أن يذكر لنا كتّاب السيرة، بعض الحوادث عن طفولة محمّد تدعّم نبوّته، كحلم آمنة، و حادثة شقّ صدره، و تنبّئ بحيرى بشأنه العظيم، فهذا أمر مفهوم و يدخل في باب الصورة التي يجب تقديمها عن محمّد، لكن لماذا تمّ ذكر حادثة ضياعه و هو طفل و عثور ورقة بن نوفل عليه؟
لماذا لم يذكروا إلاّ هذه المعلومة- من ضمن المعلومات النادرة -التي وصلتنا عن طفولته؟ و لماذا ورقة بن نوفل بالذات؟
لا جواب لنا.
و بعد هذه الفلاشات السريعة التي تقدّمها لنا السيرة عن طفولته -و التي لا تفيدنا في شيء- إلاّ ، ربّما، حادثة واحدة حينما كان يلعب مع الصبية و هو طفل فيرفعون ثيابهم لحمل الحجارة و كان محمّد يفعل مثلهم، فيكشفون عن عوراتهم، و فجأة شعر محمّد بشخص غير مرئيّ يلكمه قائلا:"
شدّ عليك إزارك" ، قال: (أي محمّد) : فأخذته فشددته علي، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي، وإزاري علي من بين أصحابي. "1" ، هذه القصّة -كما يقول ابن كثير في الصفحة نفسها- تتكرّر مرّة ثانية مع محمّد و هو شاب أثناء بناء الكعبة و كان ينقل الحجارة مع عمّه العبّاس و يرفع أيضا إزاره، و يرويها عمّه قائلا:"
قال: وأفردت قريش رجلين رجلين، الرجال ينقلون الحجارة، وكانت النساء تنقل الشيد، قال: فكنت أنا وابن أخي، وكنا نحمل على رقابنا، وأزرنا تحت الحجارة، فإذا غشينا الناس أئتزرنا، فبينما أنا أمشي ومحمد أمامي، قال: فخر وانبطح على وجهه، فجئت أسعى وألقيت حجري، وهو ينظر إلى السماء فقلت:، ما شأنك؟ فقام وأخذ إزاره قال:
((إني نهيت أن أمشي عرياناً)).
قال: وكنت أكتمها من الناس مخافة أن يقولوا مجنون. "2"
نلاحظ الحضور القويّ للوازع الأخلاقيّ عند محمّد منذ شبابه في الرواية الثانية حتى أنّه سقط على الأرض و عيناه شاخصتان إلى السماء، كما أنّ هذه الهواتف أو الكائنات غير المرئيّة كانت تظهر له منذ بداية شبابه، و هو يكتمها عن الناس مخافة اتّهامه بالجنون، و ستزداد هذه "الرؤى" حدّة مع الوقت و تتمظهر في أشكال مختلفة فيما بعد، كسماعه لتسبيح الحصى، و تسليم الحجارة عليه حين يخرج إلى الخلاء، و طبعا رؤيته لجبريل، و سماع هواتف غير مرئيّة، إلخ، و هي ما يفسرها المنحى الديني بالوحي و النبوءة، بينما يفسرها المنحى العلمي بالشيزوفرينيا و تنطبق على أغلب الأنبياء الصادقين الذين لا يدّعون النبوّة كذبا و ليس فقط على محمّد، و قد حدث منذ سنوات أن نزل شخص إلى الشارع في نيويورك و بدأ في إطلاق النار على المارة، و حين ألقت الشرطة القبض عليه، أخبرهم أنّه سمع هواتف تأمره بذلك، و أنّه ينفّذ أمر الربّ، و طبعا حملوه مباشرة إلى مستشفى الأمراض العقليّة.
إذن، فإنّ محمّدا الذي يملك خبرة في التجارة بفضل رحلاته مع القوافل، "3" يلتحق للعمل مع خديجة، و يساهم في تحقيق أرباح لها، ممّا يدلّ على حنكته و إتقانه لمهنته.
الزواج:يبدو للبعض أنّ زواج محمّد من خديجة هو زواج مصلحة، أي لأجل مالها، خاصّة أنّه شاب ابن خمس و عشرين سنة و هي ابنة أربعين سنة "4"، و هذا الكلام منطقيّ لكنّه لا يلمس الأمر من جميع جوانبه. فمن هي خديجة؟
هي خديجة بنت خويلد بنت أسد بن عبد العزّى بن قصيّ بن كلاب.
و محمّد هو ابن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب
فالإثنان يشتركان في جدّهما قصيّ مع بني أميّة و هذا رسم توضيحيّ:
(لم أستطع رسم الجدول مباشرة هنا فرسمته عندي على excel و نقلته كصورة)

يتبع....
................
1-ابن كثير/البداية و النهاية/الجزء الثاني.
2-المصدر السابق.
3-لا يذكر كتّاب السيرة احتكاكه بالديانات الأخرى، و حتى لقاؤه مع بحيرى مرّة و نسطور مرّة أخرى يبدو عابرا، و كأنّهم يحاولون قدر الإمكان تجنّب أن يكون محمّد يعرف شيئا قبل القرآن، رغم أنّه قد يدخل في حوارات مع أصحاب الديانات الأخرى أثناء البيع و الشراء ، على الأقلّ بدافع الفضول، أو تجاذب أطراف الحديث، ناهيك عن احتكاك أهل مكّة بالديانات الأخرى ممّا يوفّر معرفة سطحيّة على الأقلّ لهم باليهوديّة و المسيحيّة و الزرادشتيّة.
4-بعض الروايات تقول كان عمرها خمسا و ثلاثين، و بعضها تقول كان عمرها خمسا و عشرين، (راجع البداية و النهاية/الجزء الثاني)