... وأستطيع أيضاً من خلال أطروحة أبيقور ومقولة برودون أن أنشأ هذه القضية المنطقية ذات المقدمات والنتائج: مقدمات Premises: أ : اذا كان الله موجوداً فإنه ذو قدرة عظيمة ب : اذا كان الله موجوداً فإنه خيّر ومحب ج : يوجد شر في العالم نتائج Results: أ : الله الخير والمقتدر لن يسمح بوجود الشر لأنه خير ب : الله - الكلي القدرة والكلي الرحمة - لم يستطع إزالة الشر من مملكته إذن الله لا يمكن أن يكون موجود لأنه ليس كلي القدرة ولأن الشر بقي موجود في العالم. ج : نستنتج: إما أن يكون الله ليس كلي القدرة لأن الشر بقي موجود أو أن الله هو شرير ولا يستحق أن يكون رحيماً لأنه يرى الشر ولا يمنعه.
وسأختم هذا القسم من المقال هذه الكلمات و الأبيات الشعرية الرائعة وردت في كتاب " آراء الدكتور شبلي شميل " تحت عنوان " رسالة المعاطس لابن جلا " < 11 >: ألا ترى أن الناس كما هم مخلوقون مظلومون ومن الظالم غير الله إن صح ما يزعمون وهل يصح أن يكون هو الذي ابتلاني في الدنيا الفانية بالعوز والسقم وبشيء من الفهم زيادة في البلاء ثم يهددني في الدار الباقية بالشقاء ويدعني أقول في الشكوى من هذا القضاء:
أنا أيوب في ألمي ** ولكن ليس في صبري هواك فقمت تخبره ** وما قصرت في ضرِ ولكني أنا بالعكـ ** س لا أهواك عن عذرِ حبيبك منك في ألم ** وخصمك منك في شرِ فما أنت الذي يُرجى ** إذا كنت الذي ندري < 12 >
* * *
أهكذا صنعتم ** إلهكم صنع اليد إن كان هذا ربكم ** يا أمماً لم تهتدِ فما أنا منكم ** وإني ملحد في ملحدِ
< 13 >
ثالثاً: نقد الأخلاق الدينية ( مشكلة الأخلاق الدينية ):
{إن الدين لا يستطيع أبداً أن يغير قلب الإنسان دون أن يكون في هذا القلب عدول عن الشر} < 14 >
كما رأينا في القسم السابق مسلسل ربط الأخلاق بوجود الله الذي تناوله الدينيون تعرض لكثير من الانتقادات ولكن لا يتوقف الدينيون عند هذا الحد بل يتابعون عملهم في الدفاع عن عقيدتهم ومقدسهم ليحصلوا على حوريات الجنة وخمورها وولدانها أو لأسباب أخرى يخفونها في نفوسهم .... فهذه المرة يعتبرون أن الدين هو ( مصدر الأخلاق ) وأن المجتمعات الدينية هي من أفضل المجتمعات أخلاقاً كونها تتربى على يد الكتب المقدسة ( الأديان ) وبالتالي يعتقدون أن الأديان هي أعظم مربية للأخلاق وهنا يقعون في مشكلتين: الأولى: أن المجتمعات الدينية ( العربية خاصة ) تعاني من تزايد في الفساد الأخلاقي وبهذا يتناقض قولنا مع الفكرة الشائعة بأن مجتمعات العربية مجتمعات محافظة. أما الثانية: أن الدين هو بالأصل يدعي امتلاك الأخلاق والأسبقية في معرفة القواعد والمبادئ الأخلاقية التي تصلح في كل زمان ومكان ناسياً أو متناسياً أن الأخلاق حتى بين الأديان هي نفسها لا تختلف كثيراً وقد طرحتُ السؤال أيضاً: هل الصدق في الإسلام يختلف كتعريف عن الصدق في المسيحية؟ وطالما أنه لا يختلف لماذا إذن هناك كل هذه الأديان؟ وأنا بالتالي سأتحدث بالتفصيل عن تلك المشكلتين آنفة الذكر.
أ – الأخلاق والمجتمعات الدينية:
لم يكن بحسبان المتدينون تدهور المجتمعات الدينية في الآونة الأخيرة وخاصة بالنسبة للمجتمعات الشرقية و الشرقية العربية وهي مجتمعات محافظة كما نعلم جميعاً. لقد أثبت الدين فشله في تربية مجتمعاته التربية التي كان يحلم بها وهذا يعود باعتقادي إلى مطالب الدين ( خاصة الإسلام ) الشديدة والحذر الذي يفرضه على أبنائه لأن الدين الإسلامي مثلاً يرغب في أن يكون المجتمع الإسلامي (مجتمعاً ملائكياً) وهذا لم يحدث ولن يحدث إلا في خيالات الدين وأحلامه .... وقد وضع الدين الإسلامي ضوابط رادعة في الدنيا والآخرة أما في الدنيا رجم الزاني إذا كان محصن ( متزوج ) حتى الموت أمام الناس جميعاً من أهل بلدته جلد القاذف ثمانين جلدة ولا تقبل شهادته, قطع يد السارق .... وفي الآخرة يعد الله للعصاة وللفاسقين عذاب شديد على أبواب جهنم التي يحرسها ملائكة غلاظ شداد ... وأسأل نفسي ما فائدة هذه العقوبات التي تشبه السادية والتعذيب للناس؟ هذا النوع من التعذيب يتناسب مع بيئة أصحابه البدوية على ما يبدو ... ألمْ يكن القانون الوضعي الآن مصيباً أكثر؟ فالذي يريد أن يفعل الخطأ سيفعله مهما كان وأعتقد أن العلاج النفسي سيكون الحل الأوحد بدلاً من العقاب الديني السادي والمتخلف .. يقول الشيخ ابن عثيمين في خطبته " أسباب الزنا وحكم الدش " فيقول: (( فمن ذلك عقوبة القاذف وهو الذي يرمي غيره بالزنا فإذا كان هذا الغير محصنا أي معروفا في العفة فقال له أنت زاني أو يا زاني أو ما أشبه ذلك فإنه يطالب بالبينة الشرعية وهو أربعة رجال يشهدون على صريح الزنا فإن لم يقم هذه البينة وجب أن يعاقب بالحد والحد ثلاثة عقوبات يجلد ثمانين جلدة ولا تقبل منه شهادة أبدا ويحكم بفسقه لقول الله تبارك و تعالى : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النور:5) وإنما أوجب الله عقوبة القاذف بتلك العقوبات حماية للأعراض ودفعا عن تهمة المقذوف البريء البعيد عن التهمة وفرض الله تعالى عقوبة الزاني وجعلها على نوعين بالجلد مائة جلدة أمام الناس ثم ينفي عن البلد لمدة سنة كاملة وذلك فيما إذا لم يسبق له زواج تمتع فيه بنعمة الجماع المباح يقول الله عز وجل: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (النور:2) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ) والنوع الثاني من عقوبة الزناة الرجم بالحجارة حتى يموت ثم يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدعى له بالرحمة ويدفن مع المسلمين وهذه العقوبة لمن سبق له زواج تمتع فيه بالجماع المباح وإن كان حين فعل الفاحشة لا زوج معه. قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه على منبر رسول الله صلي الله عليه وسلم إن الله بعث محمدا بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل الله عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها فرجم رسول الله صلي الله عليه وسلم ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل والله ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله وإن الرجم حق في كتاب الله على من زنا إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل يعني الحمل أو الاعتراف ))
أما عن " الدش " الذي يفسد ويضر بنظره أخلاق الناس: (( ومن ذلك أيضاً ما فتن به بعض الناس من تركيب ما يسمى بالدش على بيوتهم الذي يتضرر به أهل البيت ويتضرر به ( ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ) وهذه الدشوش بناءً على أن أكثر ما تستعمل فيما لا يرضي الله عز وجل يحرم بيعها وشرائها وتركيبها والاستفادة منها لأن غالبها الشر وقد قال الله تعالى في الخمر والميسر: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) (البقرة:219) ولأجل ذلك حرمهما الله عز وجل تحريما باتا )) < 15 > وكل تلك العقوبات غير موجودة طبعاً الآن ولا يطبقها أي عاقل. كون البلدان العربية ذات الأغلبية المسلمة هي دول علمانية تحتكم إلى قانون وضعي وليس إلى قوانين سماوية …
ولكن ما هو مشهد المجتمعات العربية المسلمة والمحافظة يا ترى الآن ..؟
- ارتفاع حالات الطلاق في مصر:
تشير الإحصائيات الرسمية بمصر إلى انخفاض نسبة الزواج في مصر بدرجة كبيرة فقد بلغت عقود الزواج في العام الماضي 63 ألف عقد بينما وصل عدد حالات الطلاق إلى 78 ألف حالة وقد تعدى سن 35 سنة نسبة 35% من الفتيات دون زواج 20% منهن يتزوج بين 35 و40 سنة منهن 55% حاصلات على الماجستير والدكتورة و25% خريجات جامعة و15% مؤهلات متوسطة و10% لم يكملن التعليم. ويفسر خبراء الاجتماع ارتفاع سن الزواج خلال السنوات العشر الأخيرة بالظروف الاقتصادية بالإضافة إلى التغيرات التي طرأت على شخصية البنت المصرية في ظل ارتفاع تكاليف الزواج التي وصلت إلى أرقام خيالية سواء المهر أو الشبكة أو الأثاث بالإضافة إلى الشقة التي تعد أكبر مشكلة تواجه المقبلين على مشروع الزواج! وحتى الأفراح أصبحت باهظة التكاليف ويحرص عليها الفقراء والأغنياء فهي تعد مناسبة للتفاخر الاجتماعي والاقتصادي بالإضافة إلى قيمة المؤخر الذي يصر الآباء على أن يكون كبيرا بغض النظر عن مستوى العروسين وحتى يضمن والد العروس عدم غدر العريس بابنته. < 16 > - ارتفاع قضايا المخدرات في السعودية إلى 33.7% العام الماضي:
كشف باحث سعودي عن ارتفاع أعداد قضايا المخدرات التي تم ضبطها في السعودية خلال العام الماضي 1423-1424 إلى 16.3 ألف قضية وهو ما يمثل نسبة ارتفاع 33.7% عما كانت عليه عام 1421. وأوضح سلمان بن محمد العمري في بحث أصدره بعنوان "وباء المخدرات وخطره على صحة المجتمع" أن أعداد المتهمين في قضايا جلب المخدرات والاتجار فيها والترويج والتعاطي زادت خلال عام 1422 إلى 22349 متهما تمثل نسبة 30% خلال الفترة نفسها. وأضاف العمري أنه فيما يتعلق بالمواد المخدرة التي تم ضبطها خلال عام 1422 فقد كانت تزن 347043 كيلو جراما تعد من أخطر أنواع المخدرات وبمقارنة هذه الكمية بالكمية المضبوطة عام 1421 يتضح أنها تزيد عليها بنسبة 36% وهي نسبة كبيرة إذا وضع في الاعتبار احتمالات الكميات التي لم يتم ضبطها. وفيما يخص "وقوع المخدرات" التي تشمل استعمال أو حيازة المخدر أو ترويجه والتعاون على ذلك فقد بلغ عددها 493 وقوعة تمثل نسبة 2% من أجمالي الوقوعات التي تم ضبطها بزيادة عن العام الماضي مقدارها 41.3% فيما بلغ عدد الأشخاص المضبوطين في هذه الوقوعات 493 شخصا ومن أنوع المخدرات التي ضبطت بالسعودية: (الحشيش، أفيون، هيروين، قات، كوكايين، أمفيتامين، سيكونال، كبتاجون), وتتراوح أعمار مستخدميها من الـ20 إلى 51 سنة. وعالج الباحث حجم المشكلة وأسبابها وتطرق إلى الرأي الطبي والديني والاجتماعي في بيان أخطارها. وأوصى في نهاية البحث بالتأكيد على التوعية بأخطارها الصحية والاجتماعية. ودعا إلى زيادة تفاعل الأسرة مع أبنائها وفتح باب الحوار معهم لاستيعابهم داخل قيم العائلة وحمايتهم من منزلقات قرناء السوء. وفي تعليق لـ"الوطن" على نتائج البحث قال سلمان العمري إنه لمس من خلال الغوص في المشكلة موضوع البحث أنها مشكلة اجتماعية مستشرية ولا تقتصر على فئة دون أخرى فهي تشمل المتعلمين كما تشمل متوسطي التعليم، وكبار السن كما الشباب، والإناث كما الذكور. وأكد أن التعامي عن التعامل مع جذور المشكلة لن يحلها. مشدداً على أهمية إبراز الرادع الديني والصحي أثناء التعامل التوعوي معها. منبهاً إلى ضآلة تأثير الوعظ المباشر، دون إبراز الأرقام والإحصائيات والحقائق العلمية والطبية للمشكلة. ونبه الباحث إلى ضخامة المشكلة وارتفاع معدلاتها داعياً إلى جهد وطني شامل لمواجهة المشكلة < 17 >
- ارتفاع أعداد العنوسة والطلاق في السعودية :
سجلت نسبة الطلاق زيادة في بعض المناطق السعودية إلى جانب وجود 231 ألف عانس في المملكة. وقالت صحيفة "الجزيرة" نقلاً عن رئيس مشروع التنمية الأسرية في محافظة الاحساء، الدكتور خالد بن سعود الحليبي، أن نسبة الطلاق في المحافظة بلغت 25 في المئة، وتسجل 8 حالات طلاق يومياً في الدمام والخبر. وأشار إلى وجود 231 ألف عانس في مختلف محافظات ومناطق السعودية وفق أحدث إحصاءات وزارة الشؤون الاجتماعية. وقال أن حالات الطلاق هي أحد أبرز دواعي إنشاء مشروع التنمية الأسرية في الاحساء، بالإضافة إلى كثرة الخلافات داخل الأسرة الواحدة، وظهور جهات غير مأمونة تقوم بدور الإصلاح الاجتماعي على غير الهدي الصحيح، وتتمثل في بعض الفضائيات والمجلات. < 18 >
في جريدة " الحوادث " المصرية وردت العناوين التالية < 19 >:
1 – الزوجة المسكينة اغتصبها 11 ذئباً في كفر الشيخ يقول الصحفي الذي ينقل لنا هذه الجريمة المروعة وهو يستفسر: (( ما ذنب هذه الزوجة كانت تجلس في بيتها ولا تسير في الشارع إذا افترضنا أن السير في الشارع أصبح خطراً على النساء كما أنها لم تكن ترتدي ملابس محزق وضيق أو سترتش أو تكشف عن أجزاء من جسدها حتى يطلع علينا من يتهمها بأنها ساعدت على ارتكاب الجريمة بملابسها الخليعة )) 2 – وزارة الصحة المصرية : 570 حالة انتحار في هذا العام 60% من الحالات ينتحرون في النيل و20% بالسم و10% بإشعال النار.
والآن لي تعليق بسيط على حالات الانتحار المريعة التي حدثت في مصر هذا العام ماذا يفعل جامع الأزهر وهو الذي يُعتبر المرجع الأول للبلاد الإسلامية؟ ألا ينبغي لبلد فيها أول مرجع إسلامي في جميع البلاد الإسلامية أن يكون مجتمعه متماسك وأفضل من ذلك؟ أم أنه مشغول في معرفة أنواع الحديث الشريف الصحيح منه والضعيف ومن ثم الرد على خصومه في جامعة الملك فهد الإسلامية في السعودية التي لا يتوقف مشايخها عن إطلاق فتاوى التكفير بحق علماء الأزهر!! ألا ينبغي علينا أن نخجل من أنفسنا بعد الآن وأن نتوقف عن التشدق بالأخلاق العربية و الإسلامية؟ ألا ينبغي علينا أن نتوقف عن نعت الغرب الكافر بالانحلال الخُلقي والاجتماعي؟ بين فتاوى التكفير في السعودية وردود جامع الأزهر عليها تبقى المجتمعات العربية في سكون وانحطاط يحاول الدينيون إخفائه!! المجتمعات العربية تعاني من حالة احتضار وتحتاج لمن يرد لها حيويتها ونشاطها أو أن تموت تحت أقدام علمائنا وهم يتشاجرون عن حقيقة الحديث ضعيف كان أم صحيح!! والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: ( أين هو الحل ؟ ) يرفع المسلمون شعاراتهم الرنانة ويطبلون ويزمرون لها تحت اسم ( الإسلام هو الحل ) ولكن!! لماذا لا يكون الشعار الأصح ( المسيحية هي الحل ) أو ( اليهودية هي الحل ) أو حتّى ( الهندوسية هي الحل ) ... يعطينا مفهوم " معتقدي هو الحل " نتيجة هنا وهي أنه أصبح شعاراً زائفاً تستشف منه دعاية مماثلة لـ الرغبة في امتلاك الحقيقة المطلقة والوصول إلى الحكم أو إلى أهداف أخرى تمليها المؤسسات الدينية على عقول أتباعها ... ولكن حقاً إن مجتمعاتنا العربية تحتاج إلى اهتمام كبير – باعتقادي – من قبل علماء النفس والاجتماع وتثقيفهم ثقافة نفسانية وعلمية وإعطائهم حلول ذاتية يتبعونها حتى يستطيعوا مبدئياً حل مشاكلهم. أنا لا أقول أنه يوجد حل سريع يستطيع حل مشكلات المجتمعات العربية المتخلفة بين يوم وليلة فهو يحتاج إلى عمل كبير وجهد واسع يبذله أصحاب العقول المتنورة وحتى لو كان هناك حلول ستبقى حالات الاغتصاب والانتحار وهذا شيء طبيعي ولكن يمكن امتصاصها حتى تصبح نادرة .. علم النفس الجنائي مثلاً من مهامه دراسة نفسيات المجرمين ومعرفة الأسباب في إقدام الإنسان على الإجرام ومن ثم وضع خطط لتقليل من عدد الجرائم. لقد أثبتت الدول العلمانية برأيي نجاحها وخاصة أوروبا الشمالية ( الدول الإسكندنافية ) وقد شاهدت برنامجاً على الجزيرة يتكلم عن إحدى الدول الاسكندنافية بأن المحكمة تفتح في السنة مرة واحد فقد أصبح المجتمع هناك بحالة من الترف المالي والأمني ... الخ. وفي نهاية هذه المشكلة – أعني الأخلاق والمجتمعات الدينية - أذكر لكم أنه في قضية المرأة مثلاً كان للأدباء العرب آراء فيها فقد حاولوا إصلاحها والنهوض بها لأنها شطر المجتمع فقد ألّف على سبيل المثال قاسم أمين كتابه " تحرير المرأة " الذي أثار ضجة في البلاد العربية قاطبة. تعددت آراء الأدباء في قضية المرأة فمنهم إصلاحي ومنهم ثوري لأن المرأة عنصر هام للنهوض بالمجتمع. فالشاعر حافظ إبراهيم له كلمات رائعة في المرأة ولكن من وجهة نظر إصلاحية :
أنا لا أقول لكم دعوا النساء سوافراً ** بين الرجال يجلن في الأسواقِ كلاّ ولا أدعوكم أن تسرفوا ** في الحجب والتضييق والإرهاق فتوسطوا في الحالتين وأنصفوا ** فالشر في التقييد والاطلاق
ولكن الشاعر والفيلسوف العراقي الزهاوي يدعو المرأة للثورة على حجابها فيقول:
مزقي يا ابنة العراق الحجابا ** واسفري فالحياة تبغي انقلابا مزقيه واحرقيه بلا ريث ** فقد كان حارساً كذابا
ب – الأخلاق والكتب الدينية:
لو حاولنا تحديد ماهية الكتب الدينية بالنسبة لأصحابها .. الكتب الدينية باختصار هي كتب مقدسة ودساتير حيث أنه لا يمكن للكتب المقدسة أن تخطئ وهي دائماً تريد الصلاح والخير لكل من يؤمن بها بضمانة الله ورسوله. لقد كان جانب الأخلاق من الكتب المقدسة جانب هام و تترجم أهميته من حيث أنه يجذب شريحة كبيرة من الناس إليه عن طريق المقولة الشائعة " ديننا متسامح وربنا لطيف رحيم " ( تذكر قصة صديقنا س الذي تحدثنا عنه في بداية المقال ) .. ولكن تكمن مشكلة الدين في الإدعاء بأنه صاحب الأخلاق بشكل مطلق والسبب لأن الأخلاق التي يأتي بها هي مستوحاة من مصدر سمائي أو ميتافيزيقي, يذهب عن بال الدين أن الأخلاق ليست بالمنظور الذي يراهُ لها. فقد تعددت الأفكار كما تحدثنا في البداية في مفاهيم الأخلاق ولذلك لا يمكن تأصيل الأخلاق وتعميمها على جميع البشر في مختلف الزمان والمكان وهذا رأي الاتجاه الأخلاقي الذي ينظر إلى الأخلاق بأنها نسبية وهناك اتجاه أخلاقي يرى الأخلاق مطلقة ولكن يختلف تماماً عن نظرية الدين في مطلقية الأخلاق .. إن القيم الأخلاقية تبقى واحدة ومطلقة ومفهومة في العقل ولذلك فهي لا تختلف مهما كان الزمان والمكان مثلاً: السعادة والحب والصدق هي واحدة لا تتغير فهل السعادة اليوم تحمل غير المعنى منذ ظهور الإنسان؟ طبعاً لا .. ولكن قد تم الاختلاف في سُبل الوصول إليها ... ولا مشكلة في مطلقية الأخلاق ولكن عندما توجه هذه المطلقية على أساس أن أصحاب هذا الدين المعين سيذهبون إلى الجنة والآخرون إلى النار بعد أن تتم محكمة يجتمع فيها الله وملائكته وأنبيائه والبشر في آخر الزمان ليقوم الإله وملائكته بعملية انتقام أو معاقبة كل من لم يتبع ذلك الدين.. هذا ما يتنافى مع مبادئ أصحاب الأخلاق المطلقة في الفلسفة الأخلاقية. فأصحاب الأخلاق المطلقة ( المعيارية ) - وما سأتحدث عنه في مفهوم الأخلاق المطلقة عند المثاليين يختلف عن الأخلاق المطلقة عند الدينيين - إذ أنه يمثل القائلون بهذا الاتجاه – أي اتجاه المثاليين - من أكبر المذاهب في فلسفة الأخلاق من الحدسيين والعقليين منهم: سقراط وأفلاطون وأرسطو وديكارت وسبينوزا وكنط ويفترضون هؤلاء: بأن الطبيعة البشرية واحدة في كل زمان ومكان بمعنى أنهم يسلّمون بوجود ماهية بشرية ثابتة ومن ثم فإنهم يشرّعون للإنسانية عامة وإن وظيفة الفلسفة الأخلاقية عندهم هي محاولة لوضع مبادئ أخلاقية عامة وثابتة أي مطلقة تُعد غايات بذاتها ويخضع لها السلوك البشري لأنها تلائم أسمى جانب مشترك بين البشر كافة ألا وهو " جانب العقل " فالسعادة هي مطلب بشري أينما كان الإنسان وفي أي زمان ولكن يختلف المثاليين عن الدينيين بأنهم لا يعتبرون أنفسهم أصحاب الأخلاق الحقيقية المطلقة وأن الذي سيخالفهم هو كافر وداخل إلى النار لأنه قد كفر بمعتقدهم وبكتابهم المقدس وهم لا يدّعون الأحقية والأسبقية في امتلاك الأخلاق كما يرى الدين. والأخلاق النسبية: هم فلاسفة المذهب الوضعي التجريبي الذين يرفضون التسليم بوجود قواعد كلية ثابتة ومطلقة يسير بمقتضاها السلوك البشري ويمثل هذا الاتجاه أوغست كونت. - ومن خلال الأخلاق النسبية والمطلقة لدينا نظرة: إن تاريخ الحضارة الإنسانية حافل بالقواعد الأخلاقية والمعايير الاجتماعية التي تتغير من حضارة لأخرى والمتغيرة بتغير الظروف وهنا تتجلى التطبيقات النسبية التي تتمثل في مختلف قواعد السلوك الأخلاقي ومن خلال ما تقتضيه ظروف الواقع الاجتماعية والاقتصادية ولكن مهما تنوعت الشرائع الأخلاقية لابد من أن تستمد أصولها من قاعدة أولية هي احترام الشخص البشري وتقديس القيم الإنسانية. أعود لأؤكد بأن القيم الأخلاقية من: صدق وأمانة وإيثار وحب الناس هي واحدة لا تتغير ولكن الدين يدعي امتلاك الأخلاق عندما يقول: الدين عند الله الإسلام أو الدين عند الله المسيحية أو الدين عند الله اليهودية .... ولكن في أي دين هي الأخلاق الصحيحة؟ ألا تكون تلك الأخلاق التي يتكلم عنها الدين هي أخلاق واحدة ولكن الشرائع الدينية والأسماء والوجوه والكتب هي التي تتغير .. طالما أن الدين يقول أن الأخلاق مصدرها واحد أي الله, إذن لماذا يوجد أديان بدل من دين واحد على اعتبار أن المصدر واحد؟ هل الصدق في الإسلام يختلف كتعريف عن الصدق في المسيحية؟ وطالما أنه لا يختلف لماذا إذن هناك كل هذه الأديان؟ و في نهاية المقالة أنقل لكم هذه الأبيات الرائعة التي تحاول أن تستنطق الكتب الدينية وهي من كتاب " آراء الدكتور شبلي شميل ":
أهل الكتاب ألا أجبتم سائلاً ** ماذا رأيتم في الكتاب من عبر هذيان موسى أم سخافة محمد ** أم ذل عيسى في افتداء البشر < 21 >
* * * نبي الإفك تدعونا ** بإرهاب لكي نرغبْ تقول المرء كذاب ** وربك قبله أكذبْ يمنّنا ويمنونا ** بما أسدى وما أوجبْ فأين الخير في الدنيا ** وأين الأمن في المذهبْ ديانات خرافات ** وقصد الكل أن يركبْ < 22 >
المراجع الرئيسية:
< 1 > الموسوعة الحرة, ويكبيديا wikipedia.org < 2 > الفحص عن أساس الأخلاق, تيسير شيخ الأرض, صفحة 36. < 3 > " الفلسفة مواضيع مفتاحية " “ Philosophy Key Themes “, جوليان باجيني Julian Baggini , صفحة 85 - 86. < 4 > مشكلة فلسفية, د.زكريا إبراهيم, دار القلم, 1962, صفحة 205. < 5 > لماذا لست مسيحياً, برتراند راسل, ترجمة الزميل زمكان. < 6 > " الفلسفة مواضيع مفتاحية " “ Philosophy Key Themes “, جوليان باجيني Julian Baggini , صفحة 235 – 236 . < 7 > المرجع السابق, صفحة 237. < 8 > المرجع السابق, صفحة 237. < 9 > المرجع السابق, صفحة 237 - 238 . < 10 > الفكر الحر, أندريه ناتاف, ترجمة: رندة بعث, دار: المؤسسة العربية للتحديث الفكري, صفحة: 11 – 12. < 11 > آراء الكتور شبلي شميل, محمد كامل الخطيب, دار اليازجي, صفحة 50. < 12 > المرجع السابق, صفحة 50. < 13 > المرجع السابق, صفحة 52. < 14 > الموسوعة النفسية, بهيج شعبان, دار احياء العلوم بيروت, صفحة 53. < 15 > مُتاح على الرابط: http://www.ibnothaimeen.com/all/khotab/ ... _612.shtml < 16 > مُتاح على الرابط: http://www.arabrenewal.com/index.php?rd=AI&AI0=1806 < 17 > مُتاح على الرابط: http://www.arabrenewal.com/index.php?rd=AI&AI0=1850 < 18 > مُتاح على الرابط: http://www.arabrenewal.com/index.php?rd=AI&AI0=8564 < 19 > في عددها 721 الصادر في الخميس 26 من ذو الحجة 1426 هـ 26 يناير 2006 م. < 20 > آراء الدكتور شبلي شميل, محمد كامل الخطيب, دار اليازجي, صفحة 51 < 21 > المرجع السابق , 52 - 53.
Libre Penseur |
|
|
في اللادينية
| | | | ترجع بدايات الحركة اللادينية العربية الى أوائل القرن الماضي عندما جاء الى مصر قادما من تركيا المصري اسماعيل أحمد ادهم ، اذ عمل بنشاط على نشر الفكر اللاديني هناك ، فكتب رسالة صغيرة اسمها ( لماذا أنا ملحد ؟ ) وطبعها في مطبعة التعاون بالاسكندرية ، كما كتب في بعض المجلات هناك ، ولكن العمل المركز والحقيقي في نشر الفكر اللاديني كان على يد جماعة العصور .. |
|
أقرا المزيد... |
في نقد الإسلام
جاء محمد فى زمن كانت فكرة صلة القرابة بين العرب واليهود رائجة بين القبائل العربية حيث كانوا يرجعون نسبهم البعيد لاسماعيل ابن ابراهيم من جاريته هاجر , كما كان رائجا قصة الذبيح وفدائه كما جاءت بالتوراة وان اختلفوا |
|
أقرا المزيد... |
تجارب شخصية في اللادينية
حكايتي (الجزء الأول) مقدمة *** إني شابٌ قد اكتوى بنار الفرقة... وأصابته من تعدد المناهج والمدارس والتيارات الدينية حرقة! بدأت حكايتي وأنا في الثالثة عشرة من عمري وذلك من خلال جماعة الدعوة والتبليغ والتي تعرفت من خلالها على الله ومعاني الحب والوجد له وفيه. إلا أني سرعان ما تذبذبت ما بين التزام وانتكاس ومزيج من التيه المنهجي والخواء الروحي و الذي أدى بي إلى افتقاد معنى العبودية الحقة واللذة الأكيدة. |
|
أقرا المزيد... |
في نقد المسيحية
{1} كفن تورين .. الحقيقة والخداع بقلم : حيران من أمتع المواضيع التي ناقشتها على الإنترنت مع أحد المسيحيين المؤمنين ، هي موضوع كفن تورين، عندما طرح الموضوع كتحدي وإثبات "علمي" على قيامة المسيح من الموت .. إلى آخر تلك الأساطير المسيحية. كما بلغ إهتمام المسيحيين على إختلاف طوائفهم بهذا الموضوع حداً أستطيع أن أصفه بأنه يقترب من الهوس ويستطيع كل من يطلع على هذا الكتاب الذي وضعوه خصيصاً بغية التحدي "العلمي" لمن لا يؤمن بالمسيح وقيامته أن يدرك حجم الهوس الإعجازي الذي أصاب بعض المسيحيين، رغم أن أحد الباحثين قد أجاب على سؤال "هل تعتقد أن هذا الكفن هو كفن المسيح؟" بقوله |
|
أقرا المزيد... |
مبادىء في اللادينية
في الدوغما الدوغما كتعريف مبدئي هي الإعتقاد أو المجموعة المركبة من المعتقدات doctrine السلطوية التي تعطي نفسها حق الإثبات، لا تحتاج لدليل ولا تقبل التشكيك في صحتها و من المستحيل تصور إحتمالية خطئها والتي يأخذ بها من قبل الدين، الأيديولوجيا أو أي " تنظيم ". في التعريف أعلاه أهم ما يميز الدوغما هي خاصية إستحالة اللاإمكانيةIndefeasibility في خطأ المعتقد الدوغمائي. و التعريف المبدئي أعلاه - و إن كان واثقا- خاضع للنقاش و التعديل و هو ليس تعريفا دوغمائيا للدوغما. الفرق بين الدوغما و المُسلّمةهنالك فهم خاطئ للدوغما حيث يلصق أي معتقد بالغ اليقين أو " مؤكد " بالدوغمائية ، المسلمات هي أفكار لا تقبل الإثبات من عدمه أو هي مفاهيم تقبل لذاتها، في المسلمات الرياضية مثلا هنالك مسلمات Axioms يصعب تخيل إنعدام لاإمكانيتها، تعريف و قياس النقطة مثلا و إعتبارها جزء من القطعة المستقيمة (أو قطعة مستقيمة متناهية الصغر) مثال أخر في حقيقة وجود الدائرة هي إفتراض يسلم به ( فليس هنالك دائرة مثالية إلا نظريا) بعض العبارات أيضا من الصعب تخيل لاإمكانيتها مثل " الأعزب هو الشخص غير المتزوّج " هذه عبارة لا تحتاج الإثبات و من الصعب تخيل خطئها فكيف من الممكن وجود أعزب متزوج ؟! كذلك هنالك ما يعرف بــ" الحقائق التحليلية " مثل 1+1=2 و مجوع زوايا المثلث تساوي 180º و هي أيضا أمور يصعب تخيل خطئها. كل ما ذكر هي أمور محددة جدا و بسيطة و أساسية كمعتقدات و هي نقاط البدء في التحليل المنطقي و ليست نتائج مركبة على درجة من التفصيل كما في الإعتقادات الدوغمائية التي تحوي جملة نتائج يؤخذ بها بطوباوية. الدوغما الدينية تكون بسيطة أساسية كما في " الإله موجود" لكنها نادرا ما تنتهي عند ذلك الحد و عادة ما تأخذ شكل " الإله موجود خلق الكون بما فيه و يتحكم به" في هذه الحالة هنالك مجموعة من النتائج يؤخذ بها على أنها صحيحة كمعتقد مركب غير قابل للدحض و تستحيل لاإمكانيتها. و كل ذلك الإطلاق هو إطلاق غير مبرر إذ من الصعب جدا تخيل أن 1+1 لا تساوي 2 كفكرة على هذه الدرجة من الأساسية و البساطة أما الدوغما فتحمل تفصيلات من الممكن على الأقل تخيل عدم صحتها لكن ذلك يرفض بشكل أعمى أحيانا بوجود تبريرات دائرية المنطق أو دون أي تبرير بحجة أن ذلك أمر يعتبر من اللامقبول منطقيا أو شرعيا أو غير ذلك من إلصاقات. بالنسبة للقناعات العلمية التي تم التوصل إليها بالإستدلال و التجربة فهي و إن كانت حقائق تم التوصل إليها بجهد و تعب إن كانت على درجة عالية من اليقين (تسارع الجاذبية مثلا) إلا أنها ليست من الدوغما في شيء لانها مدعومة بالأدلة أولا و لا تنأى بنفسها عن شرط وجود الدليل و فوق كل ذلك فهي تبقى نظريات تقبل الدحض و لذلك تتطور و تظهر نظريات علمية جديدة فالمعرفة العلمية " مؤقتة " و يتسع صدرها للنقد و قابلة لمحاولة الدحض إذا ما ظهر بديل مثبت و قابل للقياس أي أن لاإمكانيتها ليست مستحيلة و ذلك يعارض أبرز شروط الدوغما. عملية التفريق بين الإعتقادات الدوغمائية و غير الدوغمائية فيها مشكلة معيارو ليست دائما بهذه السهولة خصوصا عند الحديث في إعتقادات ليست على درجة من الأساسية و البساطة، فمسألة إنعدام اللاإمكانية قضية فلسفية حيث يعتبر الفيلسوفQuine أن كل شي يقبل اللاإمكانية و أي حقيقة قابلة للدحض، حتى أبسط الحقائق و المسلمات يمكن تخيل لاإمكانيتها أي قد نجد مبررات لرفض حقيقة أن 1+1=2 ! الدوغما في الأديان معظم المعتقدات الدوغمائية هي دينية ميتافيزيقية و تعريف الدوغما مرتبط بالدين حيث تكون أبرز أمثلة الدوغما في الأديان حيث المفاهيم التي من غير المسموح التعرض لها و التي لا تعتمد على أدلة سوى عنصر الإيمان لدى الفرد، الدوغما في الأديان شكل من الأسسية الفلسفية Foundationalism ، الدوغما الدينية تشمل المباديء الأساسية في صلب الإعتقاد و التي يجب على كل من يؤمن بالدين الأخذ بها والتي تنطبق على مجمل المنظومة الثيمولوجية التي يعتبرها الدين أساسية لدرجة أن من يشكك في صحتها أو إمكانية الخطأ فيها هو شخص خارج هذا الدين لا يعتنقه أو شخص دخل في مرحلة شك أو ما يسمى أحيانا "الشبهة" ، رفض الدوغما إنحراف عن الدين و مثال ذلك في الأديان الإبراهيمية كما في الوصايا العشر لدى اليهودية و دوغما حقيقة الروح القدس في المسيحية مثلا (رفض الروح القدس كخطيئة دائمة لا تغتفر) كما إعتبرت الكاثوليكية الرومانية أراءاً بابوية غير قابلة للدحض مطلقا (رغم عدم إلوهيتها) ذلك يٌعرف بإنعدام النقص البابوي Papal Infallibility و في البروتستانتية يعتمد على "عبارات الإيمان" التي تلخص الدوغما الأساسية وفقا لتلك الكنيسة. إسلامياً ، بالرغم من إختلاف الطوائف و الفرق الإسلامية في عدد من المسائل الثيولوجية إلا أن الدوغما الإسلامية تنحصر أساسا في أركان الإسلام التي من لا يؤمن بها لا يعتبر مسلماً و هي جملة معتقدات الإيمان بالله، كتبه، رسله، اليوم الاخر و القضاء و القدر، و ذلك مثال كلاسيكي على المعتقدات التفصيلية كجملة من النتائج التي لا تقبل إحتمالية الخطأ . الدوغما في الدين الإسلامي يمكن حصرها نظريا في منظومة الثيولوجيا التي لا تقبل التشكيك و هي جانب " العقيدة " في الدين على إختلاف تفسيراتها حسب الفرق و الطوائف الإسلامية. في المسيحية و الإسلام للدوغما بعض الأمثلة الغريبة بين معتنقيها، فمن المسيحيين من يؤمن بدوغمائية أن النبيذ الذي يشربه في الكنيسة سيتحول إلى دم المسيح في أجسادهم بشكل فعلي! و ذلك كتفسير حرفي لنص ديني مقدس رغم أن ذلك أمر يمكن طبعا إختباره علميا لكن مع الدوغما لا يحق لنا التشكيك في ذلك الأمر، و من المسلمين هنالك أفراد على قناعة تامة ان الشهب هي فعلياً مرسلة نـحو جن و شياطين تسعى لإستراق السمع!، مع أننا نعلم الآن أن ذلك لا يتعدى سوى أجسام صخرية تدخل الغلاف الجوي و تحترق بسبب تفاعل كيميائي و تسقط بتسارع بسبب جاذبية الأرض، التشكيك في الرواية الدينية طبعا مرفوض بسبب الدوغما، حتى لو علم هؤلاء الأفراد كل الحقائق العلمية المرتبطة بمثل هذه المواضيع أثر الدوغما قد يعطي الترجيح لمثل هذه الإعتقادات الدينية التي لا يزال يؤمن بها بعض الناس حولنا الآن في القرن الواحد و العشرين. مثل هذه المشاهدات مثال على الآثار الخطيرة للدوغما خصوصا في منطقة لم تمر بأي عملية إصلاح ديني. الدوغما خارج الدين خطأ شائع أخر هو ربط الدوغما فقط بالدين رغم أن خواص الدوغما في تعريفها ممكن أن تنطبق على أي إعتقاد يوافي الشروط الآنف ذكرها ، صحيح أن وجود سلطة ما هو جزء في التعريف لكن ليس بالضرورة أن يكون مصدر هذه السلطة مصدرا دينياً. توصف عدد من المعتقدات الفلسفية و الأيديولوجيات السياسية بأنها دوغمائية، ذلك واضح و معلن في الأسسية Foundationalism التي تعتمد على علة أولى لا تقبل التشكيك و البحث عن الإثبات، عدد من الإيديولوجيات السياسية (مختلفة المضمون) حملت في طياتها دوغما قوية في إستحالة خطأ أفكارها الأساسية مثل النازية و الفاشية في طروحاتها العنصرية و كذلك الحال بالنسبة للدوغما السياسية التي حملها عدد لا بأس به من السوفييت حيث تم رفع أفكار معينة إلى درجة عالية من اليقين لدرجة رفض التشكيك فيها ( دوغما المصير الثوري المحتوم) ، أيضا الدوغما السياسية شوهدت بأشكال مختلفة في العالم العربي أما الدوغما السياسية الأكثر حداثةً هي الإعتقاد الراسخ غير القابل للمناقشة بأن الليبرالية كنسق سياسي هي النظام السياسي الأمثل للشعوب و غالبا هذه الليبرالية تكون مصحوبة بــ " وصفة " من الحلول الجاهزة و المعدة سلفاً. كذلك الدوغما نشاهدها في ميادين أقل جدية في مختلف جوانب الحياة، في الرياضة مثلا حيث التشجيع العاطفي يصل إلى درجة الإصرار على أفضلية فريق معين بشكل دائم خلافا للنتائج الواقعية (مثال حالة الدفاع الأعمى عن حالة "يد الإله" لمارادونا في عام 1986) و يقود ذلك إلى العنف أحيانا و غير ذلك من مظاهر دوغمائية في عبادة البشر. الإستخدام العصري لكلمة دوغما يعبر عن سلبية كبيرة واضحة و هو مصطلح كريه يستخدم في النقد اللاذع للأفكار للتقليل من شأنها و يستخدم في وصف تعنت و "غباء " فكرة ما بالقول أن صاحبها يحمل إعتقادا دوغمائياً رغم معارضة الأدلة لذلك الإعتقاد (خصوصا في الأوساط الأكاديمية)، الدوغما و الإطلاق في عالم اليوم أصبحت أمور مرفوضة تماما و يربط بينها و بين العنف و التطرف و ذلك أمر واضح في إعلان الأمم المتحدة لمبادئ التسامح. United Nations Declaration on the principles of Tolerance المادة 3 من الفقرة 1 في إعلان الأمم المتحدة العالمي لمبادئ التسامح: Tolerance is the responsibility that upholds human rights, pluralism (including cultural pluralism), democracy and the rule of law. It involves the rejection of dogmatism and absolutism and affirms the standards set out in international human rights instruments. "التسامح هو المسؤولية التي تدعم حقوق الإنسان، التعددية ( من ضمنها التعددية الثقافية)، الديمقراطية و سيادة القانون. و تتضمن أيضا رفض الدوغمائية و الإطلاق و تؤكد المعايير المستخدمة في آليات حقوق الإنسان العالمية". حتى الأديان أصبحت تحاول جاهدة أن تنأى بنفسها عن الدوغما و مؤخرا المراوغة أن الاخر" الكافر" المتعنت الذي لا يتفق مع طروحات الدين هو "دوغمائي" في رفضه " للحقائق" الدينية التي "لا جدل فيها"، طريف حقا إستخدام الدوغما في نقد و إلباس الدوغما للآراء المخالفة! لكنه أمر نفسره بسبب الخلفية الدينية و التدين الشمولي الذي يفرض إعتقادات مطلقة في جميع نواح الحياة و ليس فقط دوغما "فرعية" كرأي شخصي ذاتي. الدوغما و الإلحاد أحيانا يٌتّهم الإلحاد بالدوغما و ذلك غالبا يبنى على فكرة أنه بما أن الملحد لا يستطيع أن يحقق يقينا مطلقا حول وجود أو عدم وجود إله أو قوة ميتافيزيقية فيجب عليه ان يتخذ موقفا لاأدرياً في إعلان عدم المعرفة لكن بما أنه يختار الإلحاد كموقف فهو يتخذ ذلك الموقف بدوغمائية مثل الدين تماما لكن بالإتجاه المعاكس، هذه الحجة تخلط تماما بين مفهوم الدوغما و بين "المعتقد بالغ اليقين" أو الإقتناع الراسخ ، هنا يجب العودة إلى التعريف و أهم خاصية للإعتقاد الدوغمائي و هي إستحالة اللاإمكانية و طالما الفرد يقر بإحتمال الخطأ و قبول إمكانية دحض الإلحاد و أحقية نقده فذلك ليس من الدوغما في شيء بغض النظر عن مستوى اليقين أو الثقة في ذلك الأمر، طالما اللاإمكانية واردة عندها ذلك الإعتقاد ليس دوغمائيا و ذلك هو الأمر في الإلحاد، فوجود ملحد دوغمائي يعني ان ذلك الشخص يعتقد بعدم وجود إله أو أي قوة ميتافيزيقية دون أي إعتبار لإحتمال الخطأ و أن خطأ الفكرة مستحيل الإمكان و ذلك موقف مشابه للموقف المتدين حيث إحتمال خطأ المعتقدات الدينية الأساسية غير وارد إطلاقا، المسألة بالنسبة لكل منهما هي المستحيل كما في الحصول على رقم سبعة عند رمي حجر النرد! إزدياد قناعة شخص ما بفكرة معينة لا يعني الإقتراب من الدوغما طالما الفكرة تضمن إمكان خطئها و إحتمال لاإمكانيتها، و بنفس الوقت مسألة القبول بإحتمال الخطأ لا تعني أن ذلك المعتقد خاطيء بالضرورة (و هذا أمر يصعب تفهمه لمن يخالف في الرأي من أصحاب الدوغما) القبول باللاإمكانية كإحتمال لا تعني أن يتم إيقاف الحكم أو التوجه إلى اللاأدرية فقط لعدم إمكان الوصول إلى اليقين "المطلق" الطريف في الدعوة إلى اللاأدرية بسبب كون الإلحاد لا يدعي لنفسه باليقين المطلق (ولذلك يجب عدم المبالغة في الثقة بصحة الإلحاد) أن مثل هذه الدعوات تأتي من جهة تدعي إمتلاك يقين مطلق يستحيل خطأوه، المستغرب هنا هو منع فعل معين و الإتيان بمثله، أليس من الأجدر أن تتخذ هذه الجهات موقفا لاأدريا هي نفسها قبل أن تعظ غيرها من المواقف الفكرية؟! الإلحاد - بالتعريف- لا ينبغي أن يحمل أي دوغما لكن ذلك لا ينفي وجود نوع من الإلحاد الدوغمائي الساذج لدى بعض الأفراد و مثل هذا الإطلاق في إدعاء المعرفة مرفوض بغض النظر عن طبيعة المعتقد إن كان إيمانيا أو إلحاديا أو غير ذلك. من جهة أخرى الإلحاد لا يحتاج إلى الدوغما بهدف "الترسيخ" أو لتبرير معتقدات محددة كما في الأديان و بعض الإيديولوجيات الأخرى ، فليس في الإلحاد تداعيات معينة و لا نتائج إضافية ليس هنالك دليل عليها لكي تحتاج إلى دوغما كحصانة تؤكدها و تمنع نقدها، و الإلحاد لا يثبت نفسه بنفسه و لا يرغب في إدعاء ذلك و لا ينأى بنفسه عن اللاإمكانية و الخطأ و كل ذلك يعارض أهم شروط الدوغما. الدوغما و الفلسفة العقلانية النقدية
أهم مبادئ الفلسفة العقلانية أنه حتى يوصف أي طرح بأنه علمي عقلاني و أن له معنى فلا بد و أن يكون قابلا للدحض falsifiable أو Defeasible و سبب ذلك يعود إلى رفض الإستقراء من الجملة الإخبارية الأحادية إلى جملة إخبارية عامة حيث سؤال هل من الممكن إستنباط أن الظواهر المشاهدة سابقا يمكن تكرارها في أحداث أخرى لم تشاهد بعد تم إجابته بالنفي (برتراند رسل و كارل بوبر) و لذلك فمن الممكن إجراء البديل وهو إختبار بطلان نظرية ما بالإختبار الإمبريقي Empirical Testing بدلا من السعي نحو إستنتاج صحة نظرية ما، معاملة النظريات العلمية الأكثر تأكيدا على أنها قابلة للدحض و أن لاإمكانيتها واردة أمر مهم في إستمرار تطور النظريات حيث شكل ذلك دافعا إلى إيجاد نظريات جديدة لتحل محلها. الفلسفة النقدية تبحث عن عيوب و إنتقادات في الإعتقادات و النظريات المتوفرة بإستخدام إما الإستنباط المنطقي (كما في صعوبة دحض فكرة أن الأعزب هو الشخص غير المتزوّج ) أو بالقياس (الإختبار) الإمبريقي حيث يعامل المعتقد كفرضية يتم إختبارها (محاولة دحضها) بعد جمع مشاهدات مثل الإختبار الإحصائي أو التجربة المقننة Controlled Experiment للوصول إلى قوانين علمية بالإستقراء المبني على الملاحظة. أين الدوغما من كل ذلك ؟ الإعتقادات الدوغمائية التي تأخذ طابعا ميتافيزيقيا كاملا تضع نفسها خارج قوانين الطبيعة لا تدرك حسيا و لا عقليا (بحجة قصور العقل كما هي العادة) و حينها هذه المعتقدات لا تقبل الدحض لا بالتحليل المنطقي و لا بالقياس الإمبريقي و عندها وفقا لما ذكر أعلاه وفقا للفلسفة العقلانية هذه المعتقدات لاعقلانية و فارغة المعنى. بالنسبة للصور غير الميتافيزيقية للدوغما فطالما لا تسمح للنقد منطقيا أو إمبريقيا فحينها الفكرة لاعقلانية أيضا خصوصا و أنها ليست بمعزل عن هذا العالم و قوانينه. لماذا هنالك دوغما قد يكون هذا السؤال موضوعا مستقلا للبحث يتجاوز إطار هذا النص، في سبب وجود الدوغما لكن وفقا لطبيعة المعتقدات الدوغمائية يمكن تعليل وجود و إستخدام الدوغما إلى العوامل التالي ذكرها أدناه، من الواضح أن هذه العوامل متداخلة في بعضها البعض و من الممكن وجود عوامل أخرى لنظرة أكثر عمقا في تفسير لماذا توجد الدوغما (و ذلك بحث منفصل) أسباب الدوغما تعود إلى: 1. اللايقين المعرفي: بعض الأسئلة صعبة الإجابة أو عليها إجابات مختلفة منقوصة و لم يتمكن العلم أو الفلسفة من الإجابة عليها، عندها قد تظهر إجابة ترفض البحث في دليل على نفسها و تمنح إجابة بسيطة سهلة النقل و التوارث، مُرضية سيكولوجيا و ذلك إنهاءاً لحالة اللايقين المزعجة للبشر. 2. الســـلطة : سواء كانت سياسية، دينية أو إجتماعية أي من هذه الأشكال قد يفرض رأيا معيّنا على أنه حق و لا يقبل الخطأ أبدا و يبقى لوقت طويل حتى يصبح مستحيل اللاإمكانية و من " غير المقبول " نقده و بالتالي تنشأ دوغما جديدة و تستمر. 3. الرغبة النفسية البراجماتية: على المستوى الفردي بعض المعتقدات و القرارات يتم إتخاذها وفقا للحاجات السيكولوجية دون إعتبار للأدلة و الإثباتات فالفكرة النافعة تكون صحيحة دون إكتراث بالتفاصيل الأخرى، (نظريات وليم جيمس) الرغبة في الحل البسيط و الإجابة الحاسمة مثال على ذلك و غيرها من مصالح نفسية يمكن أن تتدخل في التحيز الفردي نـحو معتقدات ذات منافع براجماتية تتحول فيما بعد إلى إقتناعات مطلقة. 4. الإحباط و التقادم: الدوغما قد تنشأ أو تستخدم كرد معاكس للأدلة العلمية التي تعارض معتقد متقادم معين و من غير الممكن مقابلتها بحجج مقنعة، مثل هذا الإحباط في عدم إمكانية الإثبات بمقارعة الحجج يؤدي إما إلى إرجاع ذلك المعتقد المتقادم إلى دوغما موجودة أصلا و ذلك بهدف الإفحام و الإسكات أو بدلا من ذلك يتم جعل ذلك المعتقد المتقادم دوغما بشكل مباشر (خصوصا مع إستخدام سلطة معينة) حيث غالباً هنالك عقوبة أو تكلفة للتشكيك في ذلك المعتقد و لذلك يستمر لفترات طويلة أحيانا. 5. عوامل إجتماعية (الربط بالهوية): هنالك معتقدات معينة توارثت و تم غرسها في عملية التربية (مرة أخرى قد يكون للسلطة دور بذلك) و أضحى من الصعب تخيل عدم صحتها كونها مرتبطة بالقيم الإجتماعية المحيطة و التشكيك فيها يؤدي إلى خطر الإنسلاخ من الهوية الإجتماعية المحيطة و لذلك عندما يحرص الفرد على المحافظة على تلك الهوية فهو ليس فقط يقبل هذه الدوغما و لا يناقشها بل يحافظ عليها و يعززها، و هذا الأمر مرتبط بحقيقة الوراثة في المعتقدات و الإيديولوجيا و مرتبط أيضا بقضية " تكلفة " التشكيك في ذلك المعتقد. ككلمة أخيرة، ينظر إلى الدوغما كنقيض للعقلانية و التفكير العلمي و لم يعد هنالك مجال للإطلاق في المعرفة ضمن عالم مليء بالنسبـية، الإعتقادات الدوغمائية مرفوضة و خطيرة تؤجج النزاعات و توقد التطرف و تنتهي بالعنف، خطر الدوغما منفصل عن محتويات الإعتقادات الدوغمائية، الدوغما الدينية ظاهرة سلبية مثلها مثل وجود نوع من الدوغما الإلحادية أو دوغما سياسية سلطوية. الخطر يكمن في الدوغما و الإطلاق و ليس في مضمون الأفكار نفسها لأن أسوأ ما في الدوغما ليس نتائجها بل في مسح الدوغما للمنهجية العقلية المنطقية التي من المفترض إتباعها للوصول إلى المعرفة و السعي إلى تطويرها بإستمرار، العديد من الإعتقادات الدوغمائية إندثرت لعدم إمكانية ثباتها أمام الحقائق العلمية و الإثباتات المادية بالرغم من شدتها و قوتها في الماضي و تعلمت البشرية من التجارب التاريخية مدى سلبية آثار الدوغما. بقي أن نتذكر أن هنالك قاسم مشترك كبير بين المختلفين الذين لا يحملون أي نوع من الدوغما، هذا القاسم الكبير هم - ربما - أوائل من لا يدركوه. the econometrician
|
|
|
في نقد اليهودية
اولا : تعريف بالسفر من المصادر المسيحية واليهودية
جاء بقاموس الكتاب المقدس , تحت مادة : سفر يونان : --------------- هناك رأيان متباينان بشأن السفر. فأحدهما وهو رأي المفسرين المحدثين، لا يعتبره تاريخاً، بل مجازاً أي رواية تمثيلية موضوعة في قالب تاريخي، وأنه كتب في عهد حديث أي ليس قبل القرن الرابع أو الخامس قبل المسيح. ويبنون رأيهم على ما يأتي: |
|
أقرا المزيد... |
في نقد أديان أخرى
بداية أحب أن أشير إلى أن الحديث هنا موصول بحديث سابق تحت عنوان "الوميض الأول الخافت للفكر اللاديني من مصر الفرعونية"تحت بند اللادينية بالمنتدى حيث القصد هو التأكيد على أن الفكر اللاديني هو ظاهرة إنسانية عامة عرفت شرقا وغربا(غير مرتبطة بالغرب تحديدا من حيث النشأة)
وتعود في بداياتها إلى أقدم العصور ولايمكن الحديث عنها فقط في إطار رد الفعل العلماني على العلاقة المقيتة بين الناس والكنيسة في العصور الوسطى من تاريخ الغرب أو فقط من خلال التطبيق السوفيتي ودول المعسكر الإشتراكي السابقة للماركسية الملحدة وما صاحبها من إضطهاد مرفوض مني بالطبع للمتدينين … وما يتبع ذلك من حديث بوصم الفكر اللاديني بالتآمر تحت عباءة الماركسية تارة وتحت الصهيونية تارة أخرى بما يمثل تعمدا لتلويث هذا الفكر بتعميم نظرية التآمر عليه وقلت في السابق أن توظيف التيارات الدينية كان واردا شأنها في ذلك شأن الماركسية اللادينية بيد ساسة قصدوا من وراء ذلك خدمة مصالح دولهم الإستعمارية فالأتراك العثمانيين شأنهم في رفع راية الإسلام لتبرير توسعاتهم الإستعمارية شأنهم كشأن الصليبيين المسيحيين الغربيين الذين رفعوا رايات الجهاد المسيحي المقدس لتبرير هجماتهم الهمجية على الشرق وِشأنهم كشأن الذين برروا ولا زالوا للصهاينة عدوانهم الغاشم على فلسطين والمتمثل في دعم دولة الكيان الصهيوني الغاصب قديما وحديثا بإسم التوراة لإخفاء مصالحهم السياسية الحقيقية للهيمنة على مقدرات الشعوب العربية … ولم يكن الإسلام نفسه بنظري في مجمله على يد محمد إلا غطاءا مقدسا لقيام الدولة القرشية ثم توسعها بعد ذلك شرقا وغربا على حساب الفرس والرومان وغيرهم في مطلع العصور الوسطى جريا على سنة الساسةالأقدمين في تدجين شعوبهم ببث عقيدة الحكم الإلهي في صورة الملك الإله ..الملك النبي..الخ لضمان ولاء الشعوب للسلطة الحاكمة وكم من أساطير مختلقة دبجها الكهنة للتأكيد على قداسة الملوك وحقهم الإلهي في الحكم المطلق منذ أقدم العصور!
|
|
أقرا المزيد... |
|
|