اليوم هو الثلاثاء أكتوبر 21, 2014 6:41 pm
حجم الخط

ساحة القراءات والمواضيع المنقولة

تغذية نسخة للطباعة

قراءة في نقد العقل العربي - الجابري نموذجاً

ساحة غير حوارية، مخصصة لعرض وتلخيص والتعليق على الكتب والمقالات.
قانون الكتابة في المنتدى:
قانون الكتابة في المنتدى
1- يسمح بنشر المواضيع (الجادة والقيّمة) المنقولة من مواقع أخرى في هذه الساحة.
2- هذه الساحة غير مخصصة لنشر المقالات والكتب الدينية التبشيرية.
3- قانون الإغراق لا ينطبق على هذه الساحة. يمكن نشر أيّ عدد من المواضيع في اليوم.
4- هذه الساحة غير مخصصة للحوار. فقط صاحب الموضوع من يستطيع الكتابة في شريطه.

قراءة في نقد العقل العربي - الجابري نموذجاً

رقم المشاركة:#1  مشاركةبواسطة Mohammed Elhaj » الأحد نوفمبر 26, 2006 12:40 pm

فصل تمهيدي
أصبح التراث الإسلامي في القرن الماضي، منبعاً خصباً للدراسات والبحوث والتحقيقات. كما أن أكثر المفكرين دأبوا على استعمال آليات متنوعة تختلف و الإطار الأيديولوجي الذي يحمله الدارس، لإعطاء جواب لسقطات الحضارة الإسلامية، وكذلك إحياء الزمن التصوري للأمة من أجل تحريك عجلة الحضارة. رافدةً بقراءات متعددة للمجتمع الإسلامي وحضارته. فكان مشروع محمد أركون نقد العقل الإسلامي الذي يستخدم فيه إستراتيجية متداخلة الإختصاصات بإتجاه نقد الجانب اللاهوتي القدسي (الوحي) و الممارسة النبوية و الخطابات التي إنتظمت حولهما، ثم مشروع حسن حنفي من أجل إحياء التراث وتجديده، والبحث عن المحرك الفعلي فيه، وتحويل الأصول من طابعها البحثي الميتافيزيقي - الذي خاض فيه الكلاميون القدامى - إلى حالة تقترن والواقع عبر تفعيل الدين، في مشروعه (من العقيدة إلى الثورة)، إعادة تجديد أصول الدين، و إيجاد واقعية للفكر الإسلامي. كذلك هناك حسين مروة ممثلا للإتجاه الماركسي في (النزعات المادية في التاريخ العربي والإسلامي)، و محاولات المدرسة التفكيكية العربية متمثلة بالإنتاج الذي قدمه علي حرب عبر محاولاته لنقد هذه المشاريع.
من بين أكثر هذه المشاريع إثارة للجدل المشروع الذي ابتدأه المفكر المغربي محمد عابد الجابري، في بداية الثمانينات، ليختمه في أواخر التسعينات من القرن الماضي، مشروع نقد العقل العربي. الذي يعد من أكثر المشاريع عرضةً للإنتقاد، إذ لم يكن مورد إنتقاد مدرسة معينة، بل يمكن القول بحصول إئتلاف من المدارس الفكرية مجتمعة على إنتقاده. فبعضها إنطلق من البعد المعرفي للمشروع، وقد نرى هذا مع علي حرب في كتابه (نقد النص)، أو مع الطيب تيزيني، أو مع إدريس هاني في كتبه: (محنة التراث الآخر)، و(العرب والغرب)، و (ما بعد الرشدية)، وبعضها الآخر إنطلق في إنتقاده من حيث المنهج الذي إعتمده، وهذا ما نراه واضحا مع د. طه عبد الرحمن، في كتابه (تجديد المنهج في تقويم التراث). كما أن هناك الدراسة النقدية التي تحاول أن تحيط بجميع النواحي، و بخاصة بإطلاع الجابري على المصادر و المراجع التي اعتمدها في دراساته ومدى إعتماده عليها، وهي (نقد نقد العقل العربي) و (العقل المستقيل في الإسلام) لجورج طرابيشي.
محمد عابد الجابري (1936 - الآن) أستاذ الفلسفة و الفكر العربي الإسلامي في كلية الآداب بالرباط. حصل على دبلوم الدراسات العليا في الفلسفة في عام 1967 حصل على الدكتوراة في الفلسفة من جامعة محمد الخامس - كلية الآداب عام 1970، يشغل حالياً منصب أستاذ الفكر الفلسفي والإسلامي في جامعة محمد الخامس في المغرب. أغنى المكتبة العربية بتأليفه أكثر 30 كتاباً تدور حول قضايا الفكر المعاصر، حصل على جائزة بغداد للثقافة العربية من اليونسكو عام 1988 والجائزة المغربية للثقافة في تونس عام 1999، يعتبر د. الجابري من أهم المفكرين المغربيين الذين تركوا بصمة واضحة في الفكر العربي المعاصر. بدأ بطرح نظرياته في مسألة (نقد العقل العربي)، منذ مطلع الثمانينيات، حين أصدر كتابه (نحن والتراث) (1980)، الذي أعلن فيه بصراحة أن العقل العربي قام بـ(إلغاء الزمان والتطور) عن طريق رؤية الحاضر والمستقبل، من خلال الماضي، فهو فكر لاتاريخي ذو (زمان راكد) لا يتحرك ولا يتموج. وأعقبه بـ(الخطاب العربي المعاصر) (1982)، الذي يعتبر مدخلاً ثانيا لـ(نقد العقل العربي)، إذ يشكك فيه بأن العرب تمكنوا من تحقيق شيء من نهضتهم المأمولة. ويتساءل، في مقدمته، هل هم (يغالبون، بدون أمل، الخطى التي تنزلق بهم إلى الوراء). ثم يشير إلى مختلف الميادين التي بحثها المفكرون لتشخيص الداء، ويردف قائلا (ميدان واحد لم تتجه إليه أصابع الاتهام بعد، وبشكل جدي صارم، هو تلك القوة أو الملكة أو الأداة التي بها يقرأ العربي ويرى ويحلم ويفكر ويحاكم، إنه العقل العربي ذاته). ثم شرع بإصدار مشروعه الكبير في (نقد العقل العربي)، أو بالأحرى تشريح هذا العقل، الذي بدأه بـ(تكوين العقل العربي) (1982)، فـ(بنية العقل العربي) (1986)، فـ(العقل السياسي العربي) (1990)، وصولا إلى (العقل الأخلاقي العربي) (2001) .

يتحرك الجابري من مقولة مركزية خلال كامل مشروعه الفكري هي أن (هنالك ميدان واحد لم يتجه نحوه البحث و لم تتم مساءلته إنتهاءً لتشخيص داء الثقافة / الفكر العربي، هو تلك القوة أو الملكة أو الأداة التي بها يقرأ العربي ويرى ويحلم ويفكر ويحاكم. إنه العقل العربي ذاته) ليتمد التحليل و تستطيل المساءلة بصورة موسوعية خلال مشروعه الفكري.
بدءاً ماذا يعني الجابري (بالعقل العربي) هكذا مميزاً عن غيره من العقول متجاوزاً و منذ بداية مشروعه الفكري الخلط الذي ينشأ عند استخدام مصطلح (الفكر) بدلاً عن (العقل) حاصراً محاولته في المجال الأبيستمولوجي وحده متعدياً التحليل الأيديولوجي الذي يستنطق و يفحص الأفكار و المعارف و ينحصر في دراسة المدارس و النظريات و المذاهب، (كنظام معرفي يعطي للمعرفة في فترة تاريخية ما بنيتها الشعورية)، ليبين أن إهتمامه يتجه لأداة التفكير و آليات إنتاج الأفكار فالمعرفة التي تصنعها ثقافة ما لها خصوصيتها، كونه – العقل - الملكة التي تُدرك العلاقات و تستخرج المبادئ الكلية والضرورية يستند في ذلك إلى تمييز (لالاند) بين العقل المكِّون و العقل المكَّون و إفتراض "شتراوس" أن العقل المكَّون أي القواعد الذهنية هو نتاج العقل المكِّون و أن العقل المكِّون يفترض الإستناد إلى عقل مكَّون، لينظر إلى العقل العربي بوصفه جملة من المبادئ و القواعد التي تؤسس المعرفة في الثقافة العربية تمهيداً لتحليل هذه القواعد و الأسس من خلال تعرية أسسه و محاورة فاعلياته حاول جورج طرابيشي أن يبيّن إلى أي مدى كان الجابري (لالاندياً) فعلاً، لا في توظيفه لتمييز (لالاند) فحسب، بل حتى في فهمه له وفي رجوعه الفعلي، لشواهده بالذات، إلى مؤلَف (العقل والمعايير). من هنا يعتبر طرابيشي أن تعريف العقل المكوِّن بانه (الملكة التي يستطيع بها كل انسان ان يستخرج من ادراك العلاقات بين الاشياء مبادئ كلية وضرورية، وهي واحدة عند جميع الناس)، لا وجود له لدى لالاند، لا في كتاباته اجمالاً ولا في كتابه (العقل والمعايير) حصراً. و إنما صاحب هذا التعريف هو بول فوكييه، مؤلف (معجم اللغة الفلسفية). (ويبيِّن طرابيشي لاحقاً أن معظم شواهد الجابري مأخوذة عن هذا المعجم وليس عن مصادرها الأصلية، متّهماً اياه بعدم إطلاعه على المصادر الأصلية التي يدّعي مراجعتها والتي يحيل القارئ إليها). وهكذا يلاحظ طرابيشي أن إعتماد الجابري على مصادر ثانية، ولا سيما على معجم فوكييه وعدم إطلاعه على نظرية (لالاند) في مصدرها الأم، أوقعاه لا في التباسات من حيث الترجمة والتأويل فحسب، بل حالا ايضاً و أساساً بينه وبين إدراك غائية القسمة اللالاندية للعقل إلى عقل مشكِّل للعقل وعقل متشكِّل بالعقل، وتوظيفها توظيفاً مثمراً في مشروعه لنقد العقل العربي. فعلى رغم أن (لالاند) يقدّم في القيمة والمرتبة العقل المكوِّن من حيث هو فاعلية ذهنية محضة وملكة تأسيسية و إشتراعية للنشاط العقلي، فانه يقرّ بالمقابل للعقل المكوَّن بدور كبير في تحقيق (تلاحم الجماعة التي تنتمي اليه)، والتي تضعه، بقدر ما يوحِّدها، (على انه مطلق). وهكذا يفسّر تجاهل الجابري للوظيفة التوحيدية للعقل المكوَّن الذي جعلها يبني تحليله للعقل العربي على أساس قسمة هذا العقل، لا على أساس وحدته، حيث يشطره تشطيرا ثلاثياً وقطعياً إلى عقل بياني وعرفاني وبرهاني. مع الإشارة هنا إلى أن العقل، خلافاً لدعاوى العقل المكوَّن، ليس له (طابع ثابت ومطلق)، و أياً تكن أوهام المنتمين اليه في حقبة تاريخية ما، فان (عقل عصر ما ليس هو قط العقل المحض)، وهو تالياً عقل تاريخي. ويأخذ على الجابري أنه تعاطى مع العقل من موقع (سجالي) لا من موقع (نقدي) وكما يدّعي في مشروعه. فإنطلاقاً من تشطيره الثلاثي للعقل العربي الإسلامي، أقام بين تجليات هذا العقل مقارنة تفاضلية لا تكافؤية، وقد إنتصر أبستمولوجياً للعقل البرهاني البياني بقدر ما إنتصر للعقل البياني على العقل العرفاني، و إنتصر أيديولوجياً للعقل (السني) على العقل (الشيعي)، و أنتصر جغرافياً لعقل المغرب على عقل - أو بالأحرى (لا عقل) - المشرق. هذا الإنتصار الاخير دفع طرابيشي للحديث عن (التوظيف المركزي الاثني لنظرية العقل). يقول الجابري: (أننا عندما نتحدث عن (العقل العربي) فنحن نميّزه في الوقت نفسه عن (العقل اليوناني) و(العقل الأوروبي الحديث) .
يحدد الجابري (العقل العربي) بعقلين آخرين هما (العقل الأوروبي) و (العقل اليوناني) متجأوزاً – و هو أمر كان محل اعتراض من طرابيشي - إنجازات الحضارات و (العقول) بحسب مصطلح الجابري التي سبقتهم و تَلَتْهم (مصر و الصين و بابل و الهند) لانها لم تمارس التفكير في العقل بالعقل ويعرض مثالين من حضارات الشرق القديم: مثال الحضارة البابلية من الشرق الأوسط، ومثال الحضارة الهندية من الشرق الاقصى، لكي يرد على الجابري، و يثبت وجود بدايات العلم والعقلانية في تلك الحضارات، فيما يرى الجابري أن اليونانيين و الأوروبيين و العرب مارسوا التفكير النظري العقلاني ما سمح بقيام معرفة فلسفية أو علمية أو تشريعية متحررة عن الأسطورة و الخرافة كون العقل كان يمارس داخلها درجة من السيادة لا تقل عن تلك التي كانت للسحر و غيره من ضروب التفكير اللاعقلي، هذا التحديد يأتي من خلال إختلاف خصائص الموضوع الذي إنشغلت به الذهنية الإسلامية عن ذلك الذي تعاملت معه الفعالية الذهنية اليونانية و الأوروبية فالعقل اليوناني/ الأوروبي ينتظمه خلال مسيرة تطوره الطويلة ثابتين يحددان بنية الثقافة اليونانية / الأوروبية هما وجهة نظر في الوجود تعتبر العلاقة بين الطبيعة و العقل علاقة مباشرة و أخرى معرفية تؤمن بقدرته – العقل – على تفسيرها و كشف اسرارها تشكلان معاً ثابتاً بنيوياً يمحور العلاقات في بنية العقل حول (العقل و الطبيعة) و لا يشكل الإله فيها علي المستوى الأنطولوجي طرفاً ثالثاً مستقلاً عن الإنسان و الطبيعة مرتبطاً بنظام الطبيعة يتدخل لإضفاء النظام علي شئ موجود أو أنه على قمة الهرم الذي تشكله المثل العقلية و تستقل الطبيعة و لا تتوقف في وجودها عليه، أو وضعه كفرضية لتفسير مبدأ الحركة كمطلب منطقي أو كطرف في مقابل الطبيعة أو كقوة مندمجة في الطبيعة. فيما تتمحور العلاقة التي يتبناها العقل العربي حول ثلاثة اقطاب هي الله و الإنسان و الطبيعة التي تغيب عند تكثيف العلاقة كما يغيب الإله عن الثقافة اليونانية لاعبة دور المعين للعقل على اكتشاف الله، ما يعطي العقل بالمفهوم العربي دلالة أخلاقية تحكمها النظرة المعيارية في مقابل الدلالة المعرفية الموضوعية (التحليلية التركيبية) التي يتسم بها العقل اليوناني – الأوروبي، ما يميز (العقل العربي) بوصفه عقل الثقافة العربية الإسلامية، هو أن العلاقات داخله تتمحور حول ثلاثة أقطاب: الله، الانسان، الطبيعة. وإذا أردنا تكثيف هذه العلاقة حول قطبين إثنين فقط، وجب أن نضع في أحدهما الله، وفي الآخر الانسان. أما الطبيعة فلا بد، في هذه الحالة، من تسجيل غيابها النسبي. ليس هذا وحسب، بل يمكن القول إن الدور الذي تقوم به فكرة الله في الفكر اليوناني ـ الأوروبي، تقوم به الطبيعة في الفكر العربي، دور الوسيط أو القنطرة: في الفكر اليوناني / الأوروبي توظف فكرة الله من أجل تبرير مطابقة قوانين العقل لقوانين الطبيعة، وبالتالي من أجل إضفاء المصداقية على المعرفة العقلية، أي جعلها يقينية. وبعبارة أخرى أن فكرة الله تقوم هنا بدور (المعين) للعقل البشري على إكتشاف نظام الطبيعة و اكتناه أسرارها. أما في (العقل العربي) كما تشكل داخل الثقافة العربية الإسلامية، فالطبيعة هي التي تقوم بدور (المعين) للعقل البشري على إكتشاف الله وتبين حقيقته. هنا في الثقافة العربية الإسلامية يطلب من العقل أن يتأمل الطبيعة ليتوصل إلى خالقها: الله. وهناك في الثقافة اليونانية - الأوروبية يتخذ العقل من الله وسيلة لفهم الطبيعة أو على الأقل ضامناً لصحة فهمه لها. هذا إذا لم يستغن عنه بالمرة، أو لم يوحد بينهما. يقول الجابري أن بإمكاننا أن ننطلق من هذا النوع من المقارنة بين البنية الميتافيزيقية للعقل اليوناني - الأوروبي والبنية الميتافيزيقية لـ (العقل العربي) فنضع النتائج أولاً ثم نعرض للبرهنة عليها أو محاولة تبريرها بعد ذلك، وسنكون قد إختصرنا الطريق. ولكن ذلك سيتم حتماً على حساب المعرفة بالطريق أي على حساب موضوعنا نفسه. إن هدفنا ليس المقارنة في ذاتها ولا تكريس نوع من الفروض أو (النتائج)، إن ما يهدف إليه الجابري أساساً هو التعرف على (العقل العربي) من خلال معرفة الثقافة التي أنتجته وساهم هو في إنتاجها وتشكيلها، فالتعرف على الشيء من داخله أفضل بكثير من الوقوف عند وصفه من خارجه، خصوصاً عندما يصدر الباحث عن نظرة نقدية. و لا بد من التأكيد هنا من جديد على أن ما يهمنا أساساً ليس العقل كبنية ميتافيزيقية بل العقل كأداة للإنتاج النظري، كـ (منظومة من القواعد) قواعد النشاط الذهني. فكيف يمكن فهم هذه الأداة ـ المنظومة إذا لم نتتبعها في عملها ومن خلال طريقتها في العمل والإنتاج؟ و إذا كان مفهوم العقل في الثقافة اليونانية والثقافة الأوروبية الحديثة والمعاصرة يرتبط بـ (إدراك الأسباب) أي بالمعرفة، فإن معنى (العقل) في اللغة العربية، وبالتالي في الفكر العربي يرتبط أساساً بالسلوك والأخلاق . نجد هذا واضحاً في مختلف الدلالات التي يعطيها القاموس العربي لمادة (ع. ق. ل)، حيث يكاد يكون الارتباط بين تلك الدلالات وبين السلوك الأخلاقي عاما ًوضرورياً. نعم، لقد امتد مفهوم (العقل) في الثقافة اليونانية ـ الأوروبية إلى ميدان الأخلاق، وبكيفية خاصة منذ الرواقيين الذين رأوا الحكمة كل الحكمة، في العيش وفق الطبيعة، أي وفق (اللوغوس) أو (العقل الكلي)، ومن هنا دشن الرواقيون، بل فصلوا، القول في (أخلاق العقل)، الأخلاق التي ترتكز على فكرة الواجب. وبإمكاننا أن نؤكد منذ الآن أن مفهوم (العقل) في الفكر العربي سيمتد هو الآخر إلى ميدان المعرفة. ولكن فرق كبير بين الاتجاه من المعرفة إلى الأخلاق والاتجاه من الأخلاق إلى المعرفة. في الحالة الأولى، وهي حالة الفكر اليوناني / الأوروبي، تتأسس الأخلاق على المعرفة، أما في الحالة الثانية حالة الفكر العربي، فتتأسس المعرفة على الأخلاق. إن المعرفة هنا، في حالة الفكر العربي، ليست اكتشافاً للعلاقات التي تربط ظواهر الطبيعة بعضها ببعض، ليست عملية يكتشف العقل نفسه من خلالها في الطبيعة، بل هي التمييز في موضوعات المعرفة (حسية كانت أو اجتماعية) بين الحسن والقبيح، بين الخير والشر. ومهمة العقل ووظيفته، بل وعلامة وجوده، هي حمل صاحبه على السلوك الحسن ومنعه من إتيان القبيح. نجد هذا الجانب الأخلاقي، القيمي، ليس فقط في الكلمات التي جذرها (ع. ق. ل) بل أيضاً في جميع الكلمات التي ترتبط معها بنوع من القرابة في المعنى، يمكن أن نلمس من خلال الدلالات المختلفة لكلمة (عقل) والكلمات الأخرى التي في معناها ما يمكن ربطه بالنظام والتنظيم، ولكن حتى في هذه الحالة يظل الجانب القيمي حاضراً دوماً. فالنظام والتنظيم في المجال التدأولي للكلمات العربية المذكورة متجه دوماً إلى السلوك البشري لا إلى الطبيعة وظواهرها. ومن هنا يمكن القول أن (العقل) في التصور الذي تنقله اللغة العربية المعجمية يرتبط دوماً بالذات وحالاتها الوجدانية وأحكامها القيمية. فهو في نفس الوقت عقل وقلب، وفكر ووجدان، وتأمل وعبرة أما في التصور الذي تنقله اللغات الأوروبية فالعقل مرتبط دوماً بالموضوع، فهو إما نظام الوجود، وإما إدراك هذا النظام، أو القوة المدركة. المعطيات السابقة تجعلنا، من الناحية المبدئية على الأقل، في وضع يسمح لنا بالقول أن (العقل العربي) تحكمه النظرة المعيارية إلى الأشياء. ويقصد الجابري بالنظرة المعيارية ذلك الاتجاه في التفكير الذي يبحث للأشياء عن مكانها وموقعها في منظومة القيم التي يتخذها ذلك التفكير مرجعا له ومرتكزاً. وهذا في مقابل النظرة الموضوعية التي تبحث في الأشياء عن مكوناتها الذاتية وتحاول الكشف عما هو جوهري فيها. إن النظرة المعيارية نظرة اختزالية، تختصر الشيء في قيمته، وبالتالي في المعنى الذي يضفيه عليه الشخص (والمجتمع والثقافة) صاحب تلك النظرة. أما النظرة الموضوعية فهي نظرة تحليلية تركيبية: تحلل الشيء إلى عناصره الأساسية لتعيد بناءه بشكل يبرز ما هو جوهري فيه.
يقدم الجابري تعريفاً (للعقل العربي) كبنية ثاوية في الثقافة العربية محاولاً ازالة التنصيص عنه و التمهيد لتحليل مكوناته و بنيته بأنه (ما خلفته و تخلفه الثقافة العربية في الإنسان العربي) اي أنه الثابت الذي يبقى عندما يتم نسيان كل شئ ، جملة المفاهيم و الفعاليات الذهنية التي تحكم رؤية الإنسان العربي للأشياء و طريقة تعامله معها في مجال إكتساب المعرفة و إنتاجها و إعادة إنتاجها. لنتساءل ماذا بقي ثابتاً في الثقافة العربية منذ (الجاهلية) إلى اليوم؟ و يجيب بأن ما تبقي يكفي للقول أن الثقافة العربية في ثوابتها لم تتغير كون الزمن الثقافي لا يخضع لمقاييس الوقت الطبيعي و السياسي الإجتماعي، فالعلاقة بين الثقافة و العقل المنتمي إليها لاشعورية كون أن ما يتم نسيانه يبقى حياً في اللاشعور فبنية العقل المنتمي لثقافة ما تتشكل لاشعوريا داخل الثقافة، و بالتالي ينتقل لإستخدام "جان بياجي" لمفهوم اللاشعور المعرفي في فحصه لبنية العقل اي المفاهيم و الأنشطة الفكرية التي تزود بها الثقافة المنتمين اليها ليشمل المصطلح الشعوب و الثقافات، لكن عند الحديث عن حركة الثقافة العربية يقرر الجابري أنها حركة أعتماد أي حركة في نفس الموضع على الرغم من الهزات التي عرفتها فهو يرى أن بناء الثقافة العربية بمجمله قد تم في عصر التدوين كمهمة قامت بها الدولة (العباسية) كضرورة ملحة و تاريخية نتيجة الصراعات السياسية و الأيديولوجية بين الشيعة و المسلمين ذوي الأصول غير العربية ليشمل التدوين (العصر الجاهلي) و صدر الإسلام مشكلة بذلك بذلك الفعل العقل العربي باجترار العصر الجاهلي كما عاشوه في وعيهم كزمن ثقافي تمت استعادته و ترتيبه و تنظيمه و غربلته و تبويبه مما سيسفر فيما بعد تصنيفه إلى حديث و تفسير و فقه و لغة و تاريخ، أي أن التدوين كان عملية تأسيس و إعادة بناء للموروث الثقافي أكثر منها علماً بالمعنى المفهوم المعاصر، إعادة تأسيس من وجهة نظر تتعمد تجاهل وجهات النظر الأخرى التي كانت تدون العلم و تبوبه و نقصد هنا التجاهل الذي تم من قبل الشيعة مثلاً التي تجاهلت بدورها أو سكتت عن العلم السُني كجزء من الشروط الموضوعية التي حددت صحة العلم السني و الشيعي بشكل متبادل، صادراً من السلطة المرجعية المعرفية و الأيديولوجية التي ينتمي اليها صاحب النص كترسيم للدين لخدمة الدولة و إضفاء شرعية عليها من جانب و ترسيم المعارضة من الجانب الآخر أي أنها كانت عملية تنافس على إعادة بناء الموروث العربي الإسلامي بالشكل الذي يجعل الماضي في خدمة الحاضر حاضر اهل السنة و الشيعة و مستقبل كل منهما و التنافس على تشكيل العقل العربي. ثم من جانب آخر استراتيجية تظهر من خلال كتابات إبن المقفع تهدف تأسيس الثقافة في المجتمع الجديد (في العصر العباسي) لتكون عملية التدوين في شقها السني – الشيعي رد فعل للخطر الذي يشكله إبن المقفع و أمثاله ممن يمكن أن يصنفوا كـ(علمانيين). ليصبح التدوين إطاراً مرجعياً للفكر العربي في نظره للكون و الإنسان و التاريخ إلى يومنا هذا ثم طابعاً لثقافة العربية و العقل العربي، فالتاريخ العربي ملئ بالثقوب و الثغرات التي خلقت تداخلاً في الأزمنة الثقافية و بالتالي ظهور التنقل بين المعقول و اللامعقول ما يمكن أن يشخص كمشكلة عدم استقرار ابيستمولوجي يجعل الأمر في الثقافة العربية يبدو كأنها تجتر و تكرر و تعيد الإنتاج بشكل ردئ و هو أي التاريخ الثقافي العربي يسهل كثيراً وصفه كتاريخ من الإختلاف في الرأي و ليس بناءً له ممتداً منذ (العصر الجاهلي) إلى العصر الحاضر فيما يمكن أن يوصف بتزامن ثقافي يجعل كافة العصور حاضرة في الراهن، (كون العرب يمتلكون تراثاً ثقافياً حياً في نفوسهم و عواطفهم و عقولهم و رؤاهم و ذاكرتهم و تطلعاتهم في صدورهم و كتبهم، تراثاً هو من الحضور و ثقل الحضور على الوعي و اللأوعي و قد زاد من ثقل هذا الحضور حضور التراث في الوعي و اللاوعي معاً) متعاملين مع التراث نفسه بشكل تراثي متأطرين فيه ثم الاحساس بعمق الهوة التي تفصل بين التراث و مضامينه المعرفية و الأيديولوجية و بين الفكر العالمي المعاصر كون الثقافة العربية كانت و ما تزال المقوم الأساسي للعقل العربي.
هناك بعض المبرات قد فرضت نفسها على الجابري جعل مشروعه موسوماً بـ العقل العربي بدلاً عن (العقل الإسلامي) و إن لم يتعرض صراحة لعلة هذا الترجيح والتفضيل داخل طيّات مشروعه، يعود ذلك إلى ما في اللغة العربية وعلومها من دور كبير وحاسم في تشكيل آليات المعرفة وبناء اسسها. وكذلك كون عبارة (العقل الإسلامي) لا يمكن ان تدل في حقل الثقافة العربية إلاّ على مثل ما تدل عليه عبارة (العقل المسيحي) في الثقافة الأوروبية، كما انّه ليس من اهتمامه التحرك في اطار (العقل الديني) إسلامياً كان أو مسيحياً. و أن اختياره هو اختيار استراتيجي، مبدئي ومنهجي، وذلك لاعتبارين احدهما يتعلق بحدود امكاناته الخاصة، اذ يتصور ان عبارة (العقل الإسلامي) من المفروض ان تضم كل ما كتبه المسلمون أو فكروا فيه، سواء باللغة العربية أو غيرها، مع انّه لا يتقن في هذا المجال إلاّ اللغة العربية. اما الاعتبار الآخر فيتعلق بطموحاته، ذلك لانه لا يطمح إلى احياء وانشاء علم كلام جديد، وعبارة (العقل الإسلامي) لا تتجرد عن المضمون اللاهوتي، في حين ان مشروعه قائم على البحث الابستمولوجي في ادوات المعرفة وآلياتها، وهو متوفر في اللغة العربية ذاتها، خاصة وان هذه اللغة وعلومها لها الدور الكبير والحاسم في تشكيل آلية المعرفة ورسم صورة العالم، بعيداً عن مجال الدراسات اللاهوتية الكلامية وغيرها . و يختلف الكاتب يحى محمد مع الاعتبار الأول و يرى أننا إذا أخذنا به لكان من الصعب ان نجد شخصاً يحق له التحدث باسم (العقل الإسلامي) والثقافة الإسلامية بما هي ثقافة علمية، مادام ليس بقدرته معرفة جميع اللغات التي تتنأول الفكر الإسلامي، وهو الامر الذي يفضي إلى تضييع الثقافة الإسلامية والخصوصية التي تحملها. و لما كانت اللغة العربية تمثل العمود الفقري للثقافة الإسلامية بما هي ثقافة علمية، اذ ان اغلب ما كتب عن الفكر الإسلامي علوماً ومناهج واتجاهات انما كان بتلك اللغة، وعليه فأن أي كتابة اخرى عن الثقافة الإسلامية أو (العقل الإسلامى) لايمكنها ان تستغني عن اللغة العربية وثقافتها ولو بصورة غير مباشرة، وذلك لان اي دراسة علمية حين تريد التعرف على (العقل الإسلامي) انما تتعرف عليه من خلال روح النص المقدس، أو من خلال ثقافة الاجتهادات الفكرية التي تتحرك في دائرة النص أو على قرب منه، وجميع ذلك قد انجز من خلال اللغة العربية ذاتها. صحيح ان الاستناد إلى آلية اللغة العربية كأساس للبحث الابستمولوجي يجعل من التفكير دائراً في حدود (العقل العربي)، لكن ليس من الصحيح ان البحث في اطار (العقل الإسلامي) يتضمن بالضرورة الطابع اللاهوتي، مثلما لا يصح ان يقال ان البحث في اطار العقل العربي يتضمن ضرورة الطابع العرقي. فلا مانع من ان يكون أساس البحث في (العقل الإسلامي) هو البحث الابستمولوجي بعيداً عن اللاهوت، مثلما هو الحال في دائرة التفكير اللغوية. ومع ذلك فانه لا توجد حدود فاصلة بين الامرين، إذ أن البحث الابستمولوجي يؤثر على البحث اللاهوتي، وكذا العكس. وكذلك يصدق الحال في ان البحث في حدود العلاقات اللغوية له مداخل في المضامين اللاهوتية، وكذا العكس صحيح أيضاً. لكن مهما يكن فان اجلاء الفارق بين عبارة (العقل العربي) و (العقل الإسلامي)، لا تتضح من نفس طبيعة البحث ان كان ابستمولوجياً أو لاهوتياً، ما دام البحث في (العقل الإسلامي) يمكن ان يكون أبستمولوجياً بعيداً عن اللاهوت. وعليه ان الفارق بينهما وتمييز أحدهما عن الآخر، يتحدد بملاحظة مقومات البحث إن كانت تدخل في الطرح القومي ام الديني. فان من اهم مقومات الطرح القومي هي اللغة والجغرافية والجنس والتاريخ. في حين ان من اهم مقومات الطرح الديني هي العقيدة والشريعة بما تحملان من طابع معياري تحدده أساساً نظرية التكليف باعتبارها قطب التفكير الديني. فالطرح القومي يجعل من العقل مبنياً على بحث اللغة من جهة اللفظ والمعنى، أو على الجغرافية من جهة تأثر الإنسان بمحيطه الخاص، أو على اساس الجنس من جهة عرقية، أو على التاريخ ان كان له خصوصية لا تنافسه اخرى، فلا يكون مسبوقاً بتاريخ آخر لقومية اخرى، ولا يكون مقترناً مع خصوصية منافسة ليست ملحقة ضمن حقل الاعتبارات القومية، كما هو الحال مع خصوصية المعيار التي لا تتماهى مع مزية الاطار القومي .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
http://ar.wikipedia.org/wiki/
د. محمد عابد الجابري، نقد العقل العربي، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية الطبعة السادسة – ص 16.
راجع فكر و فن http://www.adabwafan.com/display/review ... BADC3E558E و http://www.adabwafan.com/display/review ... BADC3E558E.
جورج طرابيشي، موقع http://www.arabrenewal.com/index.php?rd=AI&AI0=572 - 53k على الشبكة الدولية للمعلومات.
جورج طرابيشي مفكر وكاتب وناقد ومترجم عربي سوري. ولد في مدينة حلب عام 1939. ويحمل الإجازة باللغة العربية من جامعة دمشق. عمل مديرا لإذاعة دمشق (1963-1964)، ورئيسا للتحرير ل"مجلة دراسات عربية" أقام فترة في لبنان ولكنه غادرها، بسبب الحرب الأهلية اللبنانية، إلى فرنسا -التي يقيم فيها الى الأن متفرغا للكتابة والتأليف. تميز بكثرة ترجماته ومؤلفاته حيث انه ترجم لفرويد وهيجل وسارتر وجارودي وسيمون دي بفوار وبلغت ترجماته ما يزيد عن مئتي كتاب وله مؤلفات هامة في الماركسية وفي النظرية القومية وفي النقد الأدبي للرواية والقصة العربية خصوصا بتطبيق مناهج التحليل النفسي عليها إضافة الى "معجم الفلاسفه" ومشروعه الضخم الذي عمل عليه أكثر من 15 عام وصدر منه أربعة مجلدات في "نقد" "نقد العقل العربي" أي في نقد مشروع الكاتب والمفكر المغربي "محمد عابد الجابري " ويوصف هذا العمل بأنه موسوعي حيث يحتوي العمل على قراءة ومراجعه للتراث اليوناني وللتراث الأوروبي الفلسفي وللتراث العربي الإسلامي ليس الفلسفي فحسب، بل والكلامي والفقهي واللغوي والبياني. وأهم ما يذكر في المسار الفكري لجورج طرابيشي هو انتقاله عبر عدة محطات أهمها من الفكر الثوري والماركسية الى الليبرالية. في كتابه مصائر الفلسفة بين المسيحية والاسلام يتناول جورج طرابيشي، المسيحي الديانة ولادةً، بالبحث ما ردده مثقفون عرب مسلمي الولادة مثل عبد الرحمن بدوي ومحمد عابد الجابري بل وحتى أحمد أمين ويكشف "هشاشة آرائهم" (حسب رأيه) التي تلقنوها من المستشرقين في أنه لم يوجد في الاسلام فلسفة وماكان لها أن توجد وأن المسيحية احتضنت الفلسفة منذ بداياتها. يقوم بالتدليل بشواهد تأريخية بأثبات خطل هذا الرأي بعرض مقتطفات وشواهد لما عانته الفلسفة في ظل المسيحية الوليدة آنذاك.
المرجع السابق ص26.
المرجع السابق ص30
مرجع سابق ص 57.
مرجع السابق ص 38
المرجع السابق ص 42
بعض النصوص تحدد 143هـ كتاريخ لبداية التدوين كعملية تمت بإشراف الدولة العباسية ابتداءً من عصر الخليفة المنصور 136-158هـ في مصر و الشام و اليمن و البصرة و الكوفة كمراكز لتجمع حاملي التراث لكن الثابت أنها امتدت في الفترة بين القرنين الثاني و الثالث للهجرة ، أما كتسجيل و تقييد بعض المسائل كمذكرات خاصة فيمكن الرجوع حتي عصر الرسول و الخلفاء.
مرجع السابق ص 67
مرجع السابق ص 46
د. محمد عابد الجابري، المسألة الثقافية في الوطن العربي، سلسلة قضايا الفكر العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثانية مارس 1999، ص25 ، 88.
د. محمد عابد الجابري، نحن و التراث، قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، دار الطليعة، الطبعة الأولى، ص 21
د. محمد عابد الجابري، التراث والحداثة، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الاولى، 1991، ص 131.
يحى محمد، بحث منشور بعنوان (ضمن سياق نقد وتصحيح مشروع الدكتور محمد عابد الجابري). http://www.darislam.com/home/alfekr/data/feker9/10.htm
صورة العضو الشخصية
Mohammed Elhaj
 
مشاركات: 11
اشترك في: الأحد نوفمبر 26, 2006 12:17 pm
الجنس: غير محدد

رقم المشاركة:#2  مشاركةبواسطة Mohammed Elhaj » الاثنين نوفمبر 27, 2006 3:47 am

الفصل الأول
يعتبر محمد عابد الجابري أن العقل العربي يمكن تصنيفه إلى نظام معرفي لغوي بياني عربي الأصل بني على أساس اللغة العربية وهي لغة قاصرة لأنها لغة أعراب محدودة بعالمهم. نظام عرفاني غنوصي دخيل وافد من الإشراق الفارسي الذي يعود إلى قبل الإسلام ثم نظام معرفي برهاني يوناني الأصل جسدته الرشدية والخلدونية .
يعتبر الجابري أن اللغة العربية لغة أعراب حسية لا تاريخية ولا يمكن أن تحدث سوى خطابا ذي طبيعة لغوية بيانية وليس ذي طبيعة فكرية ومنطقية ولكنه يعتبر أن الحضارة العربية الإسلامية (كانت قادرة على استيعاب أفكار الحضارات الأخرى) وبنفس اللغة. إن اللغة (التي جمعها الأعراب دون غيرهم محدودة بعالمهم لا زالت تنقل إلى أهلها عالما بدويا يعيشونه في أذهانهم بل في خيالهم ووجدانهم عالما ناقصاً فقيراً حسياً، طبيعياً لاتاريخياً). هل هناك لغة برهانية ولغة بيانية وهل اللغة ليست سوى العقل الذي نطق بها. كل لغة قادرة على الإنفتاح على دلالات جديدة. اللغة لا تسبق الفكر أو الفعل التاريخي فالكل ينصهر في حركة واحدة فإذا كان تحديد المفاهيم والمعاني شرطا من شروطها فإن إنفتاح الكلمات والمنطوقات على دلالات ومعاني جديدة لا يعرف الحدود. فاللغة لا تستوعب المعنى إذ هي المعنى ذاته وبها ينشأ. فهي ليست أداة ووسيلة للتواصل كما يقول البعض. هي أداة اجتماعية الفرد. (فاللغة بصفتها نسق أو نظام لا تختزل في حالتها السنكرونية ولا يمكن لها أن تختزل في دلالات محددة، جامدة، جاهزة ولكنها تحتوي دائما إضافة عاجلة ووشيكة وبارزة فهي منفتحة دائما وفي اللحظة ذاتها التي نطق بها على تحولات للمعاني، وبإيجاز فهي يمكن أن تنتج خطابا فريداً وغير مألوف متميزاً وجديداً وذلك باستعمال وسائل معروفة ومعهودة، إنها تسمح باستعمال غير معهود لشيء معهود) ثم إن ما يسمى باللغة (الأصلية والطبيعية) تؤسس في كل مرة اجتماعيا ولا يمكن أن توجد إلا بصفتها مؤسسة اجتماعيا إن مجرد وجود فكرة جديدة أو خطاب مخالف ومتميز يكفي ليبرهن لنا أن اللغة أساسا منفتحة وتحتوي في كنهها قابلية تغييرها من الداخل وتقدم جزئيا الوسائل لذلك وبصفة نشطة ولا تمت بشيء إلى الدلالات الجاهزة والمعهودة) ، إن تخلف اللغة وتحنط طرق بيانها وأساليب تعبيرها ما هو إلا مظهرا من مظاهر تحنيط الفكر الذي يقدس اللغة ويقيدها بقوانين لا تقبل التجاوز وبإصلاحات وقواعد بحيث ترسخ فيها التعقيدات وتبقى في الأخير لغة النخبة والقلة من الفقهاء والعارفين. لكن(أوسع اللغات وأجملها أبسطها وهي لغة الأفكار التي لا تربطها قاعدة ولا يحضرها قانون أما اللغة المحنطة والتي لا يقبل أصحابها أن تتغير فهي كبركة ماء لا منفذ للماء فيها. و الجابري يتعرض للغة العربية بهدف استخراج بنية البيانية ليربط هذه الأخيرة بمدى تقدم الفكر العربي أو تخلفه لدراسة (بنية العقل العربي). فهو يتعرض إلى اللغة العربية وإلى قواعدها النحوية والبلاغية لكي يبين لنا أن لغة الأعراب هي التي تحكمت في فكرهم.
يتبنى الجابري نظرية "هردر" متمثلاً العلاقة بين اللغة و الفكر التي تعزو دوراً أساسياً لللغة في تشكيل نظرة الإنسان للكون، و تتعدى كونها أداة للفكر لتكون قالباً يتشكل فيه الفكر فالأمم تتكلم كما تفكر و تخزن في لغتها تجاربها لتصبح تراثاً للأجيال اللاحقة و تكتسي القيم طابعاً قيميا من خلالها الأمر الذي يتأكد من خلال الدراسات الحديثة التي تذهب لكون اللغة تحتوي تصوراً خاصاً بها للعالم. و قد ربط هردر بين خصائص اللغة وخصائص الأمة التي تتكلمها، ذاهباً إلي القول بان كل أمة تتكلم كما تفكر وتفكر كما تتكلم. اللغة إذن ليست أداة أو محتوي فحسب، بل هي بمعني من المعاني القالب الذي تفصل المعرفة على أساسه فـترسم الحدود وتخط المحيط لكل معرفة بشرية. و لعل الدين الإسلامي و اللغة العربية هما أهم مساهمات الحضارة الإسلامية فاللغة العربية جزء من ماهية القرآن المكون الأساسي للدين الإسلامي الذي هو (الكتاب العربي المبين) و الكثير من الخلافات الفقهية و الكلامية و المذهبية مردها لها- أي اللغة - لما تتميز به من تنوع و فائض في المعنى، وثمة إعتبار آخر يمكن أن يبرر إعطاء الأولوية للغة العربية في دراسة العقل العربي مكوناته وآلياته. إنه المعطي التكويني نفسه. ذلك أن الواقع التاريخي يؤكد بما لا مجال للطعن فيه أن أول عمل علمي منظم يمارسه العقل العربي هو جمع اللغة العربية ووضع قواعد لها. وفي حالة كهذه يكون من الطبيعي تماما أن يتخذ العمل العلمي الأول، الذي أنتج علم اللغة وعلم النحو، نموذجا للأعمال العلمية الأخرى التي قامت من بعده، وإذن فمن المنتظر، أن تكون المنهجية التي أتبعها اللغويون والنحاة الأوائل، وكذلك المفاهيم التي استعملوها، والآليات الذهنية التي اعتمدوها من المنتظر أن يكون ذلك كله أصلاً يعتمده مؤسسو العلوم الإسلامية، أو علي الأقل يشتقون منه طريقة عملهم. وهذا لا يفي بطبيعة الحال تبادل التأثير في مرحلة لاحقة فتصبح علوم الدين مثالاً و نموذجاً لعلوم اللغة.
اللغة العربية ظلت في ظاهرة متميزة منذ تقعيدها في عصر التدوين فيما يمكن أن يتصل بالرغبة في حفظ لغة القرآن من الإنحراف نتيجة الإختلاط الواسع الذي عرفته الحواضر في العراق و الشام بين العرب و (الموالي)، أو بحاجة غير العرب لتعلم اللغة العربية للحفاظ على أماكنهم و نفوذهم، ظلت اللغة العربية كما هي دون أن تتغير أو تتطور ليعتبر أيا منهما دخيلاً على اللغة يجب تركه و إهماله، نتحدث هنا عن اللغة العربية الفصحى التي جُمعت مادتها خلاله - أي خلال عصر التدوين- من الأعراب الذين لم يختلطوا بالحضر بل و الذين لم يتعلموا القراءة و الكتابة، ليتبنى المجتمع ليساير التغير الذي يحدث (العامية أو الدارجة) التي تقتبس و تتماهى مع اللغات الأخري، ليعيش المثقف بين عالمين. فقد تمت عملية مسح شامل للغة العرب ثم تعامل الخليل بن أحمد مع الحروف العربية كمجموعة أصلية اشتق منها المجموعات الفرعية التي تشمل من عنصرين إلى خمسة عناصر ليستخلص الكلمات التي يمكن أن تتركب من الحروف العربية ليفحصها و يدون المستخدم منها و يستبعد غير المستخدم، في مجهود علمي و منطقي صارم جعل اللغة العربية لغة علمية مضبوطة لكنه في حده الثاني جعلها عاجزة عن قبول التطور و التغيير و التجدد بفعل القوالب الجامدة التي حجمتها و حصرت كلماتها و ضبطت تحولاتها و جعلتها لغة لاتاريخية في مقابل قواعد كان يمكن أن تكفل لها امكان التطور و التجدد، فاللغة العربية ربما كانت اللغة الحية الوحيدة في العالم التي ظلت هي في كلماتها ونحوها وتراكيبها منذ أربعة عشر قرناً علي الأقل، لندرك مدى ما يمكن أن يكون من تأثير لهذه اللغة علي العقل العربي ونظرته إلي الأشياء، تلك النظرة التي لابد أن تتأثر قليلاً أو كثيراً، بالنظرة التي تجرها معها اللغة العربية منذ تدوينها، أي منذ عصر التدوين ذاته. فقد جمع الخليل بن أحمد الفراهيدي و زملاءه اللغة من الأعراب مما جعلها تتحدد بطبيعة تفكيرهم الحسية (السمعية البصرية) الإبتدائية، فصبوا اللغة في قوالب منطقية تعكس هذه الصور الحسية الصوتية، و سار البلاغيون على نفس الخُطي حينما كرسوا مقاييس بدوية في النقد البلاغي جعلت النموذج (الجاهلي) الاعرابي متحكماً في اانتاج الشعري و الذوق الأدبي على امتداد العصور، في ما يشبه القانون الذي حكم و يحكم التطور الأدب و الفكر العربي منذ عصر التدوين إلى عصرنا هذا يفرض عالماً تقدمه اللغة العربية لأهلها ليس فيه عمقاً في التفكير و لا إمعاناً و فلسفة في التعبير وهذا شيء طبيعي ومفهوم، فعالم الأعرابي لا يحتمل عمقا في تفكير ولكن ما ليس طبيعياً، وما يجب آن يفهم، هو آن يظل الذهن العربي مشدودا، إلي اليوم، إلي ذلك العالم الحسي اللاتاريخي الذي شيده عصر التدوين إعتماداً علي أدني درجات الحضارة العربية عبر التاريخ، حضارة البدو الرحل التي اُتخذت كأصل ففرضت علي العقل العربي طريقة معينة في الحكم علي الأشياء، قوامها الحكم علي الجديد بما يراه القديم.
إن الأبحاث البيانية كانت على رأس الأعمال العلمية الأولى التي إنتقلت بالثقافة العربية الإسلامية مع بدايات عصر التدوين من ثقافة المشافهة و الرواية إلى ثقافة الكتابة و الدراية و بالتالي من الثقافة العامية إلى الثقافة العالمة و تطورت هذه الأبحاث و اتسعت دائرة إهتمامها لتشمل الخطاب العربي ككل و انشغلت بعملية الضبط و التقعيد و التقنين نتيجة المجادلات المذهبية داخل دائرة البيان نتيجة دخول نظامين معرفيين للثقافة العربية هما العرفان و البرهان و زاد من تعميق الوعي بخصوصية البيان استمرار المجادلات بين البيانيين أو بينهم و البرهانيين، و قد انقسمت الأبحاث البيانية منذ قيامها إلى قسمين: قسم يهتم بقوانين تفسير الخطاب بدأ مع عصر التدوين و اهتم بظاهرة تعدد دلالات الكلمات و العبارات مثل كتاب (قاتل بن سليمان)، لاشباه و النظائر في القرآن الكريم) لكن كان تمام هذا الإتجاه مع (حمد بن إدريس الشافعي)الذي اهتم بالمضامين التشريعية في القرآن و كيفية استنباطها و استخلاصها و وضع الأساس لقوانين تفسير الخطاب البياني و حدد الأصول الأربعة (القرآن ثم السنة ثم الإجماع ثم القياس) و القسم الآخر يهتم بشروط إنتاج الخطاب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصدر سابق ص 89.
الفكر العربي المعاصر، عدد 46، ص 68.
مصدر سابق ص 47.
مصدر سابق ص 86.
د. محمد عابد الجابري، نقد العقل العربي، بنية العقل العربي دراسة نقدية تحليلية لنظم المعرفة في الثقافة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية الطبعة الخامسة مايو 1995 بيروت، ص 14.
صورة العضو الشخصية
Mohammed Elhaj
 
مشاركات: 11
اشترك في: الأحد نوفمبر 26, 2006 12:17 pm
الجنس: غير محدد

رقم المشاركة:#3  مشاركةبواسطة Mohammed Elhaj » الثلاثاء نوفمبر 28, 2006 10:00 am

المبحث الأول
اللفظ و المعنى
إن المشكلة الأبيستمولوجية الرئيسية في النظام المعرفي البياني تتلخص في مشكلة الزوج اللفظ / المعنى و التي هيمنت على تفكير اللغويين و النحاة و البلاغيين و شغلت الفقهاء و المتكلمين، و قد مالت الدراسات البيانية للنظر إلى هذا الزوج، اللفظ / المعنى ككيانين منفصلين أو طرفين يتمتعان باستقلال عن بعضهما البعض و يمكن بسهولة العودة به للخليل بن أحمد و الطريقة التي جمع بها اللغة من حصر للألفاظ التي يمكن تركيبها من حروف الهجاء و البحث عما له معنى الأمر الذي كرس النظر للألفاظ كفروض نظرية، و تعريف بعض اللغويين للكلام بأنه (ما انتظم من الحروف المسموعة التمميزة) دون اشتراط أن يكون مفيداً لمعنى و قسموه لمهمل و مستعمل و اخذت عندها العلاقة بين اللفظ / المعنى اتجاهات متعددة و خضعت لمحددات مختلفة. و يتصل هذا التصور البياني للعلاقة بين اللفظ / المعنى في مجادلات اللغويين و المتكلمين و الفقهاء حول أصل اللغة: هل ترجع للمواضعة و الإصطلاح أم إلى التوقيف و الإلهام كإمتداد بين أصحاب الرأي و الحديث، بين المعتزلة و السنة و إن انطلقت من ذات المنطلق الذي انطلق منه جامعو اللغة من تصورٍ للمعاني و المسميات في جانب و الألفاظ و الأسماء في الجانب الآخر و باتالي دارت الإشكالية الأساسية في النظام المعرفي البياني حول مشكلة واحدة هي العلاقة بين اللفظ و المعنى كيف يمكن إقامتها و ضبطها، ليذهب الأصوليون إلى ضبطها عبر التقسيمات التالية :
- اللفظ باعتبار المعنى الذي وضع له أصلاً: خاص و هو ما وضع لواحد مفرد، عام و هو ما دل على كثرة سواء بلفظ أو معنى و مشترك وهو اللفظ الذي يدل على معنيين.
- اللفظ بإعتبار المعنى الذي استعمل فيه ضمن سياق معين: حقيقة و مجاز.
- اللفظ بإعتبار درجة وضوح معناه: محكم و هو الذي يدل على مقصود بعينه لا يحتمل التفسير ولا التأويل ولا النسخ، و متشابه و هو ما خفيت دلالته و تعذرت معرفة المطلوب منه.
- اللفظ بإعتبار طريق دلالته على المراد منه: دلالة العبارة و هي دلالة اللفظ على المعنى المقصود منه أصالة أو تبعاً. و دلالة النص و فحوى الخطاب أو القياس في معنى الخطاب و المقصود دلالة النص على تعدي الحكم المنطوق به إلي مسكوت عنه لإشتراكهما في وصف هو علة الحكم، و دلالة الإقتضاء و هي دلالة اللفظ على مسكوت عنه يتوقف صدق الكلام على تقديره.
هذا التقسيم حسب الحنفية، ثم حسب تقسيم الشافعية إلى دلالة المنظوم أي منطوق اللفظ و دلالته الصريحة، و دلالة المفهوم و هي مفهوم الموافقة و هي مسأواة المسكوت عنه للمذكور في الحكم و مفهوم المخالفة و هو مخالفة المسكوت عنه للمذكور أو ثبوت نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه. و اللافت للنظر هو أن النشاط العقلي داخله نشاط وحيد الإتجاه من اللفظ إلى المعنى كما في علم اللغة و علم البلاغة. كما أن هذه المشكلة كانت حاضرة في علم الكلام خلال مراحل تطوره غذ ان الكثير من قضاياه قد اصطدمت باشكالية اللفظ / المعنى بل ان بعض هذه القضايا كانت نتيجة هذه المشكلة مثل قضية (خلق القرآن). أما المسألة المركزية الثانية التي تمركزت حولها مشكلة اللفظ / المعنى فهي مسالة (التأويل) الذي يخص في الفكر العربي الإسلامي القرآن بصورة أساسية، و الذي اتصف بكونه (تأويلاً بيانياً) في مقابل التأويل الذي يحول النص القرآني لرموز و إشارات يضمنها أفكاراً و نظريات مصدرها الفلسفات الدينية القديمة. و هو يصدر عن نظامين معرفيين مختلفين هما التأويل العرفاني و التأويل البياني، فالتأويل البياني عند المعتزلة يتوقف عند الحدود التي تسمح بها اللغة العربية و لا يتعداها و اقتصرت الخلافات بينهم و بين السنة في المتشابه من القرآن حيث يأخذ السنيون بالظاهر وافقه العقل أو لم يوافقه محجمين عن توظيف وجوه البيان العربي فيها فيما اتجه المعتزلة لتوظيف الأساليب البلاغية في إلتماس معنى يقبله العقل وراء المعنى الظاهري للمتشابهات. و لم يتجاوز التأويل في الحقل المعرفي البياني اللغة العربية كمحدد أساسي من محددات النظام المعرفي، ليكون التأويل تشريعاً للعقل العربي و ليس مجالاً لممارسة الفعالية العقلية .
إن غياب الإهتمام بعلاقة اللغة بالفكر راجع إلى غياب الإهتمام بعملية التفكير ذاتها مستقلة عن الألفاظ و اللغة، إذ لم ينشغل البيانيون بالسؤال عن كيف نفكر بل (كيف البيان) كيف نفسر الخطاب المبين و ما هي شروط إنتاجه، و رغم ان البيانيين قد صنعوا لغات خاصة بهم (لغة الفقه و لغة النحو و لغة علم الكلام) فقد عجزوا عن جعل ممارستهم اللغوية موضوعاً للتفكير ليستخلصوا منها أولوية التفكير على التعبير، أولوية المعنى عل اللفظ على مستوى الممارسة النظرية، كون أن أولوية المعنى على اللفظ / الفكر و اللغة لا تبدو واضحة إلا عندما يكون الموضوع الذي ينصب عليه التفكير و التعبير مستقلاً عنهما، ككائنات حسية أو عقلية هنا تتجه العلاقة بين الفكر و موضوعه من المعطى الحسي أو العقلي إلى الفكر / اللغة، أما عندما يكون الموضوع الذي ينصب عليه التفكير هو النص فإن إتجاه العلاقة يكون من اللفظ إلى اللغة / الفكر، من النص إلى معقول النص.
النص يمكن النظر إليه كألفاظ و عبارات لغوية و نظام خطاب كما يمكن النظر اليه كمقاصد و معاني و جملة أحكام و آراء، و قد إختار البيانيون منذ الشافعي إلى أبي الحسين البصري و منذ الجاحظ إلى الجرجاني و السكاكي النظر إليه من منظور اللفظ أولاً و المعنى ثانيا فكان لذلك أثراً على النحو فقد تجأوز النحويون حدود النحو و يطرحون قضايا منطقية فخلطوا بينهما و نظروا إلى النحو كمنطق يعنى بالمعاني و الألفاظ، و يشرع لهما و جعلوا الكثير من القواعد النحوية قواعد للفكر فصارت اللغة وعاء يؤطر الفكر ضمن قوالب و مقولات لغوية.
أما المنتج الآخر الذي يمكن أن تنفرد و تتسمى به الحضارة الإسلامية فهو الفقه الذي يتصدر المنتجات الفكرية داخلها كإنتاج عربي إسلامي محض يشكل إلى جانب علوم اللغة العطاء الخاص بالحضارة العربية الإسلامية أقربها في التعبير عن خصوصيته، فقد تلاقت فيه مختلف الإختصاصات قبل عصر التدوين و خلاله و بعده و استغرق العمل الفقهي خلال القرون الثلاثة الأولى للهجرة الطاقات الفكرية للأمة الإسلامية فقد ساهم علماء الكلام و اللغة و المؤرخين و الأدباء في وضع المؤلفات التشريعية، و ساهم كذلك في إعادة توزيع الشخصيات العلمية لتلتقي على صعيد المذهب الفقهي رغم ما يفرق بينها على الصعيد العقائدي و السياسي و الفلسفي. و قد حل التشريع الإسلامي محل التشريعات السابقة في كافة البلدان التي فتحها الإسلام دون أن يسجل التاريخ صراعات أو احتكاكات بين القديم السابق على الإسلام و الجديد الإسلامي فقد (جب الإسلام ما قبله تماماً في مجال الفقه) بعض هذه التشريعات إمتصها الإسلام و تبناه و سكت عن البعض لكن لم يكن لهذه التشريعات أثر على المستوى النظري و التفكير الفقهي الإسلامي. و ترجع خصوصية العقل العربي لعلم أصول الفقه كعلم يتوسل بواسطة قواعده استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة ليشرع للعقل ذاته و قد انفردت به الثقافة الإسلامية دون الثقافات السابقة، إستهدف هذا العلم إنشاء علم للقانون يتميز عن القوانين التفصيلية الخاصة بالسلوك يمكن تطبيقه في أي مكان أو عصر. و قد طبعت الطريقة الفقهية طريقة عمل العقل العربي لتحدد بعد ذلك طريقة عمله في النحو أو الكلام أو غيرها من العلوم، لينشأ نتيجة لذلك تيارين احدهما يتمسك بالموروث الإسلامي و يعتبره الأصل الذي يجب إعتماده فيما جد أو في فهم الموروث الإسلامي نفسه و الآخر يتمسك بالرأي و يعتبره الأصل أي الإجتهاد في فهم النص القرآني على ضوء أحكام العقل لكن الصراع بين هذين الإتجاهين لم يكن بين القديم و الجديد و لا بين الثابت و المتحول بل كان صراع بين وجهات نظر لم تكن تعتمد نفس الأصول و المقدمات في معالجتها للقديم و الجديد معاً و يعبر عن أزمة أسس نتيجة حوجة العلوم الإسلامية لإعادة تأسيسها منطقياً و أبيستمولوجياً بعد أن تم تأسيسها عمليا من خلال تدوين العلم و تبويبه. و قد تأثر الفقه أيضاً بثنائية اللفظ / المعنى كون أن الفقهاء أخذوا يشرعون للفرد و المجتمع إنطلاقاً من تعقب دلالة الألفاظ على المعاني والمواضعة اللغوية على مستوى الحقيقة و المجاز ليهملوا مقاصد الشريعة ولتصبح مقاصد اللغة هي المتحكمة. و رهن الفقهاء التشريع بقيود العلاقة بين اللفظ و المعنى و هي علاقة محدودة فكان أن تقوقع التشريع ضمن حدود معينة لا يتعداها مما جعل انغلاق باب الإجتهاد نتيجة حتمية لأن استثمار النص انطلاقاً من اللفظ و طرق دلالته على المعني التي حصرت بالمواضعة استنفدت الإمكانيات التي تتيحها اللغة و التي هي محدودة، و لو أسس التشريع على مقاصد الشريعة لما انغلق باب الإجتهاد وبالتالي لما تجمد تطور الحياة ضمن قوالب اللغة . كذلك أدي الأمر لخنق العقل الذي يزهو به علم الكلام و يعتبره أصلا من اصوله و تحجيم دوره، كونهم انشغلوا بقضايا خلق القرآن و مسألة التأويل و مسألة الإعجاز و انتهت مناقشاتهم في القضية الأولى لتكريس حل وسط بالقول بقدم معاني القرآن و خلق ألفاظه فاصلين بذلك بين اللفظ / المعني، اللغة / الفكر، أما مسألة إعجاز القرآن فقد فقد توارت المعاني و المقاصد في خصم انشغالهم بالألفاظ و النظم، أما في مجال البلاغة فقد انخرطوا في اشكالات المتكلمين من جهة و الفقهاء من جهة أخرى فقد اصبح اللفظ مقيداً بما يمكن أن ينتج عنه على مستوى الكلام و الفقه. و أصبح بالتالي خاضعاً لهذين العلمين و ليلتزم البلاغيون بمواضعات السلف باعتبارها سلطة مرجعية لا تطالها سلطة. و عليه فيمكن أن نري أن التصور البياني للعقل أنه ليس جوهراً أو جزءاً من النفس بل هو غريزة تتغذى بما يكتسبه الإنسان من من تجارب و خبرات و ما تنقله إليه الأخبار من معارف و معلومات. و رغم هذا فالتصور البياني يقلل نت أهمية العقل كقوة و سلطة كون الإكتساب يعني أن العقل يتبع ما يتحصل عليه الإنسان من معارف و أدب و هي محكومة باشكالية اللفظ / المعنى و بالتالي يتكون العقل داخل معطيات اشكاليتهاكونها تتجه من اللفظ إلى المعنى، إذن فتكوين العقل البياني يتم عبر حفظ النص و النظر فيه و يتركز اهتمامه على نظام الخطاب و ليس نظام العقل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصدر سابق، ص 60.
مصدر سابق، ص 112.
مصدر سابق، ص 96.
مصدر سابق ، ص77
صورة العضو الشخصية
Mohammed Elhaj
 
مشاركات: 11
اشترك في: الأحد نوفمبر 26, 2006 12:17 pm
الجنس: غير محدد

رقم المشاركة:#4  مشاركةبواسطة Mohammed Elhaj » الثلاثاء نوفمبر 28, 2006 10:00 am

المبحث الأول
اللفظ و المعنى
إن المشكلة الأبيستمولوجية الرئيسية في النظام المعرفي البياني تتلخص في مشكلة الزوج اللفظ / المعنى و التي هيمنت على تفكير اللغويين و النحاة و البلاغيين و شغلت الفقهاء و المتكلمين، و قد مالت الدراسات البيانية للنظر إلى هذا الزوج، اللفظ / المعنى ككيانين منفصلين أو طرفين يتمتعان باستقلال عن بعضهما البعض و يمكن بسهولة العودة به للخليل بن أحمد و الطريقة التي جمع بها اللغة من حصر للألفاظ التي يمكن تركيبها من حروف الهجاء و البحث عما له معنى الأمر الذي كرس النظر للألفاظ كفروض نظرية، و تعريف بعض اللغويين للكلام بأنه (ما انتظم من الحروف المسموعة التمميزة) دون اشتراط أن يكون مفيداً لمعنى و قسموه لمهمل و مستعمل و اخذت عندها العلاقة بين اللفظ / المعنى اتجاهات متعددة و خضعت لمحددات مختلفة. و يتصل هذا التصور البياني للعلاقة بين اللفظ / المعنى في مجادلات اللغويين و المتكلمين و الفقهاء حول أصل اللغة: هل ترجع للمواضعة و الإصطلاح أم إلى التوقيف و الإلهام كإمتداد بين أصحاب الرأي و الحديث، بين المعتزلة و السنة و إن انطلقت من ذات المنطلق الذي انطلق منه جامعو اللغة من تصورٍ للمعاني و المسميات في جانب و الألفاظ و الأسماء في الجانب الآخر و باتالي دارت الإشكالية الأساسية في النظام المعرفي البياني حول مشكلة واحدة هي العلاقة بين اللفظ و المعنى كيف يمكن إقامتها و ضبطها، ليذهب الأصوليون إلى ضبطها عبر التقسيمات التالية :
- اللفظ باعتبار المعنى الذي وضع له أصلاً: خاص و هو ما وضع لواحد مفرد، عام و هو ما دل على كثرة سواء بلفظ أو معنى و مشترك وهو اللفظ الذي يدل على معنيين.
- اللفظ بإعتبار المعنى الذي استعمل فيه ضمن سياق معين: حقيقة و مجاز.
- اللفظ بإعتبار درجة وضوح معناه: محكم و هو الذي يدل على مقصود بعينه لا يحتمل التفسير ولا التأويل ولا النسخ، و متشابه و هو ما خفيت دلالته و تعذرت معرفة المطلوب منه.
- اللفظ بإعتبار طريق دلالته على المراد منه: دلالة العبارة و هي دلالة اللفظ على المعنى المقصود منه أصالة أو تبعاً. و دلالة النص و فحوى الخطاب أو القياس في معنى الخطاب و المقصود دلالة النص على تعدي الحكم المنطوق به إلي مسكوت عنه لإشتراكهما في وصف هو علة الحكم، و دلالة الإقتضاء و هي دلالة اللفظ على مسكوت عنه يتوقف صدق الكلام على تقديره.
هذا التقسيم حسب الحنفية، ثم حسب تقسيم الشافعية إلى دلالة المنظوم أي منطوق اللفظ و دلالته الصريحة، و دلالة المفهوم و هي مفهوم الموافقة و هي مسأواة المسكوت عنه للمذكور في الحكم و مفهوم المخالفة و هو مخالفة المسكوت عنه للمذكور أو ثبوت نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه. و اللافت للنظر هو أن النشاط العقلي داخله نشاط وحيد الإتجاه من اللفظ إلى المعنى كما في علم اللغة و علم البلاغة. كما أن هذه المشكلة كانت حاضرة في علم الكلام خلال مراحل تطوره غذ ان الكثير من قضاياه قد اصطدمت باشكالية اللفظ / المعنى بل ان بعض هذه القضايا كانت نتيجة هذه المشكلة مثل قضية (خلق القرآن). أما المسألة المركزية الثانية التي تمركزت حولها مشكلة اللفظ / المعنى فهي مسالة (التأويل) الذي يخص في الفكر العربي الإسلامي القرآن بصورة أساسية، و الذي اتصف بكونه (تأويلاً بيانياً) في مقابل التأويل الذي يحول النص القرآني لرموز و إشارات يضمنها أفكاراً و نظريات مصدرها الفلسفات الدينية القديمة. و هو يصدر عن نظامين معرفيين مختلفين هما التأويل العرفاني و التأويل البياني، فالتأويل البياني عند المعتزلة يتوقف عند الحدود التي تسمح بها اللغة العربية و لا يتعداها و اقتصرت الخلافات بينهم و بين السنة في المتشابه من القرآن حيث يأخذ السنيون بالظاهر وافقه العقل أو لم يوافقه محجمين عن توظيف وجوه البيان العربي فيها فيما اتجه المعتزلة لتوظيف الأساليب البلاغية في إلتماس معنى يقبله العقل وراء المعنى الظاهري للمتشابهات. و لم يتجاوز التأويل في الحقل المعرفي البياني اللغة العربية كمحدد أساسي من محددات النظام المعرفي، ليكون التأويل تشريعاً للعقل العربي و ليس مجالاً لممارسة الفعالية العقلية .
إن غياب الإهتمام بعلاقة اللغة بالفكر راجع إلى غياب الإهتمام بعملية التفكير ذاتها مستقلة عن الألفاظ و اللغة، إذ لم ينشغل البيانيون بالسؤال عن كيف نفكر بل (كيف البيان) كيف نفسر الخطاب المبين و ما هي شروط إنتاجه، و رغم ان البيانيين قد صنعوا لغات خاصة بهم (لغة الفقه و لغة النحو و لغة علم الكلام) فقد عجزوا عن جعل ممارستهم اللغوية موضوعاً للتفكير ليستخلصوا منها أولوية التفكير على التعبير، أولوية المعنى عل اللفظ على مستوى الممارسة النظرية، كون أن أولوية المعنى على اللفظ / الفكر و اللغة لا تبدو واضحة إلا عندما يكون الموضوع الذي ينصب عليه التفكير و التعبير مستقلاً عنهما، ككائنات حسية أو عقلية هنا تتجه العلاقة بين الفكر و موضوعه من المعطى الحسي أو العقلي إلى الفكر / اللغة، أما عندما يكون الموضوع الذي ينصب عليه التفكير هو النص فإن إتجاه العلاقة يكون من اللفظ إلى اللغة / الفكر، من النص إلى معقول النص.
النص يمكن النظر إليه كألفاظ و عبارات لغوية و نظام خطاب كما يمكن النظر اليه كمقاصد و معاني و جملة أحكام و آراء، و قد إختار البيانيون منذ الشافعي إلى أبي الحسين البصري و منذ الجاحظ إلى الجرجاني و السكاكي النظر إليه من منظور اللفظ أولاً و المعنى ثانيا فكان لذلك أثراً على النحو فقد تجأوز النحويون حدود النحو و يطرحون قضايا منطقية فخلطوا بينهما و نظروا إلى النحو كمنطق يعنى بالمعاني و الألفاظ، و يشرع لهما و جعلوا الكثير من القواعد النحوية قواعد للفكر فصارت اللغة وعاء يؤطر الفكر ضمن قوالب و مقولات لغوية.
أما المنتج الآخر الذي يمكن أن تنفرد و تتسمى به الحضارة الإسلامية فهو الفقه الذي يتصدر المنتجات الفكرية داخلها كإنتاج عربي إسلامي محض يشكل إلى جانب علوم اللغة العطاء الخاص بالحضارة العربية الإسلامية أقربها في التعبير عن خصوصيته، فقد تلاقت فيه مختلف الإختصاصات قبل عصر التدوين و خلاله و بعده و استغرق العمل الفقهي خلال القرون الثلاثة الأولى للهجرة الطاقات الفكرية للأمة الإسلامية فقد ساهم علماء الكلام و اللغة و المؤرخين و الأدباء في وضع المؤلفات التشريعية، و ساهم كذلك في إعادة توزيع الشخصيات العلمية لتلتقي على صعيد المذهب الفقهي رغم ما يفرق بينها على الصعيد العقائدي و السياسي و الفلسفي. و قد حل التشريع الإسلامي محل التشريعات السابقة في كافة البلدان التي فتحها الإسلام دون أن يسجل التاريخ صراعات أو احتكاكات بين القديم السابق على الإسلام و الجديد الإسلامي فقد (جب الإسلام ما قبله تماماً في مجال الفقه) بعض هذه التشريعات إمتصها الإسلام و تبناه و سكت عن البعض لكن لم يكن لهذه التشريعات أثر على المستوى النظري و التفكير الفقهي الإسلامي. و ترجع خصوصية العقل العربي لعلم أصول الفقه كعلم يتوسل بواسطة قواعده استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة ليشرع للعقل ذاته و قد انفردت به الثقافة الإسلامية دون الثقافات السابقة، إستهدف هذا العلم إنشاء علم للقانون يتميز عن القوانين التفصيلية الخاصة بالسلوك يمكن تطبيقه في أي مكان أو عصر. و قد طبعت الطريقة الفقهية طريقة عمل العقل العربي لتحدد بعد ذلك طريقة عمله في النحو أو الكلام أو غيرها من العلوم، لينشأ نتيجة لذلك تيارين احدهما يتمسك بالموروث الإسلامي و يعتبره الأصل الذي يجب إعتماده فيما جد أو في فهم الموروث الإسلامي نفسه و الآخر يتمسك بالرأي و يعتبره الأصل أي الإجتهاد في فهم النص القرآني على ضوء أحكام العقل لكن الصراع بين هذين الإتجاهين لم يكن بين القديم و الجديد و لا بين الثابت و المتحول بل كان صراع بين وجهات نظر لم تكن تعتمد نفس الأصول و المقدمات في معالجتها للقديم و الجديد معاً و يعبر عن أزمة أسس نتيجة حوجة العلوم الإسلامية لإعادة تأسيسها منطقياً و أبيستمولوجياً بعد أن تم تأسيسها عمليا من خلال تدوين العلم و تبويبه. و قد تأثر الفقه أيضاً بثنائية اللفظ / المعنى كون أن الفقهاء أخذوا يشرعون للفرد و المجتمع إنطلاقاً من تعقب دلالة الألفاظ على المعاني والمواضعة اللغوية على مستوى الحقيقة و المجاز ليهملوا مقاصد الشريعة ولتصبح مقاصد اللغة هي المتحكمة. و رهن الفقهاء التشريع بقيود العلاقة بين اللفظ و المعنى و هي علاقة محدودة فكان أن تقوقع التشريع ضمن حدود معينة لا يتعداها مما جعل انغلاق باب الإجتهاد نتيجة حتمية لأن استثمار النص انطلاقاً من اللفظ و طرق دلالته على المعني التي حصرت بالمواضعة استنفدت الإمكانيات التي تتيحها اللغة و التي هي محدودة، و لو أسس التشريع على مقاصد الشريعة لما انغلق باب الإجتهاد وبالتالي لما تجمد تطور الحياة ضمن قوالب اللغة . كذلك أدي الأمر لخنق العقل الذي يزهو به علم الكلام و يعتبره أصلا من اصوله و تحجيم دوره، كونهم انشغلوا بقضايا خلق القرآن و مسألة التأويل و مسألة الإعجاز و انتهت مناقشاتهم في القضية الأولى لتكريس حل وسط بالقول بقدم معاني القرآن و خلق ألفاظه فاصلين بذلك بين اللفظ / المعني، اللغة / الفكر، أما مسألة إعجاز القرآن فقد فقد توارت المعاني و المقاصد في خصم انشغالهم بالألفاظ و النظم، أما في مجال البلاغة فقد انخرطوا في اشكالات المتكلمين من جهة و الفقهاء من جهة أخرى فقد اصبح اللفظ مقيداً بما يمكن أن ينتج عنه على مستوى الكلام و الفقه. و أصبح بالتالي خاضعاً لهذين العلمين و ليلتزم البلاغيون بمواضعات السلف باعتبارها سلطة مرجعية لا تطالها سلطة. و عليه فيمكن أن نري أن التصور البياني للعقل أنه ليس جوهراً أو جزءاً من النفس بل هو غريزة تتغذى بما يكتسبه الإنسان من من تجارب و خبرات و ما تنقله إليه الأخبار من معارف و معلومات. و رغم هذا فالتصور البياني يقلل نت أهمية العقل كقوة و سلطة كون الإكتساب يعني أن العقل يتبع ما يتحصل عليه الإنسان من معارف و أدب و هي محكومة باشكالية اللفظ / المعنى و بالتالي يتكون العقل داخل معطيات اشكاليتهاكونها تتجه من اللفظ إلى المعنى، إذن فتكوين العقل البياني يتم عبر حفظ النص و النظر فيه و يتركز اهتمامه على نظام الخطاب و ليس نظام العقل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصدر سابق، ص 60.
مصدر سابق، ص 112.
مصدر سابق، ص 96.
مصدر سابق ، ص77
صورة العضو الشخصية
Mohammed Elhaj
 
مشاركات: 11
اشترك في: الأحد نوفمبر 26, 2006 12:17 pm
الجنس: غير محدد

رقم المشاركة:#5  مشاركةبواسطة Mohammed Elhaj » الثلاثاء نوفمبر 28, 2006 1:47 pm

المبحث الثاني
الأصل / الفرع
يحتل القياس موقعاً مركزيا في التفكير البياني فهو بياني - أي التفكير البياني – لأنه يقوم على القياس و العلوم الإستدلالية (النحو و الفقه و الكلام و البلاغة) استدلالية كونها اعتمدت القياس منهجاً، فهو أصل منهجي إلى جانب أنه أحد أصول التشريع المعرفي البياني. القياس لغة (تقدير الشئ على مثال شئ آخر و تسويته به) و مستخدمه لا يصدر حكماً جديداً بل يعمد إلى حكم موجود مسبقاً في الفقه أو الكلام أو الشاهد أو المواضعة فيمده و يطبقه على شئ آخر تبين له أن ما يبرر هذا الحكم في المقيس عليه موجود في المقيس، فالقائس لا يصدر حكماً من عنده لا يبتدئه بل يمدد حكم الأصل إلى الفرع إثباتاً أو نفياً اعتماداً على ما يجده من شبه بينهما يبرر القياس. يؤسس هذه العملية ظن القائس (ظن المجتهد) بأن حكم الأصل تبرره صفة أو خاصية معينة فيه هي علة الحكم و لما كانت هذه العلة موجودة في الفرع فحكمه حكم الأصل. و يرى المتمسكون بالقياس أن ظن المجتهد قناعة تحصل له من خلال وجود قرائن و علامات في النصوص، فالقياس إذا يقوم على المقايسة و المقاربة بين أصل و فرع، بين شاهد و غائب، و يقتصر دور القائس على تحصيل حكم الأصل في الفرع و يقوم هذا التحصيل على ظن القائس، و بالتالي فالحكم الذي يصدره حكم ظني فقط و ليس يقينياً. لا يختلف الوضع الأبستمولوجى العام للقياس في علم الكلام عنه في الفقه و النحو فالاستدلال بالشاهد على الغائب هو (أن يجب الحكم و الوصف للشئ في الشاهد لعلة ما فيجب القضاء على أن كل من وصف بتلك العلة في الغائب فحكمه في أنه مستحق لها حكم مستحقها في الشاهد) و يسمونها بدلا عن القياس كما الفقهاء (الاستدلال بالشاهد على الغائب) لاعتبار ديني كونها تفيد التشبيه كون الغائب هو الله و الشاهد هو الانسان، و ابيستمولوجي كونهم يسمون منهجهم استدلالاً لا مجرد قياس. كونهم ينطلقون فيه من الدليل و هو المرشد لمعرفة الغائب عن الحواس .
يتألف القياس في بنيته العامة من الأصل و الفرع و الحكم و العلة. و هي بنية معقدة ليس من السهل الإمساك بها استنادا إلى إعتبار معين مما يفسر إختلاف الاصوليين حول الجزئيات و التفاصيل في القياس. و تصنف أنواع القياس البياني إلى: القياس باعتبار مدى استحقاق كل من الأصل و الفرع للحكم، و فيه نوع يكون الفرع فيه أولى من الأصل في الحكم (قياس الأولى أو القياس الجلي،)، النوع الثاني يكون فيه الفرع و الأصل على درجة واحدة من في استحقاق الحكم و يسمى (بالقياس في معنى النص) و نوع لا يكون أولى بالحكم من الأصل و لا مسأوياً له كون العلة غير موجودة و يستنبطها المجتهد (القياس الخفي).
و إذا نظرنا إلى القياس باعتبار مدى استحقاق كل من الأصل و الفرع للحكم فيمكن أن يقسم إلى ثلاثة أنواع:
- أن يكون الفرع أولى بالحكم من الأصل و يسمى بقياس الأولى أو (القياس الجلي) و يعتبره الأصوليون مجرد إلحاق مأخوذ من النص، أي أنه من باب دلالة الدلالة (دلالة النص أو فحوى الخطاب).
- أن يكون الفرع و الأصل على درجة سواء في استحقاق الحكم و يسمى بالقياس في معنى النص و هو مجرد تعميم الحكم الذي ذكرت علته في الأصل.
- أن لا يكون الفرع أولى بالحكم من الأصل و لا مساوياً له بل يكون تحصيل حكم الأصل في الفرع مبنياً على ظن المجتهد لكون علة الحكم في الأصل غير مذكورة بل مستنبطة يبحث عن وجودها في الفرع.
كما يمكن النظر إلى الحكم باعتبار بناء الحكم على ذكر العلة و ينقسم إلى قسمين:
- قياس العلة و هو تحصيل حكم الأصل في الفرع بعد استنباط علة الحكم في الأصل و التأكد من وجودها في الفرع.
- قياس الدلالة و هو تحصيل حكم الأصل في الفرع إلى ما يدل عليهما بناءً على اشتراكهما في دليل العلة الذي يقتضي اشتراكهما في العلة ذاتها و بالتالي في الحكم. و هو أكثر استخداما عند المتكلمين و هو الاستدلال بالشاهد على الغائب.
و يمكن كذلك النظر إليه باعتباره قوة الجامع بين الأصل و الفرع و يمكن تصنيفه كما فعل الغزالي إلي:
- أن يكون الجامع بين الأصل و الفرع مؤثراً في الحكم أي علة له.
- أن يكون الجامع بين الأصل و الفرع ملائماً و هو أن يؤثر في عين ذلك الحكم.
- أن يكون الجامع بين الأصل و الفرع نوعاً من الشبه و هو ما ظهر تأثير جنسه في جنس ذلك الحكم و سماه الغزالي المناسب الغريب.
- و قياس يكون الجامع فيه بين الأصل و الفرع مبنياعلى مجرد الطرد، كأضعف أنواع القياس و هو باطل عند جمع الأصوليين .
و يرى الجابري أننا إذا نظرنا إلى هذه التصنيفات بوصفها تحولات نجريه على منظومة العلاقات التي قطباها الأصل و الفرع فالعنصر الذي يتحكم في جميع التحولات هو الجامع بين الأصل و الفرع. و لا تختلف أنواع القياس عند النحاة عنها عند الفقهاء فهم قد مددوا عمل الفقهاء إلى النحو كونهم جميعاً كانوا على اتصال بالفقه لكن الأصوليين النحاة لم يتبنوا جميع التفريعات التي تطغى على مباحث القياس عند الفقهاء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصدر سابق، ص 156.
مصدر سابق ص 160.
صورة العضو الشخصية
Mohammed Elhaj
 
مشاركات: 11
اشترك في: الأحد نوفمبر 26, 2006 12:17 pm
الجنس: غير محدد

رقم المشاركة:#6  مشاركةبواسطة abu yasaar » الجمعة ديسمبر 01, 2006 9:46 pm

تحياتي

موضوع أكثر من رائع

هو أمر كان محل اعتراض من طرابيشي - إنجازات الحضارات و (العقول) بحسب مصطلح الجابري التي سبقتهم و تَلَتْهم (مصر و الصين و بابل و الهند) لانها لم تمارس التفكير في العقل بالعقل ويعرض مثالين من حضارات الشرق القديم: مثال الحضارة البابلية من الشرق الأوسط، ومثال الحضارة الهندية من الشرق الاقصى، لكي يرد على الجابري، و يثبت وجود بدايات العلم والعقلانية في تلك الحضارات


لم أقرأ نقد جورج طرابيشي بالشكل الكافي, ولكن ما أذكره أني طالعت ماكتبه بهذا الخصوص والانطباع الذي تولد عندي وقت ذاك أنه لم يفهم الجابري في هذه النقطة.

فاعتمادا على ذاكرتي التعبانة والتي كثيرا ما تخونني :) الجابري عندما تكلم العقلانية والسحر في تلك الحضارات, لم ينفي وجود بدايات, حسب مافهمته أنه اعتبر وجود العقلانية في تلك الحضارات يشبه وجود السحر اليوم في الحضارات الأوروبية. أي انه لا ينفي وجوده, ولذلك أذكر انني عندما قرأت اعتراض طرابيشي شعرت أنه نسب شيء الى الجابري وبدأ يرد عليه.

هناك أيضا نقد مهم للجابري على يد الياس مرقص في كتابه نقد العقلانية العربية وخلافه مع الجابري حول مفهوم العقل , مع ان هذا لم يمنع الياس من أن يبدي شديد اعجابه بالجابري وأن يخاطبه ب " أستاذي الجابري أنا تلميذ في حضرتك " وتحضرني القصة التي يدونها الياس في ذلك الكتاب حيث أنه بعد أن أنتهى الياس من توجيه نقده للجابري حول مفهوم العقل صعد الجابري الى المنصة وأعلن أنه لو اعاد كتابة نقد العقل العربي لراجع المفهوم. للأسف الان أنا بعيد عن كتاب نقد العقل العربي وكذلك عن كناب نقد العقلانية العربية ولكن في كتاب الياس شيء مهم جدا يغني موضوعك.

بخصوص قضية

إنتصر للعقل البياني على العقل العرفاني، و إنتصر أيديولوجياً للعقل (السني) على العقل (الشيعي)، و أنتصر جغرافياً لعقل المغرب على عقل - أو بالأحرى (لا عقل) - المشرق. هذا الإنتصار الاخير دفع طرابيشي للحديث عن (التوظيف المركزي الاثني لنظرية العقل)


هل أستطيع أن أدين كما يفعل طرابيشي, أقول أن أدين انتصار ماركس للشيوعية في وجه الرأسمالية مثلا ؟

هل انتصار المثقفين العرب للعلمانية أو للديمقراطية في وجه " استبداد الشرق " مثلا هو توظيف إثني ؟

عندي سؤال أخير . هل كتب الجابري أي ردود على اعتراضات جورج طرابيشي؟ أعود الى ذاكرتي التعباني الى محاضرة للطيب التيزيني سمعته يقول فيها ان الجابري قال أن جورج طرابيشي مسيحي لا يحق له الكتابة في هذا المجال!! صعقني هذا الكلام يومها ولم استطع أن أصدق ان يخرج هكذا كلام من رجل بحجم الجابري, و شعرت أن موقف الكثير من المثقفين " المشرقيين " تجاه الجابري لم يكن أكثر من موقف انفعالي تجاه " انتصار " الجابري لابن حزم وابن رشد أو ل " عقل " المغرب في وجه " لا عقل " المشرق .
شبـكة العلمـانيين العـرب
http://www.3almani.org
صورة العضو الشخصية
abu yasaar
مشترك بلاتيني
 
مشاركات: 748
اشترك في: الخميس فبراير 24, 2005 3:50 am
مكان: SPAIN
الجنس: غير محدد

رقم المشاركة:#7  مشاركةبواسطة Mohammed Elhaj » السبت ديسمبر 02, 2006 11:01 am

سلامات ابو يسار
بداية شكراً على المداخلة المتخمة.
• مآخذ طرابيشي على الجابري و تدقيقه الذي ساعده فيه معرفته الكبيرة بامهات الكتب و المعاجم كونه يعمل في الأساس بالترجمة، النقطة الأخطر فيما أرى هي اتهامه للجابري بانتحال القراءة و المراجع التي يحيل اليها! أما بخصوص الحضارات الأخرى التي تجاوزها الجابري في تحديده للعقل العربي باليوناني و الاوروبي الحديث فالثابت و المعروف لدارسي القلسفة ان الشكل المنتظم لاستخدام العقل و التفكير فيه و التنظير به و من خلاله وفيه بدأ مع الحضارة اليونانية و ان شئت مع مثلث طاليس انكمانس و انكسمندريس ، أما الحضارات الشرقية القديمة شكل التفكير فيها اقرب إلى العملية (مثلا المصريون كانو يمارسون و يطبقون "مربع الوتر = مربعي الضلعين الآخرين" لكن من وضع النظرية هم اليونانيون "فيثاغورث") على أي حال اجدني اتفق معك فيما ذهبت اليه تجاه طرابيشي. كما أنني في نهاية تحليل ما أجد أن الحضارات قد سارت فيما يشبه السلسال كل حضارة تسلم منجزاتها و مفاتيح معارفها ما ان تنوء بحملها للحضارة الناشئة الفتية و الأكثر قدرة على التقدم و التطور لذلك فبالضرورة فإن الشكل الذي توفر لدى اليونانيين و العرب و الاوروبيين من التفكير العقلي / العقلاني النظري لن نجد مثله لدى تلك الحضارات، بل سنجد ان صح التعبير الشكل الجنيني.
• أما بخصوص الياس مرقص فللاسف الشديد لم اطلع على كتابه الذي اشرت اليه و الذي سابدا بالضرورة في البحث عنه.
• أما عن تحامل الجابري على فلاسفة المشرق فلا يمكن تتناول قضية مثل هذه خارج السياق الذي وضعه الجابري و إلا اختلت كما حدث هنا في هذا الخلط، فلاسفة المشرق الذين حمل عليهم الجابري بكثير من القسوة "ابن سينا و الغزالي" فمن خلال نصوص الجابري و دون كثير عناء نجد أن الغزالي مثلاً " قد تبنى في تصوفه الفلسفة الدينية الهرمسية بجميع اطروحاتها الأساسية فقد استقى اطروحات العقل المستقيل من ابن سينا و الباطنية و من المتصوفة أمثال البسطامي و الجنيد و الحلاج و غيرهم" و ابن سينا " الذي يعتبر نتاج الثقافة العربية الإسلامية منذ انطلاقتها في عصر التدوين إلى زمنه فهو بكل تناقضاته يسجل لحظة انفجار تناقض العقل العربي مع نفسه التي برز فيها عجز العقل العربي إلى عهده لتحقيق القطيعة النهائية مع الهرمسية و نظامها المعرفي،".
• أما فيما يخص ابن حزم و ابن رشد فنحن على حد تعبير الجابري أمام اعادة تاسيس كاملة للعلاقة بين البيان و البرهان على أساس نظرة واقعية عقلانية للأمور تعالج الواقع الديني والواقع الفلسفي بروح نقدية تحترم معطيات الواقع دون أن تستسلم له و له أو تتركه يحتويها، بل تحرص على أحتوائه و تعمل على اعادة بنائه و إخصابه. و يرى الجابري أنها بداية جديدة للفكر العربي بدأت بابن حزم و صنع ابن تومرت الشرط الموضوعي لبقائها و ابن باجة على تعميق مضمونها العقلاني و ظهر ابن رشد من تكامل الشرط الموضوعي و الذاتي و تلاقحهما ليعيد بناء هذه البداية بوعي و عقلانية واقعية ما جعلها قادرة على طرق آفاق جديدة. إن هذا ما قد حدث بالفعل في أوروبا عندما انتقلت اليها الرشدية أما في العالم العربي فقد اختنقت في مهدها. بل يرى الجابري أن إن ما جعل الرشدية تدخل التاريخ هو قطيعتها مع السينوية في صورتها التي اختارها ابن سينا نفسه بفلسفته المشرقية والتي تبناها الغزالي في شكل، والسهروردي الحلبي في شكل آخر، لقد قطع ابن رشد مع الغنوصية عُش اللامعقول، و لم يقطع ابن رشد مع الروح السنوية الغنوصية وحدها بل قطع أيضا مع الطريقة التي عالج بها كل من المتكلمين والفلاسفة الإسلاميين العلاقة بين الدين والفلسفة.
• لم اسمع من قبل بما قلت أن تيزيني قد قاله حول مسيحية طرابيشي و عدم أحقيته في الكتابة في هذا المجال سأبحث و ربما سألت الجابري نفسه و اوافيك
لك التحية
صورة العضو الشخصية
Mohammed Elhaj
 
مشاركات: 11
اشترك في: الأحد نوفمبر 26, 2006 12:17 pm
الجنس: غير محدد

رقم المشاركة:#8  مشاركةبواسطة Mohammed Elhaj » السبت ديسمبر 02, 2006 11:13 am

المبحث الثالث
الجوهر / العرض
يقول الجابري أن النظام المعرفي ليس منهجاً فحسب بل هو رؤية للعالم تنسجها تصورات و مفاهيم تحكمها سلطة أبيستمولوجية تختلف من نظام معرفي إلى آخر و السلطة المعرفية التي تحكم الرؤية البيانية للعالم التي كرسها النظام البياني بعد تدوينه هي سلطة الجوهر العرض و هي التي تؤطر الرؤية البيانية العالمة. يقول الجابري أن الرؤية البيانية تعتمد التصور الذي يقدمه القرآن عن العلاقة بين الله و الطبيعة فهي رؤية دينية في جوهرها أعطاها المتكلمون أبعادا ميتافيزيقية حينما أخذوا يدافعون عنها بالعقل. كانت طريقة المتكلمين في الكلام تعتمد منهجهم المفضل أي الاستدلال بالشاهد على الغائب موضوع تأكيد التعدد و التراكيب في العالم فلجأوا إلى بناء عالم الطبيعة و الإنسان على صورة تمكنهم من الاستدلال به فيما موضوعه تأكيد وحدانية الله على اطروحاتهم.
المفاهيم والمعاني والصور الموجودة في ذهن الإنسان تنقسم إلى قسمين، معاني جزئية ومعاني كلية، والمعاني الكلية خاصة هي التي نسميها بالمعقولات، أما المعاني الجزئية فلا نصطلح عليها بالمعقولات. والمعاني الجزئية الموجودة في الذهن تنقسم إلى معاني محسوسة، ومعاني متخيلة، ومعاني موهومة، أما المعاني الكلية فهي تنقسم إلى: معقولات أولية، ومعقولات ثانية. و المعقولات الموجودة في الذهن تنقسم إلى قسمين: معقولات أولية، ومعقولات ثانية. والمعقولات الثانية تنقسم إلى قسمين: معقولات ثانية فلسفية، ومعقولات ثانية منطقية، والمقصود بالمعقولات الأولية، هي الصور الكلية أي المعاني الكلية المباشرة للأشياء في الذهن، أو قل هي ماهيات الأشياء إذا فالمقولات تساوي المعقولات الأولية، وتساوي الماهيات، وهي المعاني الكلية التي يتلقاها الذهن مباشرة من الواقع. أما المعقولات الثانية، فهي صفات و أحوال للمعقولات الأولية، وهي تارة تكون فلسفية وأخرى منطقية، والفلسفية هي ما نقرأه في الفلسفة، كالإمكان والضرورة، والوجوب والامتناع، والعلة والمعلول، وغير ذلك. بينما المعقولات الثانية المنطقية هي ما نقرأه في المنطق، كالكلي والجزئي، والمحمول والموضوع، وغير ذلك. والمعقولات الثانية الفلسفية يكون الإتصاف بها بالخارج وعروضها في الذهن، بينما المعقولات الثانية المنطقية الاتصاف بها في الذهن وعروضها في الذهن أيضاً. الفرق بين المعقولات الأولية والمعقولات الثانية: توجد فروق أساسية بين القسمين من المعقولات، فالمعقولات الأولية هي المعاني الكلية للأشياء التي يتلقاها الذهن مباشرة من الخارج، بينما المعقولات الثانية هي مجموعة أوصاف وأحوال ذهنية للمعقولات الأولية، ولذلك نقول: إن المعقولات الثانية منتزعة من المعقولات الأولية، ومعنى كونها مجموعة أوصاف وأحوال للمعقولات الأولية و المعقولات الثانية لم تؤخذ من الخارج، بينما المعقولات الأولية مأخوذة من الخارج مباشرة، وكلاهما مفاهيم كلية.
فالمعقولات الأولية عبارة عن المفاهيم أو المعقولات التي يتلقاها الذهن مباشرة من الخارج، بينما المعقولات الثانية أوصاف وأحوال ذهنية للمعقولات الأولية، وهذا ينطبق على المعقولات الثانية المنطقية، لأن عروضها في الذهن والاتصاف بها في الذهن.
كما إن المعقولات الثانية لا مصداقَ مستقلاً لها في الخارج، أي أنها غير موجودة في الخارج بوجود منحاز مستقل، بخلاف المعقولات الأولية، فمفهوم الكتاب الكلي فإن له مصداق في الخارج، بينما المعقولات الثانية لا مصداق لها في الخارج، فالمعقولات الثانية منتزعة من المعقولات الأولية، بينما المعقولات الأولية منتزعة ومأخوذة من الخارج مباشرة.
وهنا نذكر مثالاً للمعقولات الثانية المنطقية، كما نذكر مثالاً للمعقولات الثانية الفلسفية. فمثلاً الكلي والجزئي من المعقولات المنطقية، مفهوم الكتاب يتصف في الذهن بأنه كلي، والكلية هي قابلية المفهوم على أن ينطبق على مصاديق كثيرة ولو بالفرض، وهذه القابلية حالة من الحالات التي يتصف بها مفهوم الكتاب في الذهن، فالاتصاف بالكلية يكون في الذهن ، كما أن عروضها يكون على المفهوم الذهني، كمفهوم الكتاب الذهني. والجزئية كذلك أيضاً. وإن كنا نقول أحياناً لشيء بأنه جزئي أو متشخص، لكن الجزئي غير المتشخص، التشخص يساوق الوجود، فالتشخص عين الخارج، أما الجزئي بالمصطلح المنطقي فهو صفة للمفهوم مقابل صفة الكلي، أي إن المفهوم الذي لا يقبل الانطباق على كثيرين هو الجزئي، ولهذا نقول أن الجزئية من أحوال المفهوم الذهني، وليست من أحوال الأمر الخارجي المتشخص. فالجزئية والكلية هي معقولات ثانية منطقية، أي أن الاتصاف بها في الذهن، وعروضها في الذهن أيضاً. كذلك الكليات الخمس، الجنس، والنوع، والفصل، والعرض العام، والخاصة، كلها من المعقولات الثانية المنطقية. وللمعقولات الثانية، سواء كانت منطقية أو فلسفية، دور أساسي في المعرفة البشرية. أما المعقولات الثانية الفلسفية، فالاتصاف بها يكون في الخارج، ولكن عروضها يكون في الذهن. ومعنى ذلك أن ما هو موجود في الخارج تارة يكون وجوده مستقلاً، كوجود الكتاب، الحجر، الانسان، ومرة لا يكون وجود الشيء الخارجي مستقلاً. ما هو معنى (مقولة) معنى المقولة هو المحمولة، فالمقولات تعني المحمولات. الجوهر / العرض، الماهية أساساً تنقسم انقساماً أولياً إلى قسمين،جوهر وعرض، وهذا الانقسام للماهية هو للماهية بمعنى المعقول الثاني لا المعقول الأول. وما يندرج تحت هذه الماهية هو المعقولات الأولية، أي الجوهر والأعراض التسعة. والمقصود بالجوهر، هو الماهية التي إذا وجدت في الخارج وجدت لا في موضوع، كالكتاب يوجد في الخارج مستقلاً أي قائماً بنفسه، وجوده غير وجود الحرارة للماء، أو البياض للورقة، فالحرارة موجودة بغيرها، بينما الكتاب موجود بنفسه. تعريف الجوهر: قد يقال: بعض الجواهر موجودة في الخارج ولكن لا بنفسها، بل موجودة في موضوع، من قبيل الصورة الموجودة في المادة، فهي موجودة في موضوع، فلا ينطبق عليها تعريف الجوهر. ولهذا ذكروا قيداً فقالوا: إن الموجود في موضوع له نوعان، تارة يكون موجوداً في موضوع، وهذا الموضوع مستغن عنه، كالحرارة الموجودة في الماء، ولكن الماء مستغن عن الحرارة، فلو جردنا الماء عن الحرارة لبقيَ الماء، كذلك البياض فإنه موجود في الورقة، وهي مستغنية عن البياض، إذ لو جردنا الورقة من البياض لبقيت الورقة، فهذا نوع من الوجود في موضوع، وفيه يكون الموضوع مستغنياً عنه. وأخرى يكون الموجود في الموضوع غير مستغن عنه الموضوع، أي لو لم يوجد الحال لم يوجد المحلُّ فعليا ً، كالصورة الجسمية، التي تفيد فعلية الجسم في الامتدادات الثلاثة، فالجسم له فعليات متعددة، أحدها أنه ممتد في الأبعاد الثلاثة، الطول، العرض، العمق، والتي منها يتشكل الحجم، إذاً فالصورة الجسمية تفيد فعلية الجسم في الأبعاد الثلاثة، وهذه الصورة موجودة في موضوع، وموضوعها هو المادة، ولكن المادة غير مستغنية عن الصورة، لأن الصورة هي التي تحقق الفعلية، إذ لولا الصورة لما تحقق ارتفاع أو طول أو عرض، وبهذا القيد الجديد ينطبق تعريف الجوهر على الصورة، فنقول: الصورة مع أنها موجودة في موضوع، موجودة في المادة، ولكن هذا الموضوع غير مستغن عنها، لأن المادة غير مستغنية في وجودها عن الصورة، باعتبار أن الصورة هي التي تفيد فعلية المادة، والصورة الجسمية هي التي تفيد فعلية الجسم في الامتدادات الثلاثة. ولهذا قيد التعريف بهذا القيد، فقيل: إن ماهية الجوهر إذا وجدت في الخارج وجدت لا في موضوع مستغن عنها في وجوده. تعريف العرض: العرض هو الموجود في موضوع، لكن ليس كل ما وجد في موضوع هو عرض، بل العرض هو ما وجد في موضوع وكان الموضوع مستغنياً عنه، كالحرارة الموجودة في الماء، والماء مستغن عنها، والبياض الموجود في الورقة والورقة مستغنية عن البياض. ولهذا نقول: الماهية إذا وجدت في الخارج، ووجدت في موضوع، وكان هذا الموضوع مستغنياً عنها، كانت هذه الماهية هي العرض. الدليل على وجود الجوهر والعرض وجود الجوهر والعرض بديهي، لأن الأعراض لا شك في وجودها، والفلاسفة كلهم آمنوا بوجودها، لكن منهم مَن أنكر الجوهر ، كالفلاسفة الماديين، و (الطباطبائي) يقول إن مَن ينكر الجوهر لابدّ أن يقول بجوهرية الأعراض، لأن الجوهر هو عبارة عن المحور الذي تلتقي به هذه الأعراض، فلو لاحظت التفاحة، فإن لها لوناً، وهو عرض، ولها طعم، وهو أيضاً عرض، ولها وزن، وهو كذلك عرض، فهذه الأعراض بمجموعها تلتقي بمحور واحد هو التفاحة، وهو الجوهر، أي لو ذهب لون التفاحة تبقى تفاحة، كذلك لو ذهب طعمها، أو وزنها تغير، أو رائحتها تغيرت، فإنها تبقى تفاحةً، فبقاؤها يعني بقاء جوهرها، وانعدامها يعني انعدام جوهرها، فالذي ينفي الجوهر لابدّ أن يقول بجوهرية الأعراض، أي أنه يذهب إلى أن حقيقة التفاحة في أعراضها، وبالتالي حتى مَن ينفي وجود الجوهر لابدّ أن يقول بوجود حقيقة للأشياء، وهذه الحقيقة هي الجوهر. المقولات لا أجناس فوقها: الجوهر والعرض هي مقولات وأجناس عالية، أي أن هذه الأجناس لا أجناس فوقها، وإلا لو قلنا بوجود أجناس فوقها، فذلك يعني أن هذه الأجناس لابدّ أن تكون مركبة، أي يكون الجوهر مركباً من جنس ومن فصل، وحينئذ لابدّ أن تكون الأجناس التي فوقها مركبة أيضاً، وهكذا إلى ما لا نهاية. الفرق بين الجوهر والعَرَض: هناك فرق بين الجوهر والعرض، وهو أن مفهوم الجوهر مفهوم ماهوي، أي معقول أولي، لأنّه أحد المقولات العشر، بينما مفهوم العرض مفهوم فلسفي، أي معقول ثان فلسفي، لأنه ليس واحداً من المقولات العشر، بل هو مفهوم أو عرض عام ينطبق على مقولات العرض التسع، ومثله كمثل مفهوم الماهية، فهو مفهوم ثان فلسفي، أي معقول ثان فلسفي ينطبق على الجوهر والعرض، كذلك مفهوم العرض، هو معقول ثان فلسفي ينطبق على مقولات العرض التسع، وليس جنساً لمقولات العرض، لأن مقولات العرض أجناس عالية لا جنس فوقها، وهي بسيطة، كالجوهر الذي هو جنس عال لا جنس فوقه. عدد المقولات: أن المقولات التسع العرضية هي: الكم، والكيف، والأين، والمَتَى، والوضع، والجِدة، والإضافة، وأن يفعل، وأن ينفعل، كما قال المشَّاؤون، ودليلهم على ذلك هو الاستقراء. ولكن البعض ذهب إلى أن المقولات أربع، وهي: الجوهر، والكم، والكيف، والبقية السبع، اعتبرها واحدة، وعبَّر عنها بالنسبة، لأن الأين هو نسبة الشيء إلى المكان، والمَتَى نسبة الشيء إلى الزمان، والوضع نسبة أجزاء الشيء بعضها إلى بعض، والجِدة نسبة حاصلة من إحاطة شيء بشيء، والإضافة تكرر النسبة بين شيئين. أمّا السهروردي فقد اعتبر المقولات خمساً، وهي: كم، وكيف، ونسبة، وحركة، وجوهر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصدر سابق ص 189.
مصدر سابق، ص 213
مصدر سابق ص 217.
مصدر سابق ص 220.
صورة العضو الشخصية
Mohammed Elhaj
 
مشاركات: 11
اشترك في: الأحد نوفمبر 26, 2006 12:17 pm
الجنس: غير محدد

رقم المشاركة:#9  مشاركةبواسطة abu yasaar » السبت ديسمبر 02, 2006 12:17 pm

سأحاول الحصول قريبا على كتاب نقد العقلانية العربية من أحد الأصدقاء لكي اتمكن من طرح أفكار الياس ازاء كتاب الجابري بشكل أفضل, ولكن مبدأيا وجدت هذا( وهو يتعرض الى النقاط التي أشرت لها في مداخلتي السابقة) , أرجو أن يثري الموضوع. عن شاهر أحمد نصر :

الياس مرقص والجابري :

محمد عابد الجابري قال جيداً الفكر: أداة " الأداة المنتجة للأفكار"(ص11-12من كتابه).. أريد أن أقول أيضاً: الفكر = طريق، الفكر حركة، مسار موقف ضد المباشر.
1- اللوغس ليس العقل فقط (كتاب الجابري ص19-22) بل هو الكلام والعقل.ص73 أدرك البشر منذ البداية أهمية اللغة أو الكلام في اجتماع البشر ..
- اختراع الكتابة كان اختراع اللغة ثانية.
- الطباعة (ق15) اختراع اللغة ثالثة. الأستانة تتأخر ثلاثة قرون لا أقل! تسمح بها للأرمن واليهود والأروام في عاصمة الخلافة الظافرة ولا تسمح بها للمسلمين .. 1) الايديولوجية العثمانية ايديولوجية اكتفاء ذاتي فكري ايديولوجية غرور وكبرياء واعتقاد قوي بتمام الأمة وكمالها، وهذا هو نقصهم ومقتلهم. 2) أخذوا المدافع رفضوا الفكر. 3) أخذوا السلع الاستهلاكية تاجروا آمنوا بـ"تجارة المركانتلي" لكن رفضوا "اقتصاد السوق"، "التعامل بين الناس" 4) العثمانيون يبقون عند المركانتيلية: عبادة الفضة والذهب 3 وزارات في دولة الاستبداد الشرقي: النهب في الخارج (الحرب) والنهب في الداخل (الجباية)، والأشغال العامة. 5) في وصف الاستبداد الشرقي، مسألة اللوغس – الكلام تحتل مكاناً مركزياً: الأمر ينزل من فوق، القول سحر وحق، الأدنى ينفذ كلام الأعلى، لا إنضاج لا شغل أو تحويل.لا فكر لا عمل ذهني. 6) العلاقات عمودية الكون طوائف.
2 – لدينا إذن ما يكفي كي نكره الكلام ونحب العقل، كي نرفع لواء العقل ضد الكلام واللغة الخ لكن هذه المبررات غير مناسبة. ص75
3- اليونان انتقلوا إلى علم الكلام، اخترعوا علم الكلام، أي اتخذوا كلام البشر عموماً موضوعاً للعلم.ص76
4 – اليونان اخترعوا هوة بين الكلمات والأشياء، بين الكلام والواقع، وأعلنوا أن هذه الهوة كبيرة مليئة يملؤها الفكر. مع فكرة المفهوم، وفكرة الشكل أقاموا هذا الجسر: الفكر.ص77

حول موضوعة العقل العربي عند الجابري ص325

أستاذي، د. الجابري، أنا تلميذك وتلميذ لآخرين، هل تسمح لي بأسئلة محددة، قطعية؟

أولاً: هل تعتقد أن كلمة اللوغس تعني العقل فقط أم تعني أولاً الكلام، الكلمة، الخطاب، ثم العقل؟ أي لها مباشرة معنيان إن صح القول. في رأيي، إن هذا الإغفال، من وفي البداية، ينسحب أو يمكن أن ينسحب على المنهج وعلى الموضوع: العقل العربي، تكوينه وبنيته.
إن إدانة محمد عابد الجابري لـ "الهِرمسية" صحيحة. والأكثر صواباً وإحاطة وأهمية هو تقسيمه العقل أو الفكر العربي إلى بياني ( لغة، فقه)، و"هرمسي" وما شابه، ومنطقي برهاني، بصرف النظر عن التفاصيل، وعن "المصطلحات". أريد أن اضيف من جهتي: العقلي – الجدلي، "دراسة طبيعة المفاهيم" ( عبارة انجلز). ص540
في رأيي، إن اليونانيين اخترعوا علم الكلام، علم الكلمة، العلم الذي موضوعه الكلام والكلمات، أي أنهم أوجدوا هوة بين الكلمة والشيء ، بين الكلمات والأشياء ، بين الكلام والكون أو الوجود أو الواقع، وأعلنوا أن هذه الهوة مليئة، يملؤها الفكر اليومي والعملي المصاحب لحياتنا نفسها، وعلى هذا الأساس، لا على غيره، أوجدوا علم الفكر، أو فكر الفكر، أو الفكر أس2.

الجابري عرف في كتابه اللوغس بأنه العقل والعقل المحايث (هذا صحيح ، لكن: العقل المحايث مع التناقض ومع النفي..) ولم يعرفه بأنه أولاً الكلام والخطاب والكلمة وهذا ينسحب على معالجته لموضوعه: العقل العربي..
إن الاعتقاد بأننا نحن مع اللغة وهم الأوروبيون مع العقل هو ظلم للحقيقة، ولا أقول ظلم للعرب، قاصداً ظلم المنطق والبداية والمبدأ، ألا وهو اللوغس – اللغة. الجابري يبدأ بعد البداية وهذا يؤلمني. إن الفراهيدية والخوارزمية والجهمية والمعتزلية والمعرية والإدريسية إلخ عمليات لوغسية عقلية منطقية جبارة.ص23

مداخلة ومأخذ على الجابري من محمود أمين العالم وجورج طرابيشي

محمود أمين العالم يعترض على التحليل الابستمولوجي (المعرفي؟العلمي؟) في غياب الاقتصاد والسياسة..و.. و.. وينتقد كون الجابري يريد المشروع الثقافي الأندلسي كمنطلق مع وجوب تطوير.
جورج طرابيشي بعكس محمود أمين العالم يأخذ على الجابري عدم التزامه إلى النهاية بالمنهج الابستيمولوجي، مع أنه شخصياً –كما قال- ليس من أنصار المنهج الابستيمولوجي. قال أيضاً أن الجابري مع البيان والبرهان ضد العرفان. إذن تكون في مورفولوجية الفكر العربي الإسلامي ثلاثة أقسام.. ( يبدو لي أن الجابري مع البرهان إذا صح التعبير).ص170
محمود أمين العالم سألني عن موقفي إزاء قضية الجابري.. قلت له، وأردد القول: أنا مع الغنوزيولوجيا. أدين العقيدة الابستيمولوجية، أميز وأعارض بينهما كما يلي: الأولى نظرية المعرفة. الثانية تبدو لي نظرية علم وعلوم. الأولى تهم لينين وآينشتاين والنجار والفلاح، إنها المنطق. الثانية تبدو لي شيئاً للسوربون والجامعات والجوامع يجب أن تخضع للأولى.
مسألة العمل، موقع العمل، الفعل البشري، صناعة الإنسان في صلب الغنوزيولوجيا.ص175
أنا مع الحقيقة الجابري مع العلمية.
الجابري اتخذ في كتابه (في المقاربات الأولية) مواقف من مقولات الأخلاق والمعيارية غير صحيحة. سقراط مؤسس الفلسفة الأخلاقية وفكرة المفهوم معاً. العلوم المعيارية هي علوم ما يجب أن يكون: اللوجيقا مع الحقيقة، الاثيقا مع الخير والواجب، الاستيطيقا مع الجمال .
كذلك أنا لا أوافق على ترادف قام عند الجابري بين الفكر والرأي. أنا مصر على المعارضة التي أقامها ديموقريط مثلاً والفلسفة اليونانية عامة بين الحقيقة والرأي opinione .
أجل من الممكن "تفسير" أو "تبرير" هذه المواقف – تكبير "الرأي "وتخفيض المعياري" و"الأخلاقي" و"القيمي" – بالسياقات النصية ، بالأهداف التي يطعنها الجابري بحق، لكني غير موافق على هذا المنحى، الذي أجد له أبعاداً قَبْل وبَعْد. يؤسفني أن يكون الجابري قد عرّف اللوغس بأنه العقل والعقل المحايث واستغنى عن كونه أولاً بأول: الكلام، الكلمة، اللغة، الخطاب..ص175
أتمنى أن يقرأ الجابري هيغل وإنجلز ولينين، أن يقف ملياً أمام المسألة الوضعانية، أمام المعارضة التي أقمتها بين الديالكتيك والوضعانية، وأن يدخل في مسألة التاريخ الراهن: الاشتراكية العالمية، العرب.. وذلك خدمة لما يهمه أي لحرفته ودعوته! غني عن القول أنني أقف إزاء عمل الجابري كتلميذ يتعلم. ص176
صورة العضو الشخصية
abu yasaar
مشترك بلاتيني
 
مشاركات: 748
اشترك في: الخميس فبراير 24, 2005 3:50 am
مكان: SPAIN
الجنس: غير محدد

رقم المشاركة:#10  مشاركةبواسطة Mohammed Elhaj » الأربعاء ديسمبر 06, 2006 10:03 am

مداخلتك السابقة حول الياس مرقص و كتابه نقد العقلانية العربية تجعلني اكثر اصراراً على تقصي وجهة نظر مرقص من خلال قراءة كتابه الذي ذكرت خاصة و الكتابة حول موضوع نقد العقل العربي و نقده لم يكتمل بعد بالنسبة لي، كما ذكرت النقد الذي وُجه للجابري كان باتجاه المنهج الابيستمولوجي الذي استخدمه خلال مشروعه بإصرار، على حرب مثلاً اعتبرها نقطة قوة و ضعف في الوقت ذاته مقارنة بمنهجية متعددة يستخدمها محمد اركون في مشروعه الذي علمت اثناء اعدادي لما ينشر انه عمل متقاطع مع اعمال مطاع الصفدي و الجابري باتفاق مسبق في سبعينيات القرن الماضي، اما من عابوا استخدام المنهج الابيستمولوجي فيتجاهلون ان المشروع برمته قائم على البحث الابستمولوجي في ادوات المعرفة وآلياتها،
عن مرقص ابو يسار الرجاء مدي بمعلومات حول الكتاب او ان امكن و سيكون ذلك رائعاً ان وجدت نسخة للتحميل!
تحياتي


الفصل الثاني
العرفــان

المبحث الأول
العقل المستقيل في الموروث القديم
يتوصل الجابري في تحليله لبنية العقل العربي إلى رد هذه البنية إلى ثلاثة مكونات، مكون عربي صرف يسميه المعقول الديني أو العقل البياني و هو ما ناقشناه في الفصل السابق، و يتمثل في العلوم اللغوية و الدينية من نحو و بلاغة و فقه و كلام، الثاني مكون قديم و يسميه اللامعقول العقلي أو العقل المستقيل و يتمثل في النتاج العرفاني خاصة و يشكل الموروث القديم الذي ورثه العرب عن الديانات و الفلسفات القديمة كاغنوص اليوناني و الإشراق الفارسي و التصوف الهندي الذي سيكون موضوع هذا الفصل و الثالث مكون يوناني أرسطوطاليسي يسميه المعقول العقلي أو العقل البرهاني الكوني و يتمثل في الفلسفة و علومها. فالعقل العربي إذا يتركب من معقول عربي و معقول يوناني و لامعقول قديم غير عربي .
إن الانطلاق في فحص طبقات الموروث القديم في الثقافة العربية من الصورة التي تقدمها لنا عنه المؤلفات العربية القديمة قد جعلنا أمام أمشاج من الآراء الفلسفية والدينية لا نجد لها مكاناً في التاريخ الرسمي للفلسفة السائد اليوم. وهذا ليس راجعاً إلى أن تلك الأمشاج خالية تماماً من كل ما يثير اهتمام الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، بل لأن تاريخ الفلسفة الرسمي المعاصر تحكمه المركزية الأوروبية، وبالتالي فهو لا يهتم إلا بالطريق الذي سلكته الفلسفة من بلاد اليونان موطنها الأصلي إلى روما وأوروبا العصور الوسطى ثم أوروبا الحديثة. أما الطريق الذي سلكته الفلسفة من أثينا إلى الشرق، خلال فتوحات الاسكندر وبعدها إلى أن استقرت في بغداد عاصمة العباسيين، فهو لا يهتم بها. وإذا مر مرور الكرام بمدرسة الاسكندرية في القرن الثالث الميلادي فليشير فقط إلى أن أفلوطين (205م _ 270م) درس بها، على شخص يحيط به الغموض اسمه أمونيوس ساكاس، قبل أن يرحل إلى روما حيث أقام هناك مدرسته المشهورة التي ستستأثر وحدها باسم الأفلاطونية المحدثة.
هكذا يغيب عن المسرح، مسرح تاريخ الفلسفة الرسمي، الطريق الاخر الذي سلكته الفلسفة، أثناء فتوحات الاسكندر وبعدها، نحو الشرق. و النتيجة تجاهل اسكندرية ما قبل وما بعد أفلوطين وما تفرع عنها من مدارس أخرى كمدارس فلسطين، وتجاهل انطاكية وامتداداتها كمركز ثقافي خصب شمل اشعاعه سورية كلها، وتجاهل المدارس الشرقية الأخرى في العراق وفارس وخراسان. وبعبارة أخرى إن ما هو غائب في هذا التاريخ الرسمي للفلسفة هو بالضبط ما نحن في حاجة اليه هنا، هو تاريخ المراكز الثقافية في كل من مصر وفلسطين وسورية والعراق وايران، هذه المراكز التي احتضنت العلم والفلسفة (ليونانيين)مدة تزيد على عشرة قرون، ما بين موت الاسكندر سنة 323 ق م وعصر التدوين في الإسلام (القرن الثامن الميلادي).
يبرز كثير من المستشرقين دور المدارس السريانية في انطاكية ونصيبين وحران (بشمال سورية والعراق) وجنديسابور (جنوب فارس) في نقل الفلسفة والعلوم اليونانية إلى العربية. وبعضهم يريد أن يلتمس لهذه المدارس تأثيراً في النواحي الثقافية الأخرى في الإسلام كعلم الكلام مثلاً. لكن و برغم الدور الذي قام به أساتذة هذه المدارس السريانية وتلامذتها في حركة الترجمة في الإسلام، فإننا مع ذلك لا نجد فيها، أو على الأقل فيما يقدّم لنا عنها، ما يلبي حاجتنا. فلقد كان ما يعلم في تلك المدارس ذا صبغة دينية غالباً ومتصلاً بالنصوص المقدسة، وكان موجهاً بحيث يواتي حاجة الكنيسة. لقد كانت هذه المدارس مشغولة بتحديد العلاقة بين اللاهوت والناسوت في ذات المسيح، والنزاع كان أساساً بين اليعاقبة الذين أكدوا على وحدته فجعلوا منه إلهاً وبين النسطوريين الذين أثبتوا له خصائص بشرية في الوجود والإرادة والفعل مميزين بينها وبين ما فيه من عنصر إلهي. وقد استعان المتكلمون المسيحيون بالمنطق الأرسطي في معالجة هذه المشكلة الدينية. وغني عن البيان القول إن هذه المناقشات كانت تشكل أو تنتج ما يمكن التعبير عنه بـ (لمعقول) لديني للمسيحية الشرقية، وهو يقع بعيداً عن تيارات اللا معقول (لعقلي)التي تهمنا هنا أصولها وفصولها، تلك التيارات التي تحدث عنها الشهرستاني باسم آراء (لروحانيين من الصابئة)من جهة، وباسم فلسفة (الحكماء السبعة) من جهة أخرى. هناك مدرسة حران التي لم يَنتصّر أهلها والتي احتفظت بسبب ذلك بالطابع اليوناني الوثني، مع عناية خاصة بالعلوم الفلكية التي انتقلت إليها من بابل مع ما يرتبط بها من عبادة الكواكب والاشتغال بالتنجيم والسحر. وتزداد أهمية حران بالنسبة لموضوعنا لكونها كانت مقراً للصابئة الذين تشكل فلسفتهم الدينية الهرمسية أحد التيارين الرئيسيين في قطاع اللا معقول في الموروث القديم، هذين التيارين اللذين نريد التعرف على مصادرهما وتاريخ تشكلهما والنظام المعرفي الذي يؤسسهما .
قام الحرانيون بدور كبير في حركة النقل والترجمة في الإسلام وبكيفية خاصة في مرحلتها الثانية، فنقلوا كثيراً من تراث مدرستهم العلمي والفلسفي إلى العربية بما في ذلك بعض المؤلفات الهرمسية. غير أن معلوماتنا الراهنة عن مدرسة حران لا تسعفنا كثيراً في موضوعنا، فكل ما نعرفه عنها أنها اشتهرت منذ أوائل الميلاد، وأنها قد عنيت بالعلوم الكلدانية إلى جانب عنايتها بتيارات من الفلسفة اليونانية. وأهم حدث علمي يرتبط اسمه بحران هو انتقال (مجلس التعليم) (الكتب والأساتذة) إليها في خلافة المتوكل التي دامت من سنة 232ه‍ إلى 247ه‍ . وكان (جلس التعليم)هذا قد استقر قبل ذلك لمدة مائة وأربعين سنة في انطاكية التي كان قد انتقل اليها من الاسكندرية أثناء خلافة عمر بن عبد العزيز أي ما بين سنة 99 ه‍ وسنة 101 ه‍. ونحن نعرف أن هذا (لمجلس)لم يدم مقامه طويلاً في حران إذ انتقل إلى بغداد في خلافة المعتضد التي دامت من سنة 279ه‍ إلى سنة 289ه‍، (على هذا لم تستمر الدراسة في حران أكثر من أربعين سنة) وهي فترة تقع كما قلنا ما بين خلافة المتوكل وخلافة المعتضد. وبما أن الأدبيات الهرمسية كانت قد انتشرت في الثقافة العربية الإسلامية قبل هذا التاريخ، فإن مدرسة حران، أو على الأقل (جلس التعليم) اذي انتقل اليها، لا يمكن أن يكون المصدر الوحيد للهرمسية في الإسلام، فلابد أن يكون هناك مصدر أو مصادر أخرى سابقة. وبما أن موطن الهرمسية الأصلي هو الاسكندرية، فإننا نرجح أن يكون انتقال الأدبيات الهرمسية إلى الثقافة العربية الإسلامية قد تم على مرحلتين، في المرحلة الأولى كان المصدر هو الإسكندرية نفسها ولربما أيضاً بعض فروعها في فلسطين. أما في المرحلة الثانية فلقد كانت مدرسة حران هي المصدر الأساسي. ومن دون شك فإن ما نقل من حران يرجع معظمه إلى مدرسة الاسكندرية التي كان مجلس تعليمها قد انتقل إليها. يبقى بعد هذا ذلك الخليط من الآراء الفلسفية المنحولة لـ (الحكماء السبعة)، وفي مقدمتهم امبادوقليس المنحول الذي كان المصدر الخصب الذي غرفت منه التيارات الباطنية في الإسلام مشرقاً ومغرباً. ومع أن تلك الآراء الفلسفية المنحولة ذات النزعة الغنوصية الواضحة تلتقي في كثير من جوانبها الأساسية مع العناصر الرئيسية في الفلسفة الدينية الحرانية الهرمسية فإن كون الشهرستاني يعرضها على أنها تمثل رأي الفلاسفة (الأوائل)، تمييزاً لها عن فلسفة أرسطو وشراحه من جهة، وعلى أنها من جهة أخرى غير مرتبطة بآراء الروحانيين من الصابئة (الهرمسية) التي عرضها عرضاً مستقلاً باعتبار أنها لا تدخل في الفلسفة، إن هذا وذاك يشيران إلى أن المصادر التي استقى منها الشهرستاني تلك الفلسفة المنحولة لـ (الحكماء السبعة) هي غير المصادر التي استقى منها آراء الصابئة الحرانيين. وإذا رجعنا إلى ابن النديم والبيروني، وقد عاشا قبل الشهرستاني (الأول بنحو قرن ونصف والثاني بنحو قرن) فإننا سنجد لديهما ما يزكي هذا الفصل الذي اقامه الشهرستاني بين آراء الصابئة وحكمة (الحكماء السبعة)، فالحديث عندهما عن الصابئة ومعتقداتهم يَرِدُ منفصلاً عن الفلسفة والفلاسفة، مما يؤكد فعلاً أن الأمر يتعلق بمصدرين مختلفين. هناك جانبان آخران يلفتان النظر في العرض الذي قدمه الشهرستاني عن الفلسفة والفلاسفة ويتصلان بموضوعنا. الجانب الأول يتمثل في إشارته إلى أن فلاسفة الإسلام قد أغفلوا ذكر (الحكماء السبعة) و أهملوا ذكر مقالاتهم مما يدل على وعيه التام بأن فلسفة هؤلاء الحكماء تختلف عن فلسفة فلاسفة الإسلام الرسميين (الكندي، الفارابي، ابن سينا) الذين يقول عنهم إنهم (قد سلكوا كلهم طريقة أرسطوطاليس في جميع ما ذهب اليه وانفرد به، سوى كلمات يسيرة ربما رأوا فيها رأي أفلاطون والمتقدمين)، أما الجانب الثاني الذي يلفت الانتباه في عرض الشهرستاني فهو تصنيفه لأفلوطين (باسم الشيخ اليوناني) ضمن الفلاسفة المتأخرين الذين يضع على رأسهم أرسطو والذين يضعهم جميعاً في الطرف المقابل لفلسفة القدماء(فلسفة الحكماء السبعة) والواقع أن أفلوطين (205م - 270م) غائب تماماً عن الفضاء الفلسفي في الإسلام .
هناك إذن مصادر لم تصل الينا استقى منها الشهرستاني ما عرضه من الآراء الفلسفية المنسوبة إلى "الحكماء السبعة"، وفي وضعية كهذه لا يبقى أمامنا إلا طريق واحد للبحث عن أصولها وفصولها، وهو مقارنتها بما يمكن أن يكون مصدراً لها، قريباً أو بعيداً. إن الارتباط الممكن إقامته في هذه الحالة هو الارتباط البنيوي بين الأفكار وليس رد هذه الأفكار إلى أشخاص تربطهم علاقة التلمذة بمعنى أننا لا نستطيع أن ننسبها لشخص أو أشخاص معينين، ولكننا نستطيع ربطها بهذا الفيلسوف أو ذاك، بهذا الاتجاه أو ذاك، على أساس القرابة البنيوية بين المذاهب. وإذا كنا نلح كل هذا الالحاح على تحديد مصدر تلك الفلسفة المنحولة فلأنها لقيت رواجاً كبيراً في الثقافة العربية الإسلامية وبكيفية خاصة لدى الاتجاهات الباطنية من اسماعيلية ومتصوفة. وبعبارة أخرى إن الأمر يتعلق أساساً بالبحث عن أحد المصادر الرئيسية للا معقول العقلي في الفكر العربي الإسلامي، المصدر الذي شكل مع الهرمسية تياراً قوياً في هذا الفكر منذ بداية عصر التدوين واستمر يحتل مواقع رئيسية داخله إلى أن اكتسح ساحته كلها تقريباً في عصر الانحطاط. إنه تاريخ ما يهمله تاريخ الفلاسفة في الإسلام وما يسكت عنه تاريخ الفلسفة الرسمي الأوروبأوي النزعة الذي يؤرخ لـ العقل الأوروبي وحده، تاريخ اللا معقول العقلي في الثقافة العربية الإسلامية.
هنالك أبحاثاً حديثة نسبياً تنتمي رسمياً، في الثقافة الأوروبية، إلى تاريخ الأديان، تسعفنا بعض الشيء فيما نحن بصدد البحث عنه، فضلاً عن أنها تلقي أضواء كاشفة على الحياة الفكرية في مركزين هامين من المراكز التي تشكلت فيها بعض طبقات الموروث القديم، وبالخصوص منها طبقات اللا معقول العقلي، فهي تقدم لنا من جهة دراسة علمية وافية عن الهرمسية وتاريخ تشكلها ومضمونها الديني والفلسفي و العلمي، كما تضع أمامنا من جهة أخرى صورة واضحة عن الأفلاطونية المحدثة في صيغتها المشرقية التي نقرأ فيها بوضوح العناصر الأساسية للفلسفة المنحولة لـ (الحكماء السبعة). و لعل أحدث وأوفى دراسة عن الهرمسية، هي تلك التي قام بها الباحث الفرنسي فيستوجيير الذي حقق النصوص الهرمسية وترجمها إلى الفرنسية. يستعرض فيستوجيير العوامل الإجتماعية والتاريخية التي أدت أو ساعدت على تفكك العقلانية اليونانية وانحلالها مع القرن الأول للميلاد، وفي مقدمة تلك العوامل التمزق الإجتماعي والنفسي الذي تسببت فيه الحروب المتوالية منذ فتوحات الإسكندر في القرن الرابع قبل الميلاد إلى ما بعد قيام الامبراطورية الرومانية في القرن الأول قبل الميلاد. ومع إبرازه لهذه العوامل التاريخية الإجتماعية فإنه يؤكد بكيفية خاصة على التمزق الذي أصاب العقلانية اليونانية بعد أرسطو مباشرة حيث تعددت المدارس الفلسفية المتناحرة، وظهر الشكاك وانتشرت أطروحاتهم مما جعل العقل اليوناني يبدو وكأنه يلتهم نفسه. ويعزو فيستوجيير هذا الإنفجار الداخلي للعقلانية اليونانية إلى اعتمادها على المنشآت الفكرية الاستنباطية دون اللجوء إلى التجربة، بل الاحتكام اليها. لقد أطلق العقل اليوناني العنان لنفسه محتقراً التجربة مستنقصاً من المعرفة الحسية معتمداً كل الاعتماد على ديالكتيكه الداخلي فكان من الحتم أن تكون تلك القوة الديالكتيكية، التي كانت تتميز عند الاغريق بكيفية خاصة بالمرونة والدقة والنفاذ، والتي تولت التشييد، كان من الحتم أن تكون هي نفسها التي تتولى تقويض البناء الذي شيدته. ويضيف فيستوجيير قائلاً: (هكذا قامت العقلانية الاغريقية، بعدما قوضت نفسها بنفسها، برد فعل مشؤوم ووجهت الناس إلى اللا معقول، إلى شيء ما يقع، فوق العقل أو تحته أو خارجه على الأقل، يقع على مستوى الحدس الصوفي أو على مستوى الإشراق وأسراره أو على مستوى السحر وعجائبه، وأحياناً اتجه الناس إلى هذه المستويات جميعاً. لقد تعب الناس من تلك الحجج التي لم تكن تصلح إلا في إظهار العقل بمظهر المتناقض المتهافت). وفي انتظار الحصول على مصدر للمعرفة مباشر ويقيني أي في انتظار الكشف، كان لابد من العيش، لابد من إعطاء معنى للحياة، وبالتالي فإن ما كان الناس في حاجة اليه هو تعليمات تصدر إليهم، هو سلطة تطلب منهم الخضوع لها، هو الإيمان والتسليم. لم يعودوا يرغبون في البراهين فلقد كانوا يريدون ان يؤمنوا لقد كانوا يبحثون عن الوحي والإلهام النبوي. ذلك لأنه لما كان الله هو وحده الذي يُحسن الكلام عن نفسه فإنه من الضروري توجيه السؤال إليه. ولا فرق بين أن يجيبك شخصياً بواسطة أحد العرافين أو يكلمك خلال رؤيا ينعم بها عليك، وبين أن تصدق برسله الذين كانوا على اتصال به في ماض سحيق والذين سجلوا في كتب مقدسة ما أخذوه منه، ومن هنا اتجهت الأنظار إلى بلاد الشرق ،
تتجلى هذه الميول اللا عقلانية، أولا وقبل كل شيء، وفي مجال الفلسفة بالذات، في الإقبال على بعث الفيثاغورية وتجديدها. ويقرر فيستوجيير (إن الإيمان بفيثاغورس كان يزداد بمقدار ما كان يتناقص سلطان العقل). ويفسر ذلك بأن ما كان يشكل قوة الفيثاغورية الجديدة هو أنها لم تكن فلسفة، أي منظومة من الأفكار المتكاملة المتناسقة حول الله والعالم والإنسان، فهي لم تكن تعتمد البرهان، وإنما كانت عبارة عن نظام كهنوتي يكرس الانقياد الأعمى لما يقوله كائن يأتيه الوحي والإلهام، لا يهتم بإقناع الناس، بل يريد أن يسلموا له تسليماً. لقد كان على كل نقاش أن يتوقف بمجرد ما يرتفع صوت يفوه بتلك الكلمة التي كان لها فصل الخطاب، كلمة: (نطق المعلم فقال). أما هذا المعلم فهو إما إله أو نبي أو ولي، وعلى كل حال فآيته الإتيان بالخوارق والكرامات، وبالتالي امتلاك للحقيقة.
لقد كانت الفيثاغورية الجديدة في جوهرها قراءة لأفلاطون بواسطة فيثاغورس، الشيء الذي يعني (تتويجه بتاج النبوة). العودة إلى فيثاغورس وإلى من هم أقدم منه من الفلاسفة وأصحاب النبوة وأهل الحكمة العتيقة، ذلك هو الإتجاه الذي ساد القرن الثاني والثالث للميلاد في الامبراطورية الرومانية وبكيفية خاصة في جزئها الشرقي مصر - سوريا. والنتيجة هي ذلك التيار الفلسفي الديني الذي يحمل امشاجاً من آراء فلاسفة ما قبل سقراط معروضة عرضاً افلاطونياً دينياً على الشكل الذي رأيناه عند الشهرستاني في حديثه عن الفلاسفة الأوائل (اساطين الحكمة) أو (الحكماء السبعة). ففكرة الإله المتعالي والقول بالعنصر الأول ثم بالعقل الذي فيه صورة العالم، ثم بالأصل الالهي للنفس وبالتطهير... كل تلك عناصر مشتركة اساسية نجدها منسوبة إلى الحكماء السبعة كلاً أو بعضاً وبالخصوص منهم إلى انبادوقليس، وهي نفس العناصر التي تأسس عليها أساس الفلسفة الالهية وعرفانه المشرقي. عندما مات الاسكندر سنة 323 قبل الميلاد (أي قبل وفاة استاذه أرسطو بسنة واحدة) اقتسم قواده امبراطوريته الشاسعة: فكانت بلاد اليونان ومقدونياً في يد القائد انتيجونس وعاصمته اثينا وكانت البلاد الاسيوية في يد القائد سلوقوس مؤسس دولة السلوقيين وعاصمته انطاكية، اما مصر فقد كانت من نصيب بطليموس واسرته وعاصمتها الاسكندرية. وكما توزعت السلطة بين هذه العواصم الثلاثة فقد توزع الفكر اليوناني، علماً وفلسفة، بينها ايضاً. غير ان نصيب الاسكندرية كان أكبر واغنى. فما الهرمسية، ما حقيقتها وما نوع الفلسفة والعلوم التي كانت تنشرها وما طبيعة النظام المعرفي الذي يؤسسها؟ الهرمسية نسبة إلى هرمس (المثلث بالحكمة) كما هو شائع في المؤلفات العربية أو (المثلث بالنبوة والحكمة والملك) كما ورد في كتاب المبشر بن فاتك. وهرمس في الاصل اسم لاحد آلهة اليونان المرموقين عندهم. وقد طابقوا بينه وبين إله مصري قديم هو الاله (طوط)، كما طابق بعض اليهود بين (هرمس طوط) هذا وبين النبي موسى. أما في الميثولوجيا المصرية القديمة فقد ظهر (طوطا) كاسم لكاتب الإله أوزيرس اله الدلتا المسؤول عن الموتى والمصير البشري. ومن وظيفة طوط كـ كاتب نسب إليه اختراع الكتابة، وبالتالي جميع الفنون والعلوم التي تعتمد الكتابة وتمارس في المعابد كالسحر والطب والتنجيم والعرافة. ثم ارتقى الاله طوط درجة في سلم الالوهية داخل الأساطير المصرية فنسب إليه خلق العالم بصوته لانه كان مطلعاً على قوة تأثير الصوت والكلمة. وتقول الأساطير المصرية ان صوته يتكثف بنفسه فيصير مادة، ومن هنا كانت قوة طوط كامنة في صوته، أي في "النفخ" الصادر عنه، ومن هذا النفخ يخلق كل شيء، فهو إذن الإله الخالق والمعلم. هذا في الاساطير المصرية القديمة، أما في الأساطير اليونانية فلقد كان هرمس محترماً عندهم إذ كان ابنا للإله الأكبر زوس وقد نسبوا اليه هم أيضاً اختراع الكتابة والموسيقى والتنجيم والأوزان والمقادير. أما في الأدبيات العربية الهرمسية فقد كان هرمس يقدم على انه النبي ادريس المذكور في القرآن وانه أول من علم الكتابة والصنعة والطب والتنجيم والسحر. أما الهرمسية كعلوم وفلسفة دينية فترجع إلى مجموعة من الكتب والرسائل تنسب إلى هرمس المثلث بالحكمة الناطق باسم الاله وأحياناً يقدم على أنه هو نفسه إله، ولذلك كانت تعتبر تلك المؤلفات وحياً إلهياً. غير ان البحث العلمي الحديث (دراسة فيستوجيير خاصة) اثبتت بما لا يقبل لاشك ان تلك المؤلفات ترجع في جملتها إلى القرنين الثاني والثالث للميلاد، وأنها كتبت في الاسكندرية من طرف اساتذة يونانيين، أو من طرف اساتذة قبطيين يعرفون اليونانية، وانها مستمدة في جانبها الفلسفي الديني من الفيثاغورية الجديدة والافلاطونية المحدثة وفي جانبها العلمي (التنجيم خاصة) مما انتقل إلى مصر من العلوم الكلدانية عندما كانت تحت السيطرة الفارسية. أما الكيمياء الهرمسية فهي مزيج من الكيمياء النظرية اليونانية وفن صناعة الذهب المصرية. هذا بالإضافة إلى تأثرها بالزراديشتية والعلوم السحرية المجوسية التي كانت منتشرة في مصر، إذ يقدر بعض المؤلفين حجم الأدبيات الزراديشتية في مصر عام 200 ق.م بنحو مليوني سطر.
تقدم لنا الهرمسية نظرية كونية بسيطة: (ففي قمة الكون وفوق سماء النجوم الثابتة يقيم إله متعال، لا يقبل الوصف، منزه لا تدركه العقول ولا الابصار، مالك العالم. وازاءه توجد المادة غير المتعينة، وهي مبدأ الفوضى والشر وميدان النجاسة والقذارة. أما العالم السمأوي وكل ما يشتمل عليه وكذلك الإنسان فقد تولى صنعه الاله الصانع القابل للمعرفة والادراك، وذلك بتكليف من الاله المتعالي . هذا من جهة ومن جهة أخرى فان عالم ما تحت فلك القمر خاضع كله لتأثير الكواكب السبعة وافلاك البروج. ومن هنا توزع البشر إلى سبعة اصناف يخضع كل صنف منها لخصائص برج من البروج الفلكية السبعة. والإنسان مؤلف من جسم مادي، أي غير طاهر، يسكنه الشر ويلابسه الموت، ومن نفس تشتمل على جزء شريف ينحدر من العقل الكلي. هذه النفس الشريفة _بل هذا الجزء الشريف من النفس - يعيش في صراع دائم مع الرغبات والاهواء التي سببها وجود الجسم. ولجعل حد لهذا الصراع جاء الإله هرمس، الوسيط بين الإله المتعالي والإنسان بتوسط العقل الكلي ليعلن الخلاص ويبين طريق النجاة. غير ان أقلية من الحكماء والاصفياء هي وحدها التي تستطيع ان تتحمل اشراقة العقل (الكلي) الهادي إلى طريق المعرفة الحق، طريق اندماج النفس في الله ، (الفناء باصطلاح متصوفة الإسلام). وهؤلاء الحكماء الحقيقيون، المطهرون المقدسون المجتنبون لكل نقص، هم وحدهم الذين يتحررون من المادة ويفلتون من قبضة القدر (الضرورة) فتصعد نفوسهم الناجية إلى السماء بينما تندمج أجسامهم، بعد الموت، مع جسم كوكب من الكواكب. وقد ترتقي النفس في معراجها إلى السماء الثامنة (السماء العليا) محفوفة بجوقة من الملائكة حراس الاجواء العليا. ذلك هو مصير الحكماء، أما النفوس غير المطهرة فان الزوابع الجوية تلقي بها في سحيق جهنم، وتشاهد النفس في معراجها هذا كائنات روحية عديدة، ملاك الحياة، ملاك المادة، ملاك الفرح، ملاك الراحة، ملاك الخوف، الإله المنزه من الرغبات الذي ذكره افلاطون في محأورة فادن وطيماوس والإله الأرفي (نسبة إلى النحلة الارفية) كما تشاهد البرزخ الذي يقول عنه الرواقيون والمنجمون انه يفصل العالم السماوي عن العالم الارضي.
واضح من هذا الملخص، الذي نقرأ فيه، رغم تركيزه كثيراً من الأفكار التي راجت فيما بعد في الثقافة العربية الإسلامية، وفي أوساط المتصوفة والتيارات الباطنية خاصة، ان المسائل الرئيسية التي تعالجها الفلسفة الدينية الهرمسية تدور حول قضية الالوهية ونشوء العالم، وقضية النفس وخلاصها، وقضية وحدة الكون وتبادل التأثير بين اجزائه. هذا باختصار عن مسألة الالوهية في الأدبيات الهرمسية. أما عن قضية النفس، اصلها وطبيعتها ومصيرها فهي مسألة يعني بها بكيفية خاصة التيار المتشائم الذي يتبنى نظرية الإله المتعالي. ان اصحاب هذا الاتجاه اذ يقيمون فاصلاً لا نهائياً بين الله والعالم واذ يؤكدون بالتالي ان الله لا تدركه العقول ولا الابصار، يؤكدون من جهة أخرى ان الطريق إلى معرفة الله هي النفس لأنها جزء من الإله. انها تستطيع معرفته حق المعرفة عندما تتمكن من الاتصال به والعودة اليه. أما العقل فهو في نظرهم انما يستمد مدركاته من الاجسام وما في حكم الاجسام، والاجسام لا يمكن ان تؤدي باية صورة من الصور إلى معرفة الله.
هذا الطريق، طريق معرفة الله بالنفس لا بالعقل، يقول به جميع الغنوصيين (العرفانيين). غير ان ما يميز غنوصية الهرمسية هو تأكيدها على الاصل السماوي - الإلهي للنفس. والنصوص الهرمسية تشرح ذلك من وجهين أما القول بأن النفس هي من أصل الهي لكونها (بنت الله) حسب حرفية بعض النصوص، واما القول بأنها عبارة عن مزيج، من عناصره (شي من الله نفسه). وتؤكد نصوص هرمسية أخرى ان الله لم يخلق من الانسان الا ذلك الجزء الذي هو من طبيعة الهية، أي النفس، والذي يحمل في ذاته صورة الله في الانسان، وهذا هو المعنى الذي تعطيه هذه النصوص للعبارة الرائجة يومئذ والقائلة: (خلق الله الإنسان على صورته) أي على صورة الله. النفوس البشرية كائنات إلهية، كانت تعيش في الأصل في العالم الإلهي، ثم ارتكبت ذنباً فكان عقابها هبوطها إلى الابدان سجنها. فكيف يمكن تخليص النفس والنجاة بها من الضياع في المادة وما يتبع ذلك من سوء المصير، ليس هناك شيء يُخلَّصُ النفس البشرية في نظر الأدبيات الهرمسية غير (المعرفة). ولكن أية معرفة؟ انها تلك التي يرشد إليها هرمس الذي جاء يعلن الخلاص. وهذه المعرفة لا تعني العلم، أي اكتساب معارف، بل بذل مجهود متواصل قصد التطهير والتخلص من المادة والاندماج من جديد في العالم الإلهي، لا بل الفناء في الله. انه التصوف الهرمسي الذي نقرأ ملامحه واضحة في التصوف الإسلامي. والواقع أن التصوف الهرمسي بنوعيه الانتشاري (الاتحاد، الفناء) والانكفائي (الحلول) ليس سوى مظهر من مظاهر هذه النظرة الواحدية إلى الكون ونتيجة من نتائجها. ذلك أن القول بالأصل الالهي للنفس وهبوطها إلى البدن عقاباً لها، ثم القول بإمكانية عودتها إلى أصلها للاندماج في الله معناه القول بوجود قوة روحانية في العالم تسري فيه سريان النفس في الجسد. وإذا كانت هذه النظرة قد سادت العالم القديم كله بما في ذلك الفكر اليوناني في أوج عقلانيته، فإن الفرق كبير جداً بين التوظيف العلمي الفلسفي لهذه الفكرة من طرف العقلانية اليونانية وبين التوظيف اللا عقلاني . السحري لنفس الفكرة.
وحدة الكون، الترابط بين أجزائه، تبادل التأثير بينها بالتجاذب والتنافر.. تلك هي الأسس التي يقوم عليها التصور الهرمسي للكون والذي يؤسس في ذات الوقت العلوم "السرية" الهرمسية من كيمياء وتنجيم وسحر.دمج العلم في الدين والدين في العلم علامة من العلامات البارزة التي يكشف فيها (العقل المستقيل) عن نفسه وهويته. إنه يطلب أن يعقل عن الله حتى تلك الأمور التي تركها الله للانسان كي يعقلها مباشرة عن الطبيعة فيسخرها لمصلحته أو يتخذ منها دليلاً وهادياً إلى إثبات وجود الله نفسه، هذا فضلاً عن تلك الأشياء التي قال فيها نبي الإسلام: (أنتم أدرى بشؤون دنياكم). فلنتبع آثار ومواقع هذا (العقل المستقيل) في الثقافة العربية الإسلامية التي استشرى خطره فيها رغم الحديث المذكور، بل رغم كل ثقل المعقول الديني البياني العربي .

____________________________________________________

مصدر سابق ص 162 و ما بعدها.
علي حرب، الحقيقة و النص، نقد النص، المركز الثقافي العربي، 1995، ص 117.
مصدر سابق، ص 166
مصدر سابق ص 172.
مصدر سابق ص 170.
مصدر سابق، ص 179.
مصدر سابق ص 217.
مصدر سابق، ص 221.
مصدر سابق، ص240.
مصدر سابق، ص 243.
صورة العضو الشخصية
Mohammed Elhaj
 
مشاركات: 11
اشترك في: الأحد نوفمبر 26, 2006 12:17 pm
الجنس: غير محدد

رقم المشاركة:#11  مشاركةبواسطة abu yasaar » الأربعاء ديسمبر 06, 2006 4:15 pm

عن مرقص ابو يسار الرجاء مدي بمعلومات حول الكتاب او ان امكن و سيكون ذلك رائعاً ان وجدت نسخة للتحميل!


تحياتي

في الاسبوع القادم سأكون على سفر ولكن بعد عودتي, أعدك بأن أقوم بنقل ماكتبه الجابري بهذا الخصوص, على ملف ورد مثلا أو هنا في شريط في ساحة القراءات .

الغموض يأتي لعدة أسباب لعل أهمها كون أن كتاب نقد العقلانية العربية كان عبارة عن مسودة , حيث أن الياس توفي قبل أن ينجزه, وقام بعدها أصدقائه وحسب ما سمعت ميشيل كيلو بالتعاون مع دار الحصاد بتنسيق الكتاب. وهذا ما سبب عدة مشاكل حيث انه مثلا في أحد الفقرات في الكتاب يبدأ الياس بنقد سمير أمين ويقول سمير أمين قال لي كذا وقلت له كذا وكذا..... ولكن بعد فترة نشر سمير أمين مقالا يقول فيه أنه لم يحضر تلك الندوة من أساسها !!!! وكذلك كون الفقرة السابقة هي مقتطفات مما كتبه. عدا عن أسلوب الياس نفسه !!!

بانتظار مداخلاتك القادمة التي أستمتع كثيرا بمتابعتها :f0:
صورة العضو الشخصية
abu yasaar
مشترك بلاتيني
 
مشاركات: 748
اشترك في: الخميس فبراير 24, 2005 3:50 am
مكان: SPAIN
الجنس: غير محدد

رقم المشاركة:#12  مشاركةبواسطة Mohammed Elhaj » السبت ديسمبر 09, 2006 5:30 am

إذا في انتظار عودتك ابويسار

نواصل،
صورة العضو الشخصية
Mohammed Elhaj
 
مشاركات: 11
اشترك في: الأحد نوفمبر 26, 2006 12:17 pm
الجنس: غير محدد

رقم المشاركة:#13  مشاركةبواسطة Mohammed Elhaj » السبت ديسمبر 09, 2006 6:12 am

المبحث الثاني
العقل المستقيل في الثقافة العربية
الكثير من الأصول و التي عُرضت في الفصل السابق عن الهرمسية و الصيغة المشرقية للافلاطونية المحدثة انتقلت و اندمجت في في التقافة العربية الإسلامية مشكلة اللامعقول العقلي – العقل المستقيل أي مظاهره و مواقعه فيها، إن التداخل بين التيارات الفكرية في العصر الهيلينستي واقعة أساسية إذ لا يمكن الفصل بين ما ينتمي إلى الإفلاطونية و ما ينتمي للهرمسية أو الفيثاغورية الجديدة أو الرواقية الجديدة أو المانوية و بين الغنوصية بمختلف تياراتها، و النتيجة أن فكرة معينة قد تنتمي في أصلها لتيار معين يمكن أن تكون قد انتقلت إلى الثقافة العربية الإسلامية عبر تيار آخر. و بالتالي فالجابري يتجه نحو تحديد نوعية النظام المعرفي الذي يوسس الموروث القديم الذي انتقل للثقافة العربية الإسلامية ثم حضور هذا النظام الموروث في الثقافة العربية الإسلامية، إن الانطلاق من عصر التدوين في دراسة العقل العربي في ارتباطه باصول الثقافة العربية يوفر امكانية الحفر في دوائر عديدة دون أن يجعل لاي منها سلطة على الأخرى بصورة مسبقة، و يدفع للتمييز بين شكلين من الحضور للموروث القديم في الثقافة العربية الإسلامية الحضور على المستوى العالِم الذي يعاد إنتاجه بوسائل العلماء و يعتمد الخطاب المنظم المكتوب و المستوى العامي الذي يعاد انتاجه بوسائل غير علمية، هذا التمييز بدأ بعصر التدوين لأنه العصر الذي بدأ فيه التعامل مع الموروث القديم على المستوى العالِم، و يمكن إلتماس المدلول الحقيقي لذلك التمييز الذي أقامته اتجاهات عديدة في الإسلام (شيعة و متصوفة و اتجاهات اشراقية) إنطلاقاً من عصر التدوين بين الظاهر و الباطن في الخطاب القرآني و قد اعتمدوا الربط بين الظاهر و القول العامي من جهة و الباطن و الفهم العالِم من جهة اخرى و بما أن العلم عندهم كان يستمد من الموروث القديم فقد جعلوا الفلسفات الدينية القديمة المضمون الحقيقي الباطن للنص القرآني. إن قانون التراكم الكمي و التحول الكيفي و غيره من المفاهيم المعاصرة لا يستطيع إقامة رابطة سببية بين حالة الفكر العربي قبل عصر التدوين و حالته بعده بحيث يمكن القول ان هنالك تطوراً داخلياً على صعيد الفكر و انه حقق قفزة نوعية. ان التاريخ الثقافي لعرب الجاهلية مصنوع من شظايا مبعثرة اعيد جبرها اثناء عصر التدوين في مقابل التاريخ الثقافي للمراكز الثقافية و العلمية في مصر و سوريا و فلسطين و العراق و فارس أي تاريخ الموروث القديم و الذي يفسر المستوى العامي من الثقافة قبل التدوين و يدخل كعنصر رئيسي في الثقافة العربية كما تمت إعادة بنائها انطلاقاً من عصر التدوين.
اعتبر الموروث القديم علوماً دخيلة في عصر التدوين بمعني أنه دخل الدائرة البيانية و ضايقها و قدم على أنه الثقافة العالمة لما تحمله تلك الدائرة من صور بيانية فنية لغوية فالجابري يرى أن مهمته النظر بروح نقدية لكل مكونات التراث و بالتالي ادماج التاريخ التاريخ الثقافي للمراكز الحضارية و العلمية التي كانت تقع داخل الوطن العربي قبل الإسلام بدلا من البقاء ضمن الاستلاب داخل العصر الجاهلي، من أجل وصل التاريخ الثقافي القومي بالتاريخ الثقافي العالمي و من أجل تبيان مكونات الثقافة العربية الإسلامية و فحصها و نقدها وصولا لاعادة بناء الذات العربية بالكشف عن اصولها و بيان طبيعتها و الظروف التي انتجتها سواء قبل الإسلام أو بعده.
القول بإله واحد لا يعبر عنه بوصف و لا يدرك بالعقل انما يتوصل اليه بالزهد و التطهير و مواصله الدعاء، و بترابط العالم السفلي و العالم العلوي و عدم اقامة فواصل بين الأرض و السماء و تفسير ذلك باتصال آفاق الكائنات ، و القول بسلاسل الأسباب غير منتظمة التي يغلب فيها الشذوذ على الإضطراد و تخضع لتقلبات التجربة و ليس للضرورة العقلية، بالإضافة للقول بالأصل الإلهي للنفس و ما يتصل بذلك من نزعة صوفية، و عدم الفصل بين ما هو ديني و ما هو علمي هذه المعطيات تتصل بصورة واضحة بالفلسفة الهرمسية و تشكل نقاطاً للاتصال بين الثقافة العربية الإسلامية و بين الهرمسية. التي ساعدها على الانتشار القول بانتسابها للنبي ادريس لكن الهرمسية التي تشكل اقوى التيارات في الموروث القديم احتلت مواقع اساسية في جل المناطق التي أسلم أهلها فقد انتقلت – الهرمسية – إلى الثقافة العربية الإسلامية ضمن ذلك المركب الجيولوجي من الآراء و الملل و النحل الذي يحدث عنه الجابري كموروث قديم. و قد تمت محاربتها من قبل المتمسكون بالمعقول الديني البياني العربي – السنة بشكل رئيسي – كونها تشكل الخلفية النظرية لآراء الشيعة و الفرق الباطنية الخصوم التاريخيين لأهل السنة .
تعود أولي الاهتمامات بالعلوم القديمة لخالد بين يزيد بن معأوية فقد أمر العلماء في الاسكندرية – موطن الهرمسية – بنقل الكتب في (الصنعة) من اليونانية و القبطية للإسلام و بالتالي فان أول ما نقل كان من العلوم الهرمسية السرية السحرية و من مركز الهرمسية – الاسكندرية – و الطريق الذي سلكته هذه العلوم عبر الترجمة إلى الثقافة العربية الإسلامية فقد نقل بواسطة (اسطفن الراهب، اسطفن القديم) الذي نقل ليزيد بن معأوية كتب الصنعة و غيرها و قد اتصل به جابر بن حيان و الرازي الذي تعلم علي يد هذا الأخير.، إذا فقد انتقل العقل المستقيل إلى الثقافة العربية من عناصر الموروث القديم عبر الكيمياء و التنجيم و يظهر ذلك في كثير من اقوال و رسائل جابر ابن حيان كما تظهر في رؤيته و تعريفه للنفس كما تظهر في تصنيفه للعلوم (علوم الدين و علوم الدنيا و تصنيفاتهما الفرعية)، و رأيه في قضية القدم و الحدوث التي تكشف عن رؤية هرمسية –عقل مستقيل. كما نجد هذه النزعة –الهرمسية أو العقل المستقيل – عند ابوبكر بن زكريا الرازي أكبر طبيب في الإسلام فالرازي في وجه كان هرمسياً روحانياً غنوصياً و كانت السلطة المرجعية لتفكيره هي الركام الفلسفي (للحكماء السبعة) خليط الافلاطونية المحدثة في صيغتها المشرقية و الفيثاغورية الجديدة.
غير أن الطابع الهرمسي الذي حمل العقل المستقيل للثقافة الإسلامية لم يكن مقتصراً علي كيمياء ابن حيان و الرازي و فلسفتهما بل ان العلم الثاني الذي انتقل إلى العرب من الموروث القديم كان علم التنجيم الذي هو بالأصالة من علوم العقل المستقيل، نقله ايضا خالد بن يزيد بن معأوية و زاد الاهتمام به في عهد العباسيين – الخليفة المنصور – الذي قرب المنجمين و كان لا يعمل في شان من شئونه قبل مشأورتهم. هنالك ايضاً علم الفلاحة النبطية الذي يعرضه في كتاب بنفس الإسم أبوطالب أحمد بن حسين الزيات الشيعي و هو كتاب هرمسي تماماً فهو يدرس النبات من أجل وظائفه السحرية -الطبية- صادراً من التصور الهرمسي الذي ينبني على تبادل التأثيرات بين النجوم و الكائنات الأرضية. يرى جورج طرابيشي في استعراضه لكتاب (الفلاحة النبطية(، لمؤلفه المزعوم ابن وحشية، والذي صوره الجابري على أنه كتاب تنجيم لا يستحق التفنيد كما رأينا يرى طرابيشي أن الجابري تكهن هو و مرجعه في الحكم على الكتاب بأنه منتج شعوذة وتنجيم وسحر، وبأنه كتاب هرمسي صرف. ويحاول الاستدلال عبر تحليل التاريخي إلى استنطاق الأوراق الاستشراقية لأصل الكتاب، خصوصا الفرنسية منها، وكذلك سير التاريخ لابن النديم حول ابن وحشية أو رفيقه الزيات. الكلدانيون هم من سطروا الكتاب و نقله إلى العربية ابن وحشية، واتم الزيات النسخ بعد وفاة ابن وحشية. ويستطرد في محاولة خلق قراءة اركيولوجية للكتاب، في محاولة جادة لتحديد الإطار التاريخي للكتاب. يستنكر طرابيشي على الجابري توصيفه لكتاب مهم يهتم بالزراعة والحرث وعلم الأشجار والأوراق، بأنه كتاب لاعقل (هرمسي) يهتم بالتنجيم أو الفلاحة التنجيمية كما يذهب فستوجيير. ويرى أن الفلاحة النبطية هو (بمثابة تراكم معرفي حقيقي، يعطيه حجما موسوعيا)، ويقدم قراءة معمقة للكتاب سابرا أغواره في بنيته الأبدبيولوجية، واصفا أياه بأنه كتاب ايديولوجي في بيئة زراعية، إذ ان الشخصيات الواردة فيه على لسان "قوثامي" من الأنبياء أو أشباه الأنبياء من الشخصيات الكاريزمية، يلعبون في بيئة اجتماعية زراعية منجزة العمران. كما يسبر فيه معرفيا، ليجد فيه من أغوار الفلسفة الكثير من المعارف الحية. يحاول الكاتب تفنيد ما ذهب له الجابري من هرمسية الكتاب عبر استنطاق البنية المعرفية للكتاب، لذلك فهو يحاول تحليل نصوص (قوثامي) (المؤلف الحقيقي للكتاب على حد الاطمئنان). عبر محأور النبوة والوحي، والسحر والطلسمات (الذي هاجمه مؤلف الكتاب الهرمسي)، والتنجيم .
أيضا حضرت الهرمسية في اطروحات المتكلمين الأوائل خاصة الغلاة و الروافض و الجهمية فالدلائل تشير إلى أن الكوفة كانت مركزاً للهرمسية قبل عصر التدوين و هذه الفرق كانت الكوفة مقراً لاغبها. و عليه فليس من الغريب ان تكون الشيعة أول من تهرمس في الإسلام و أن يكون الإسلام قد عرف الهرمسية قبل أن يعرف أرسطو وما ورائياته. فتظهر الهرمسية في كتب و مقالات هذه الفرق (الله على صورة انسان) و أنه -بيان بن سمعان الذي تنتسب إليه الفرقة البيانية- يدعو الزهرة –الكوكب- فتجيبه و أنه يفعل ذلك ذلك بالإسم الأعظم، فالفلسفة الهرمسية كما رأينا في المبحث السابق ترى أن الله خلق الإنسان على صورته و بالتالي فالله و الإنسان على صورة واحدة، و القول بالاسم الإعظم قول هرمسي. كذلك أقوال المغيرة البجلي (أو العجلي) الذي أنه نبي و أنه يعلم اسم الله الأكبر و ان الله رجل من نور على رأسه تاج و واضح الأثر الهرمسي على هذه الآراء. كما أن كل الشيعة باستثناء الزيدية يقولون بانكار امكانية التوصل إلى معرفة الله عن طريق النظر و القياس لأنهم يرون أن المعارف كلها اضطرار و أن الخلق جميعاً مضطرون و أن النظر و القياس لا يؤديان إلى علم و هذا من مقتضيا التوحيد الهرمسي. كما وظف الجهمية - نسبة للجهم بن صفوان- أراء من التصور الهرمسي للإله المتعالي فهم يقولون أن (الله لا شئ و ما من شئ و لا في شئ و لا يقع عليه صفة شئ و لا معرفة شئ و لا توهم شئ)و (ان الله لا كالأشياء و لا تقع عليه صفة و لا معرفة و لا توهم و لا نور و لا سمع و لا بصر و لا سمع و لا كلام و لا تكلم) و أنكرو أن يكون الله في السماء و أنكروا الكرسي و العرش و أن يكون الله فوقه و فوق السمأوات و هذه الآراء تكاد تكون ترجمة حرفية لنصوص هرمسية عرضناها في الفصل الأول.
أما المتصوفة الأوائل فقد قالوا بالاتحاد و الحلول و بما أن الكوفة كما ذكرنا كانت مركزا هرمسياً فسيكون من السهل ربط هذا التصوف بكيمياء جابر بن حيان و باطروحات غلاة الشيعة، كما يجدر ذكر معروف الكرخي الذي نجد عنده أول تعريف للتصوف في معناه الغنوصي و ذو النون المصري الذي المعروف بانتماءه الهرمسي في مجال التصوف و الكيمياء.
إذا فالظاهر أنه بمقدار ما كان الفكر العربي يتقدم في التدوين بالترجمة و التأليف بمقدار ما كان العقل المستقيل الذي تحمله الهرمسية و الصيغة المشرقية من الإفلاطونية المحدثة تحتل مواقع أساسية و متجذرة في الثقافة العربية الإسلامية ليس فقط في أوساط الشيعة و التيارات الباطنية بل في الفكر السني نفسه منذ القرن منتصف الثالث للهجرة و ابتداءً من عصر المتوكل الخليفة العباسي نجد أن الفكر الهرمسي أخذ يعبر عن نفسه في صورة نظريات متكاملة و منظومات فكرية تعلن صراحة أو ضمناً عن انتمائها الهرمسي. يرى الجابري في أخوان الصفا و رسائلهم انها تشكل مدونة هرمسية كاملة و هي رغم اتخاذها الإسلام رداءً شفافاً فهي لا تخفي انتمائها الهرمسي اذ تحيل إلى هرمس مثلث الحكمة و أغاثاديمون و فيثاغورث علاوة على تبنيها نظرية الإله المتعالي الذي لا يعبر عنه بوصف و نظرية العقل الكلي المكلف بتدبير الكون و الحاحها على الطبيعة الإلهية للنفس البشرية و يسرد الجابري العديد من الدلائل من نصوص اخوان الصفا و هجومهم على المتكلمين كونهم يستخدمون قياس الشاهد على الغائب. و يؤكدون على تشبيه العالم بالانسان فالعالم انسان كبير لأنه جسد واحد بجميع أفلاكه. و يعرض الجابري لقول الاسماعيلي أحمد حميد الدين الكرماني حول الله فهو -الله- هوية لا يوصف و لا يعبر عنه فهو لا (موصوف) و لا (لا موصوف) و هو لا ينال بصفة من الصفات و أنه لا بجسم و لا في جسم و لا يعقل ذاته عاقل و يحس به محس و لا ضد له و لا مثل و لا يوجد في لغة من اللغات ما يمكن الاعراب عنه بما يليق. اذا فهذا هو التصور الهرمسي للاله المتعالي الذي لا يدرك بالحس و لا بالعقل و يعبر عنه الكرماني بالموجود الأول و بالمبدا الأول و الاسم الأعظم و المبدع الأول و أنه العلة الأولي في وجود ما سواه فالمجهود الذي بذله الفلاسفة الاسماعيليون كان من أجل بيان كيف أن المعرفة لا سبيل لها بالعقل و أنه لا بد من معلم هو (الإمام) و يهاجمون طرق الاستدلال من القياس الفقهي و الكلامي و القياس الأرسطي.
ينتصر طرابيشي لإخوان الصفا من هجومات الجابري، وهذا ما خصص له الفصل الرابع من كتابه العقل المستقيل الذي يساجل فيه مشروع الجابري، ويرى أن ثمة محاولة هدفها الرئيسي هو النيل من ابن سينا، عبر توجيه الطعن المباشر لإخوان الصفا، واتهامهم بالهرمسية. ويرى ان الجابري اعتمد في نقده لإخوان الصفا على الجزم بأن الهرمسية (تسمعلت من الاسماعيلية)، بمعنى اتخذت الإسماعيلية كغطاء تستتر من ورائه. وكانت الإسماعيلية هي من أصدر وأسس رسائل إخوان الصفا. ويسرد الكاتب توطئة تاريخية لإخوان الصفا، في محاولة لفك الإلتباس في الزعم بأنهم اسماعيليين، أو أنهم كما ذهب الجابري (الرد الهرمسي من الشيعة والاسماعيليين على عقلانية المأمون واتخاذه للخيار العقلاني الكوني)
ثمة مغالطة تاريخية يكشفها طرابيشي. وهي محاولة الجابري ربطه تاريخيا لرسائل إخوان الصفا ورسائل كتبها الإمام الاسماعيلي الابن احمد، والإمام الأب عبدالله. وهذه المغالطة هي نتاج عدم توافر الاقتران الزمني بين الاستراتيجية المأمونية الثقافية والاستراتيجية الإسماعيلية المضادة لها. ويشير طرابيشي إلى أن الجابري تعمد (تزوير) المضمون الايديولوجي لرسائل إخوان الصفا. وأنه استقطع من رسائلهم ما يخدم نتائجه المسبقة بتعمد، وسرد الكثير من الرسائل التي حاول أن يعطيها صبغة متباينة، عن التي زعم بها الجابري.
واستعرض حقيقة إخوان الصفا، وسبر في أسرار تسميتهم ومرجعية الرسائل، وتأليفها، ويستطرد الكاتب في شروحات مستفيضة لمضامين رسائلهم المعرفية والفلسفية، بل إنه يستغرب من الجابري وصفهم باللاعقلانية، وهم الذين رحبوا في رسائلهم بكتاب (البرهان). والذي يعتبره الجابري نفسه معيار الفصل بين العقلانية والهرمسية. ويرجع طرابيشي بحسب الرواية التوحيدية في مقابل الرواية الإسماعيلية للجابري، مجمل رسائل إخوان الصفا إلى محاولاتهم (غسل الشريعة وتطهيرها بالفلسفة)، بعد أن(دنست بالجهالات واختلطت بالضلالات). و يسوق الكثير من الشواهد على أن إخوان الصفا ليسوا من الإسماعيلية كما ذهب الجابري، ومن هذه الدلالات يذكر التسوية بين الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، والتسوية بين عثمان وعلي في المقتل، ونظرية الإمامة، وتوقير عائشة، وإدانة النواصب والروافض معا، والأهم هو نقدهم المسبعة (إحدى مقدسات الإسماعيليين). كما أن الإسماعيلية تعتمد على الوساطة الإمامية في نظرية المعرفة، بينما هي غائبة كل الغياب في نظرية المعرفة الإخوانية. ما ما يعول عليه الكاتب، فهو إقدام إخوان الصفا على التلفيق المبرر بين نظرية الفيض الوثنية، وفكرة الخلق الإسلامية، فيما يخالف مبنى الإسماعيلية التي ذهبت إلى رفض فكرة الفيض من أساسها، مراهنين على الإبداع، أي الخلق من العدم. بل إن إخوان الصفا اتجهوا إلى ما ذهب له أفلوطين في تأسيس اقنومه الرابع وهو المادة أو الهيولى، فيرمزون إلى الله" بـ "الواحد"، في دلالة عن انفكاكهم عن التصنيف الجابري الجفرافي الذي كان يحيلهم إلى الرؤية الحرانية "نظرية العقول العشرة". ويستطرد المؤلف في ختام الفصل الرابع وبنوع من التحليل، نظرية الإمامة والانفتاح المذهبي، والفروقات الظاهرة بين إخوان الصفا والإسماعيلية. يحاول طرابيشي وضع إشكال خاص، وهي هل أن المماثلة منهج عرفاني حقا؟ وهل هي منهج العقل العرفاني حصرا من حيث هو (عقل مستقيل) كما يصفه الجابري؟
يستدل الجابري بأرسطو، وبشهادة بيير دوهيم، إلى أن الفيثاغوريين، رواد العرفان في الفلسفة اليونانية يعتمدون المماثلة منهجا لهم. ويشكل طرابيشي على الجابري أن أرسطو لم ينتقد الفيثاغوريين إلا بحكم تضلعهم في علوم الرياضيات. وهذا ما اخفاه الجابري - متعمدا - كما ذهب الكاتب. ويرى أن الجابري تعمد الذهاب إلى نص دوهيم من دون نصوص أرسطو الأصلية. وإلا في الحقيقة فليس الاعتقاد المنسوب إلى الفيثاغوريين هو اعتقادهم، وليست المماثلة منهجهم التطبيقي. ويورد نص أرسطو، معتبرا أن ما أشكله أرسطو على الفيثاغوريين، ليس استخدامهم المماثلة، بل الاستدلال بالمثل. ويحاول جورج طرابيشي جاهدا في نهاية مؤلفه أن ينفي العداء الأرسطي للمماثلة (منهج العرفانيين) كما وضح الجابري. ويقوم بسرد المجاز المركب، وبعض النظريات الرياضية كعلاقة التعدي الرياضية (1=،2 2=،3 إذن 1=3) ليستنتج في النهاية أن المنهج الأرسطي لم يكن سلبيا مع المماثلة مطلقا، كما ادعى الجابري، ويستكمل بقراءة للمماثلة وعلاقتها بالمنطق الحديث، ناقدا اعتماد الجابري على معجم اللغة الفلسفية لفوكييه، والذي أوقعه في إحالة مغلوطة لنص غير موجود من كتاب م. دورول، الاستدلال بالمماثلة. ويستطرد دلالات الجابري برؤية عكسية، تحاول التدليل على أن الدراسات الحديثة تختلف في مدى اعتمادها وتصنيفها العلمي للمماثلة، وليست في موقف ثابت وهو نقض المماثلة واستبعاد علميتها.
يتعرض الجابري للتوظيف العالِم لمنظومة الفلسفة الهرمسية الدينية من قبل المتصوفة في الإسلام و يقارن بين الشطحات الصوفية لأوائل المتصوفة بالهرمسية ، فآراء الجنيد مثلاً في التوحيد و النفس و طبيعتها و مصدرها و مصيرها آراء هرمسية تماماً و تحدثوا عن التوحيد العقلي أي توحيد المتكلمين و الفلاسفة كتوحيد عوام في مقابل توحيد الخواص أن المتصوف إذا بلغ مرتبة الفناء أو الإتحاد يصير بين يدي الله شبحاً قائماً ليس بينهما ثالث. و نظريته في النفس و وحدة الشهود التي تذكر بآراء الهرمسية حول الأصل الإلهي للنفس و وجودها الشقي الانشطاري في الدنيا و ضرورة المجاهدة للعودة بها إلى عالمها الإلهي الأصلي بل و نجد صدى لنظرية نومينوس حول النفس كونها كانت موجودة قبل إتحادها بالابدان في عالم الذر و كانت في وجودها هذا على اتصال بالله. أما القائلون بالحلول و على رأسهم الحلاج (الذي قال أنا الحق وردت في كتابه الطواسين و تلخص كامل مذهبه) فنحن امام الصنف الثاني من التصوف الهرمسي (التصوف بالانكفاء) على الذات فهو يرى أن الرياضات و المجاهدات الصوفية تكشف للإنسان عن الصورة الإلهية فيه (خلق الله آدم على صورته) العبارة الهرمسية يستعرض طرابيشي إشكال الجابري في هرمسية العبارة (خلق الله آدم على صورته). إن ما اقتضاه الجابري من هرمسية التأكيد على الأصل السمأوي - الإلهي للنفس، يجرنا إلى الحكم بالتهرمس على (جميع الأفلاطونيين والأفلاطونيين المحدثين في الثقافة العربية الإسلامية، بدءا بالرازي وانتهاء بابن سينا والغزالي مرورا بالفكر التصوفي"، وحاول الجابري تغييب - الأفلاطونية - واستحضار الهرمسية، متعمدا. وهذا تزييف واضح، وحين يضطر الجابري للتمويه بإيراد عبارة عن مرجعه الملهم فستوجيير، فإنه يحذف في الواقع بعض نصه، ويقوله ما لم يقله. وكيف لفستوجيير الأب الدويمنيكاني أن يهرمس عبارة واردة في الإصحاح الأول من سفر التكوين. يصف الجابري الشيعة بأنهم "أول من تهرمس في الإسلام"، كما ذهب إلى هرمسية المتصوفة عبر نص الحلاج "أنا الحق"، أو "خلق الله آدم على صورته" وحينما يذهب الجابري إلى هرمسة هذه العبارة "خلق الله آدم على صورته"، فهو يجهل مرة أخرى بأنها آية توراتية، وحديث نبوي وارد في الصحيحين. ويرى طرابيشي ان تناول الجابري للشيعة والمتصوفة لا يخلو من لغة مؤدلجة. ويتساءل لماذا حاول الجابري تغييب تسمية الجهمية في استشهاداته التاريخية بالإشارات المنقوطة "..."، ويرجع السبب بعد مراجعة النصوص الأصلية، إلى أنها عبارة "المعتزلة". فالجهمية هم أحد طوائف المعتزلة، ويرى أنه عجز أن يمرر تهرمس المعتزلة إلى مجموع منهجه الذاهب إلى هرمسة جماع الفكر اللاهوتي والصوفي والفلسفي والعلمي في المشرق. لذلك استحضرت المعتزلة تحت اسم الجهمية. يرى الجابري أن (أهل السنة يعودون بالضمير في (صورته) للإنسان) بمعنى أن الله خلق الإنسان على الصورة التي خلقه بها أي التي اراده بها. و يستعرض الجابري ابيات من ديوان الحلاج تصرح و تؤكد حلول الله في الإنسان بالصورة الهرمسية. في المراحل اللاحقة سيتوغل المتصوفة في أعماق الهرمسية و عقيدتها الباطنية ليربطوا نظرياتهم الصوفية بالعلوم السرية الهرمسية من كيمياء و طلسمات و علم أسرار الحروف و عرض الجابري أجزاء من (كتاب الشفاء) لإين خلدون.
و يصل الجابري لنتيجة هي أن العقل المستقيل أو (النظام العرفاني) في مجال التصوف و مجال الفلسفة الإشراقية و على صعيد الأيديولوجيا لم يكن رد فعل على تزمت الفقهاء أو ضد جفاف الإتجاه العقلي عند المتكلمين فقد ظهر العقل المستقيل / العرفان الشيعي و الكشف الصوفي قبل أن تتطور تشريعات الفقهاء و نظريات المتكلمين إلى ما يستوجب قيام رد فعل من هذا القبيل، فالنظام العرفاني أخذ يفرض نفسه في ذات الوقت الذي بدا فيه تقنين الرأي في الفقه و التشريع للمشرع في الكلام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


د. مصدرسابق ص 186.
[ii] مصدر سابق، 192.

في "العقل المستقيل" لطرابيشي، مقالة منشورة على العنوان http://www.alwasatnews.com، عادل مرزوق في عرض لكتاب جورج طرابيشي (العقل المستقيل).
[iv] مصدر سابق ص 200.
[v] مصدر سابق ص 117.
[vi] في "العقل المستقيل" لطرابيشي، مقالة منشورة على العنوان http://www.alwasatnews.com، عادل مرزوق في عرض لكتاب جورج طرابيشي (العقل المستقيل).
[vii] مصدر سابق ص 256.
[viii]مصدر سابق ص 267
صورة العضو الشخصية
Mohammed Elhaj
 
مشاركات: 11
اشترك في: الأحد نوفمبر 26, 2006 12:17 pm
الجنس: غير محدد

رقم المشاركة:#14  مشاركةبواسطة Mohammed Elhaj » الأحد ديسمبر 17, 2006 4:43 am

البرهان (تنصيب العقل في الإسلام)
أول ما تعرف عليه الفكر الإسلامي من المذاهب الفلسفية اليونانية هو تلك المذاهب التي نسبت إلى (القدماء) أي الإفلاطونية المحدثة و الفيثاغورية و الفلسفة الهرمسية الدينية، و لم يتعرف الفكر الإسلامي على أرسطو إلا في مرحلة لاحقة بعد قرن من الزمان من حضور الهرمسية في صورتها العالمة. أما المنطق الأرسطي فلم يثبت حضوره في الثقافة العربية إلا في القرن الرابع الهجري أي بعد قرنين من الزمان من بداية الترجمة و التدوين .
بذل المأمون – الخليفة العباسي- مجهودا جند فيه الدولة و إمكانياتها من أجل إستجلاب الكتب القديمة و ترجمتها –كتب أرسطو بالذات- بهدف مقاومة الغنوص المانوي و العرفان الشيعي أي مصدر المعرفة اذي تدعيه و تنفرد به الحركات المعارضة للعباسيين و دشن حركة إحياء و تنوير قوامها الرجوع إلى الأصول – العقل الكوني – و بالذات لأرسطو فلسفته و علومه و منطقه و بمثل ما كان الإسلام عند ظهوره بمكة ثورة على (الهرمسية العامية) – عبادة الأصنام بوصفها وسطاء إلى الله – فإن حركة الإحياء التي دُشنت في عهد المأمون كانت ثورة على الهرمسي العالمة و المتمثلة خاصة في العرفان الشيعي القائل باستمرار النبوة في أشخاص الأئمة و من هنا الإلتقاء بين النظام المعرفي البياني العربي و النظام المعرفي البرهاني اليوناني.
الكندي كأول فيلسوف لدولة العقل التي جعلت من مهامها التصدي للعقل المستقيل الذي وُظف بواسطة المانوية و الشيعة كما ذكرنا، كان منخرطاً في الصرعات الأيديولوجية التي شهدها عصره فنشر خلاصات مطالعاته في العلوم الفلسفية المحضة أي الخالية من التوجهات الهرمسية بشكل مركز لتنقل رؤى علمية عقلانية عن الكون و الإنسان تحترم المعقول الديني العربي و تناصره في صراعه مع المانوية و الشيعة، فقد تبنى في رسائله في العلوم الطبيعية آراء أرسطو و أسس فيها نظام معرفي مناقض للنظام المعرفي العرفاني يتجه من المحسوس إلى المعقول و من المشخص إلى المجرد و يعتمد التجربة الطبيعية و الخبرة المجتمعية فواجه الكندي الإطروحات الأساسية للعقل المستقيل و هاجمه في ميدانه و عمل على تقويض دعائمه. فألف (في الرد على المنانية و الثنوية) بكيفية مباشر، و يعلن بطلان الكيمياء (كتاب التنبيه لخدع الكيميائيين)، و كتاب (في ابطال دعوي من يدعي صنعة الذهب و الفضة) و عارض نظرية الإله المتعالي و ما يرتبط بها من إبطال النبوة في كتاب (كتاب في التوحيد على سبيل أصحاب المنطق) و كتاب (في إثبات النبوة على تلك السبيل). و شملت عملية تنصيب العقل الكوني التي دشنها الكندي في الثقافة العربية الإسلامية إستعادة نظرية أرسطو في العقل مع الإبتعاد بها عن تأويلات الإفلاطونية المحدثة التي جعلت من العقل الفعال الذي قال به أرسطو عقلاً مفارقاً من جملة العقول السمأوية. و تبني الكندي التمييز الذي أقامه أرسطو بين العقل بالقوة الذي هو استعداد في النفس لقبول المعقولات و بين العقل بالفعل الذي يحصل في النفس عند قبولها بالمعقولات و يسميه الكندي (بالعقل البياني) أو العقل الظاهر، عندما يكون موضوع استعمال من طرف النفس فان العقل الفعال و الذي يسميه الكندي بالعقل الذي بالفعل أبداً و الذي هو عنده كليات الأشياء قبل حصولها في النفس فإذا حصلت فيها صارت العقل المستفاد. يتضح كما يرى الجابري أن أن عملية تنصيب العقل في الثقافة العربية الإسلامية لم تكن أمراً هيناً إذ واجهت الغنوص المانوي و العرفان الشيعي من جهة و التصدي لردود الفعل السلبية التي كانت تصدر عن أوساط المتكلمين و الفقهاء الذي كانوا قد اتخذوا موقفاً معادياً لعلوم الأوائل جملة و تفصيلاً و قد خاض الكندي المعركة في الوجهتين معاً بيد أن الطابع السجالي الذي فرضته عليه المعركة جعل خطابه العقلاني يبقى خطابا جدلياً تقريرياً و ليس برهانياً و الواقع أن النقص الذي شاب مؤلفات الكندي لم يكن بإختياره فلقد كان المتداول من المنطق في عصره خالياً من (كتاب البرهان) الذي لم يترجم للعربية إلا في عصر الفارابي، و بالتالي سيكون الفارابي مؤهلاً لتدارك هذا النقص.
إذاً فالجابري يقرر أن الفارابي جاء في ظروف تميزت بالتمزق الفكري و السياسي و الإجتماعي فجعل الفكر يتجاوز الخطاب الكلامي السجالي الجدلي و السفسطائي و الأخذ بخطاب العقل الكوني أي الخطاب البرهاني، و المجتمع ببناء العلاقات داخله على نظام جديد يحكي النظام الذي يسود الكون و يحكم أجزاءه و مراتبه. فانصرف باهتمامه للمنطق و الفلسفة السياسية، و قد عني الفارابي بالمنطق و البرهان –ما قصر فيه الكندي- فاسترجع صناعة المنطق كاملة فشرح غامضها و قرب تناولها منبها على ما أغفله الكندي و غيره من صناعة التحليل و أوضح القول في مواد المنطق و وجوه الانتفاع بهأو طرق استعمالها و كيفية تصريف صورة القياس و بالتالي استحق القابه (فيلسوف المسلمين) و (المعلم الثاني) بعد المعلم الأول أرسطو. و قد رأى الفارابي انه بواسطة المنطق يمكن وضع الحد للفوضي الماثلة في عصره و عليه فقد حرص على توضيح وظيفة المنطق الاجتماعية على صعيد التكامل الفكري في المجتمع.
فالكثير من الدراسات تعتبر الفارابي أهم من استطاع إيصال و شرح علوم المنطق بالعربية، بالمقابل سنجد أن الفارابي كان يشغله هاجس الوحدة و التوحيد في ظل دول و إمارات إسلامية متفرقة في عهد الدولة الحمدانية، كان الفارابي يتطلع لتوحيد الملة عن طريق توحيد الفكر لذلك سنجده يحاول التوحيد بين الأمة (الشريعة) و الفلسفة في كتاب الحروف و سيحاول ان يجمع بين رأي أفلاطون و أرسطو في (كتاب الجمع بين الحكيمين)، و سنجده أيضا عكس الكندي يحاول أن يدخل العرفان أو الغنوص في منظومته الفكرية فيقبل نظرية العقول السمأوية و الفيض لكن العرفان لا يتحقق عند الفارابي بنتيجة النفس و التأمل بل المعرفة و السعادة (الصوفية العرفانية) هي نتيجة المعرفة عن طريق البرهان . و كما في نظرية الإفلاطونية المحدثة : العقل الأول الواجب الوجود لا يحتاج شيئا معه بل يفيض وجوده فيشكل العقل الثاني فالثالث حتى العقل العاشر التي يعطي الهيولى و المادة التي تتشكل منها العناصر الأربعة للطبيعة : الماء و الهواء و النار و التراب . و الدين و الفلسفة يخبراننا الحقيقة الواحدة فالفلسفة تبحث و تقرر الحقائق و الدين هو الخيالات و المثالات التي تتصور في نفوس العامة لما هي عليه الحقيقة , و كما تتوحد الفلسفة مع الشريعة و الملة كذلك يجب أن تبنى المدينة الفاضلة على غرار تركيب الكون و العالم بحيث تحقق النظام و السعادة للجميع . هذا كان حلم الفارابي المقتبس من فكرة المدينة الفاضلة لأفلاطون. و يربط الفارابي بين المنطق و الأنطولوجيا في منظومته، بين الطبيعة و ما بعدها ليؤكد على وحدة الكون و ترابط أجزاءه و جمال بناءه، و يرى أن الفلسفة لا تناقض الدين و إنما تفسره عقلياً.
يرى الجابري أننا إذا نظرنا لخطابي الكندي و الفارابي من زاوية الأساس الأبستمولوجي أو النظام المعرفي لوجدناهما خطاباً واحداً جديداً على الثقافة العربية الإسلامية يسجل لحظة جديدة في تاريخ تكون العقل العربي، فالثقافة العربية قبل الكندي و الفارابي كانت يتقاسمها خطابان مختلفان تماماً (البيان الذي تحمله اللغة العربية، و العرفان الذي يدعيه العقل المستقيل) وإذا نحن حسب مقولة الجابري امام خطاب جديد ينتمي بمفاهيمه و و نظرياته العلمية و الفلسفية إلى طبيعيات أرسطو و ميتافيزيقاه كما استعادهما جزئياً الكندي و تشرح آلياته و قوانينه الصناعة المنطقية التي أنضجها أرسطو و استعادها منه كاملة الفارابي، خطاب العقل الكوني الذي يؤسسه نظام معرفي خاص يقوم على البرهان (النظام المعرفي البرهاني). لكننا اذا نظرنا إلى الخطابين خطابا الكندي و الفارابي من زاوية الاستراتيجية التي توجه كل منهما وجدناهما يختلفان في الاتجاه والمضمون كون أن الظروف السياسية و المجتمعية التي عايشها كل منهما كانت مختلفة فلحظة الفارابي كانت مكملة للحظة الكندي. لينقلنا ذلك للحظة التوجيه السينوي (ابن سينا) لمنظومة الفارابي الفلسفية و هو أي ابن سينا الذي يعتبر نتاج الثقافة العربية الإسلامية منذ انطلاقتها في عصر التدوين إلى زمنه فهو بكل تناقضاته –كما يرى الجابري- يسجل لحظة انفجار التناقض تناقض العقل العربي مع نفسه التي برز فيها عجز العقل العربي إلى عهده لتحقيق القطيعة النهائية مع الهرمسية و نظامها المعرفي، نظام العقل المستقيل، و سيأتي الغزالي ليقيم الدليل على ذلك بتناقضاته و تقلباته و بتكريسه للهرمسية في دائرة البيان ذاتها مؤسساً أزمة العقل العربي التاريخية. فهو كما يرى الجابري قد تبنى منظومة الفارابي لا ليوظفها في المجتمع و التاريخ بل اتخذ منها على حد قوله قنطرة تنقله إلى السماء، يحاول الجابري من خلال نصوص ابن سينا الكشف عن قاعدتها الابيستمولوجية ، و مضمونها الأيديولوجي. تعرف ابن سينا على الفلسفة الاسماعيلية و كانت مصدراً من مصادر تكوينه و قد قرأ حسب البيهقي في حداثته رسائل اخوان الصفا (التي تشكل موسوعة فلسفية ذات طابع اسماعيلي واضح) و قد اعترف ابن سينا بفضل الفارابي عليه في فهم كتاب (ما بعد الطبيعة) لأرسطو ليدل ذلك على أن ابن سينا قرأ أرسطو بواسطة الفارابي ، و بعض الباحثون المعاصرون يرون أن ابن سينا لا يختلف في آراءه الفلسفية عن الفارابي إلا في بعض التفاصيل و الجزئيات و يذهب البعض إلى أنه لم يعمل سوى على توضيح و تبسيط التي قررها الفارابي لكن الجابري يرى ان ابن سينا و ان تبنى المنظومة الميتافيزيقية التي شيدها الفارابي فالتصور سابق الذكر خاطئ اذا نظرنا إلى انتاجهما الفكري من منظور ايديولوجي، اي بالكشف عن الوظيفة الايديولوجية التي يؤديها فكرمعين أو منظومة فكرية معينة في فترة من فترات التاريخ. كان ابن سينا يمثل و يعبر عن الازدهار الكمي للثقافة العربية بمؤلفاته و وضوح تفكيره و سلامة اسلوبه، و لكنه ايضا مثل الجانب الآخر فهو كما يرى الجابري مدشن مرحلة الجمود و الإنحطاط بتكريسه لاعقلانية صميمة و فكر غيبي ظلامي خرافي في الفكر العربي الإسلامي. اتجه ابن سينا لابراز الثنائية التي حاول كشفها في الكون بكافة أجزائه في تأكيده على الفرق النوعي بين العالم العلوي و طبيعة العالم السفلي من جهة و بين طبيعة النفس البشرية و بدنها (سجنها) من جهة أُخرى، و يؤكد ابن سينا على جوهرية النفس و روحانيتها و استقلالها التام عن البدن بقصد الحاقها بالعالم العلوي ليبقى لديه في العالم السفلي المادة و ما تركب منها، اضافة لقوله بأن الأجرام السماوية تحس و تتخيل و تعقل، و قد قسم الوجود لواجب الوجود بذاته (الله) و ممكن الوجود بذاته واجب الوجود بغيره (العالم) و ممكن الوجود (الحوادث). و قد صرف ابن سينا على عكس الفارابي (الذي ركز اهتمامه على العقل) ركز ابن سينا على النفس (الجوهر المستقل عن البدن). يرى الجابري أن ابن سينا كفيلسوف يفتقد الحد الأدنى من الوعي الايديولوجي فهو لم يكن روحانياً في اعماقه و لا متصوفاً في سلوكه لكنه جند نفسه لتأسيس روحانية الآخرين على الفلسفة و العلم كما كانا في عهده مضيفاً بذلك المشروعية العقلية على مختلف جوانب اللامعقول التي ورثها الإسلام كحضارة و ثقافة من الحضارات و الثقافات القديمة. و يصل الجابري إلى أن ابن سينا بتكريسه لإتجاهه الروحاني الغنوصي بفعل عدم التزامه بأي عقيدة أو مذهب و (انقلاب وعيه) قد كان له ابعد الأثر في ردة الفكر العربي –العقل العربي- عن عقلانيته المتفتحة التي حمل لواءها المعتزلة و بلغت أوجها مع الفارابي عمل مفكرون مثل الغزالي و السهروردي على نشرها و تعميمها، و ضربوا بالمنطق و العقل عرض الحائط مما جعل الظلامية تعم الفكر السني و الشيعي معاً
تبنى الغزالي في تصوفه الفلسفة الدينية الهرمسية بجميع اطروحاتها الأساسية فقد استقى اطروحات العقل المستقيل من ابن سينا و الباطنية و من المتصوفة أمثال البسطامي و الجنيد و الحلاج و غيرهم لكنه تبنى في كتبه بعد (تهافت الفلاسفة) و (فضائح الباطنية) نفس الاطروحات التي كفر بها الفلاسفة مثل القول بقدم العالم و بان الله لا يعلم الجزيئات و إنكار حشر الأجساد، لا بطريقة استدلالية بل بطريقة عرفانية باطنية بعد أن البسها شكلا بيانياً قرآنياً وزعها على كتبه التي وضعها للخاصة. و حينما أراد الرد على الباطنية تطلب منه الأمر الاطلاع على فلسفتهم و الرجوع إلى الفلسفة باطلاق و بالتالي الرد على الفلاسفة نظرا للارتباط بين الفلسفة الاسماعيلية و الفلسفة اليونانية كما قررها ابن سينا و بما ان طريقة المتأخرين كانت قد تخلت عن الاستدلال بالشاهد على الغائب و تبنت عوضا عنه القياس الأرسطي أدركنا كما يقول الجابري مدى حوجة الغزالي إلى المنطق و إلى القياس الأرسطي بالذات لتقرير عقائد الأشعرية على المعتزلة الذين ظلوا متمسكين بمنهجهم المفضل –الإستدلال بالشاهد على الغائب- و سيكون الغزالي في حاجة اليه اكثر للرد على التعليمية الذين يبطلون الرأي و القياس و يقولون بضرورة الأخذ عن معلم و لبيان تهافت الفلاسفة أنفسهم، ستدفع هذه الحاجة الغزالي لفصل المنطق عن الفلسفة و اعتباره مجرد آلة لا يتعلق شئ منها بالدين نفياً و اثباتاً بل هي النظر في كيفية الاستدلال و المقاييس بل و يذهب للقول ان المنطق هو (القسطاس المستقيم) الذي رد به القرآن على المجادلين الكفار و أن اشكال القياس الأرسطي هي نفسها (موازين القرآن) ، ويقول الغزالي أن المنطق ليس يونانياً الا باسمه فقط أما مضمونه فهو عبارة عن قواعد التفكير التي يشترك فيها البشر جميعهم و هو محك النظر و معيار العلم و مدارك العقول، مسالة واحدة بقي فيها الغزالي ضد الفلاسفة هي مسألة السببية، مسالة العقل ذاته فقد أنكرها بعنف و إصرار فافرغ البرهان من مضمونه و تمسك بشكله –الجدل و القياس- ليوظفه في حراسة مضمون البيان كما يراه و يقرره الأشاعرة. إذا فانتصار العقل المستقيل في الغزالي قد خلف جرحاً عميقاً في العقل العربي ما زال نزيفه يتدفق إلى الآن .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[i.] مصدر سابق ص 301.
[ii.] مصدر سابق ص 311.
[iii.] مصدر سابق، ص 248
[iv.] مصدر سابق، ص 118.
[v.] مصدر سابق، ص 119.
[vi.] مصدر ساابق، ص 120.
[vii.] مصدر سابق، ص 199.
[viii.] مصدر سابق، ص 217.
[ix.] مصدر سابق، ص 286.
[x.] مصدر سابق، ص282.
[xi.] مصدر سابق، ص 290.
صورة العضو الشخصية
Mohammed Elhaj
 
مشاركات: 11
اشترك في: الأحد نوفمبر 26, 2006 12:17 pm
الجنس: غير محدد

رقم المشاركة:#15  مشاركةبواسطة Faik » الثلاثاء مايو 29, 2007 3:04 pm

الزميل العزيز محمد الحاج :fs: :f0: :fs: :

لدي تعليق على عنوان الجابري: نقد العقل العربي.
لايوجد عقل عربي أو عقل إغريقي, لأن العقل ملكة بشرية لايمكن تأطيرها أو صباغغتها بجنس أو ثقافة معينة. كان الأجدر بالجابري أن يطلق على كتابه العنوان التالي: نقد الذهنية العربية. وبما أن الذهنية هي نتيجة لتفاعل العقل كملكة بشرية بمحيط الإنسان الثقافي, فإن صباغة الذهنية بإطار ثقافي معين شيء ممكن.

تحياتي لك :rose:
لاياصديقي الفأر لن يحضر الناس إلى جنازتك اليوم, فالجنازات الفخمة يقيمها الناس للجبابرة وأنت من أنت--أحد المعذبين في الأرض.
صورة العضو الشخصية
Faik
مشترك بلاتيني
 
مشاركات: 746
اشترك في: الثلاثاء ديسمبر 28, 2004 6:38 pm
مكان: على حافة المجرة
الجنس: غير محدد


العودة إلى ساحة القراءات والمواضيع المنقولة

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 2 زائر/زوار

Site Login