سأبدأ سلسلة من المقالات للتعريف بالإلحاد كما أفهمه وأعرفه.
نظرا لعدم وجود "دين رسمي" اسمه الإلحاد،
فلا يوجد "كتاب مقدس" عن الموضوع.
ولا توجد نصوص يتفق عليها جميع الملحدين.
كذلك لا توجد رابطة أو أخصائيون معترف بهم في هذا الموضوع.
فهذا جزء من ميزات الإلحاد، إلا وهي حرية الفكر،
وحرية تشكيل القناعة الشخصية على مبدأ "من كل بستان زهرة".
أي خذوا الحكمة حيثما وجدتموها،
بدون اعتبار للآراء المسبقة.
ولذلك يبقى الموضوع هو رأيي الشخصي.
قد لا يتفق معي في آرائي بعض الملحدين أو المؤمنين،
وهذا طبيعي لأني لا أنطق باسم أحد هنا، بل أتكلم باسمي الشخصي فحسب.
نبدأ بالتعريف الأساسي:
الإلحاد هو عدم الاعتقاد بوجود إله (أو آلهة)
عدم الاعتقاد لا يعني بالضرورة "إنكار" وجود الآلهة.
ولكنه غالبا ما يعني أن الملحد لا يجد دليلا مقنعا على وجود الآلهة،
أي أنه يعتبر الآلهة "فرضية غير ضرورية"، بل إن احتمال صحتها غير كبير.
وآخرون يعتبرون أنه من غير الممكن (على الأقل حاليا) البرهان على وجود الآلهة أو عدمه،
فيعتبرون نفسهم "لا أدريين".
وهناك تفريعات فكرية أخرى كثيرة في هذا المجال.
عدم الاعتقاد
هذا التعريف يعني أن هذه الفكرة هي "نفي" للاعتقاد، وليست اعتقادا قائما بذاته.
والسبب هو أن "الشيء الآخر"،
وهو "الاعتقاد بوجود اله" هو توجه فكري منتشر وطاغي في عالمنا العربي.
وهذا يقتضي كل من لا يشارك في هذا التيار أن يعرّف موقعه منه.
حتى ولو كان المبدأ القضائي يقول "البينة على من ادعى"،
بحيث يحمل المؤمن بشيء عبء البرهنة على ادعائه.
ولكن السباحة عكس التيار تتطلب بذل الجهد،
وهي جزء من المسئولية الفكرية التي أتحملها بشكل شخصي،
وهي دافعي لكتابة هذه المقالات..
الآلهــة
فكرة الآلهة نعرفها من كثير من الأديان.
للآلهة "وظائف" وأدوار مختلفة حسب الأديان.
بعض هذه الأديان تفترض أكثر من إله،
مثل الديانات البابلية والإغريقية أو أوثان عرب الجاهلية، أو الهندوسية حاليا.
بعض هذه الآلهة يكون مذكرا والبعض الآخر مؤنثا،
وتربطها أحيانا علاقات أسرية معقدة.
وتتوزع هذه الآلهة "الوظائف" في مجال الظواهر الطبيعية والفكر الإنساني،
فنجد بينها إله أو إلهة الخصب، إله الموت، الإله الخالق، إلهة الحكمة، إلهة الشر..الخ.
وهناك فكرة "الإله الواحد" التي نراها في اليهودية والمسيحية والإسلام،
وتفريعاتها المختلفة.
حيث أن هذا الإله يوحد في نفسه كثيرا من "الوظائف" التي تتوزع على الآلهة في الأديان غير التوحيدية.
وهناك أديان ومعتقدات بدون آلهة، مثل الطاوية والبوذية والكنفوشية.
وهناك معتقدات أخرى،
مثل "وحدة الوجود"،
تستخدم فكرة الإله بطريقة مختلفة جدا عن كل ما سبق.
على كل فمفهوم "جوهر" الإله يختلف بشكل جذري بين دين وآخر،
فالآلهة قد لا تعيش للأزل،
بل هي تولد، وقد تموت، أحيانا قد يرتقي إنسان ليصبح إلها.
وتوحيد الوظائف في شخص الإله الواحد في الأديان "الإبراهيمية" ليس دقيقا جدا،
فنرى أيضا في الإسلام توزعا للأدوار في عالم الغيب،
ولكن الفاعلين لا يسمون آلهة.
فنرى الشيطان المسئول عن الشر والأنبياء الذين يقومون بالأعمال الخارقة (المعجزات)، ناهيك عن خوارق الجن والأولياء.
ولذلك نرى الناس تعاملهم بقدسية مشابهة لمعاملتهم الآلهة في الأديان الأخرى.
فنراهم يضرعون لهم بالدعاء ويرجون شفاعتهم ويخافون غضبهم.
كثيرا ما نرى في الأديان متعددة الآلهة "كبير الآلهة".
الذي تطيعه الآلهة الأخرى،
وإن كانت أحيانا أعقد المهام، مثل خلق الكون، تسند لغيره.
صفات الآلهـــــــة
سأركز الآن على الإله الواحد الذي يشكل جوهر التصور الإسلامي.
ولكن معظم هذا الكلام ينطبق على "كبير الآلهة" في الأديان الأخرى.
هناك ظاهرة لافتة للنظر هي "شخصنة" الإله.
فالإله يشبه الإنسان في كل الأمور ولكنه يتجاوزه بمقدرته.
فنرى الإله يهتم بما يهم البشر، يقضي وقته مشغولا بأمورهم وتفاصيل حياتهم،
يحقق لهم طلباتهم (الدعاء)، أو يعاقبهم وينتقم منهم (يغضب عليهم).
وقد يقيم محكمة خاصة في نهاية الزمان (يوم القيامة)،
ليكافئ المطيعين ويعاقب المخالفين.
هذه العلاقة بين السلوك الإنساني وقوانين الطبيعة والعالم الغيبي،
نراها موجودة أيضا في المعتقدات التي لا تحتاج لإله.
وربما تكون جوهر حاجة الإنسان إلى الدين.
فنرى مبدأ "الكارما" في البوذية،
أيضا يكافئ متبعيه ويعاقب مخالفيه.
وبعض المعتقدات الفلسفية تفترض وجود الإله بدون شخصنته.
حيث تفترضه خالقا للكون، ولكن بدون أن يتدخل في تفاصيل حياة البشر،
مثل مكافأتهم أو عقابهم أو انجاز المعجزات لإدهاشهم.
مثل ذلك إله "اللاهوتيين/الديست" الذي بشكل ما "قرن الزنبرك"،
الذي يشكل مجموع قوانين الطبيعة في بدء الخليقة،
ثم ترك العالم يمشي لوحده.
دون أن يتدخل أو يكترث لما يجري في زوايا هذا الكون.
هناك آلاف الآلهة التي عرفها البشر خلال تاريخهم.
وكل من يؤمن بوجود الإله الواحد يرفض جميع هذه الآلهة.
المسلم ينكر وجود فيشنو (الإله الخالق عند الهندوس)،
وينكر وجود زيوس (كبير الآلهة عند الإغريق) وغيرهم.
الملحد لا يعتقد بوجود جميع هذه الآلهة أيضا،
ويضيف عليهم أيضا ذلك الإله الأخير.
ليس إلا.
ما هو الإعـتـقــاد؟
إذا افترضنا أن "اليقين" هو أكثر درجات الحقيقة تأكيدا،
فالاعتقاد هو أقل من ذلك.
أحيانا يكون الاعتقاد بشيء مهما،
كالاعتقاد بصحة أخبار الحرب المتوقعة قريبا..
وأحيانا يكون الموضوع غير مهم،
مثل الاعتقاد بصحة وجود إنسان الثلج "يتي".
أحيانا يكون الاعتقاد بشيء مهما جدا،
فيسميه المعتقد به إيمانا.
أي أنه ليس يقينا، ولكن محتوى هذا الإيمان مهم جدا لهذا الشخص.
ومعظم الناس لا يعتقد بمعظم الأشياء غير الحسية،
ومعهم حق في ذلك، لأن معظم الأشياء غير الحسية غير مهمة بالنسبة لهم،
فمن يعتقد بوجود الغول،
أو البعبع،
أو "سانتا كلوز"،
أو غير ذلك؟
ولكنهم سيستغربون إن سألتهم عن برهانهم عن عدم وجود ذلك.
فهو بديهي بالنسبة لهم،
لأن "الأصل في الأشياء العدم"،
ولن يبذلوا جهدا كبيرا في البرهان على ما سألتهم،
لعدم أهمية الموضوع..
لو أخذنا فكرة ما، مثل إنسان الثلج "يتي".
وحاولنا البرهان على عدم وجوده.
فكيف نفعل؟
يمكننا أن نقوم برحلة إلى التيبت، ونحاول البحث عنه.
لقد تم بالفعل تجهيز أكثر من بعثة بهذا الشكل ولم تجده.
ولكن هذا لا يعني أنه غير موجود.
يمكننا كشف التزوير الذي حصل للصور التي يدعي أصحابها أنهم التقطوها له.
ويمكننا أن نثبت أن القصص التي يتداولها سكان التيبت هي خرافات،
وأحدا منهم لم يره رؤية العين.
ولكن هذا لا يعني أنه غير موجود.
فهناك من يؤمن حتى الآن بوجود الـ"يتي".
بعضهم يربطه بالصحون الطائرة والفضاء الخارجي.
هذا يعني أنه علينا تقليب الكون حجرة حجرة باحثين عنه،
وإذا لم نجده في كل الأمكنة وفي كل الأزمان،
وقتها يكون بإمكاننا اعتباره غير موجودا..
فهل نعتقد بوجوده،
فقط لصعوبة إثبات العكس؟
بينما برهان وجوده سهل،
من حيث المبدأ،
يكفي أن نمسك بفرد واحد من هذا النوع،
ونريه لمجموعة من العلماء.
الأفضل أن ندرس حياته،
نصوره على أفلام،
ونتعرف على أكثر من فرد واحد،
ونراقبهم عبر أكثر من جيل،
ونفهم كيف يعيش ويأكل ويتزاوج.
ندرس بنيته التشريحية، ومورثاته،
ويكون ذلك مجالا مفتوحا للمزيد من البحوث
عندها نصل إلى المعرفة واليقين..
ســــــــــــــؤال
لماذا لا نرى جميع سكان الأرض يتفكرون باله المسلمين؟
لماذا لا يجمعون ليل نهار البراهين على عدم وجود هذا الإله؟
ليستطيعوا البقاء على عقيدتهم.
السبب بسيط،
وهو أن "هذا" الموضوع غير مهم بالنسبة لهم.
ليس هناك ما يشغل بالهم على الإطلاق بالنسبة لهذا الموضوع.
والاستثناءات القليلة تؤكد القاعدة.
للسبب نفسه لا نجد مسلما يحاول التفكير بصحة المبدأ الهندوسي في الخلق.
أو يتعب نفسه في دراسة آلاف الكتب والأديان قبل أن يعلن إسلامه.
ما يحدث عادة هو أن بعض الشك تتم معالجته ضمن العقيدة الموروثة.
وقلما يخرج المرء عن هذا الإطار.
صفـــات الإلــــه الواحــــد
من أهم الاختلافات بين الإله الواحد،
وبين الآلهة المتفرقة هي عملية "إطلاق" صفات الإله الواحد.
فبينما نرى الآلهة مزاجية وتغير رأيها حسب الظروف،
وتختلف قوتها واستطاعتها حسب "تخصصها".
نرى الإله الواحد يتمتع بصفات الإطلاق.
فهو مطلق القدرة، يستطيع خلق أي شيء يريده،
عندما يريد، من العدم، وبدون أي اعتبار لأي ضرورات.
لا يحتاج أحدا، يكفي نفسه بنفسه.
مطلق المعرفة، يعرف كل شاردة وواردة في الكون،
بل ويعرف جميع الأفكار والمشاعر في نفوس البشر.
أزلي، وجد قبل بداية الكون وسيستمر إلى ما بعد نهايته،
وربما أوجد نفسه بنفسه.
مطلق العدل، فهو لن يظلم أي إنسان،
خصوصا في المحكمة الأخيرة (يوم القيامة).
مطلق الخير والمحبة..
(هذه خاصية تتركز عند الإله المسيحي،
ولكنها أيضا موجودة عند اله المسلمين إلى حد ما،
رغم أن التركيز هنا هو على العدل أكثر من المحبة).
وانعدام الخير يسمى الشر ويعزى إلى الشيطان أو إلى النفس الأمارة بالسوء.
في الإسلام هناك 99 اسم لله، وكلها تعبر عن هذه الخصائص وتفريعاتها.
وكذلك عن الخصائص المتعلقة بعلاقته بالإنسان كاستجابته للدعاء، وإغاثة المحتاج، الخ.
وهذه الصفات موجودة جميعها عند الآلهة الأخرى،
وتعبر عن "شخصنة" الآلهة،
حيث أن صفات الآلهة تعبر عن الصفات البشرية،
ولكنها تتجاوزها من حيث الدرجة،
فهي قادرة وعادلة كما أن الإنسان قادر وعادل،
وعادة هي تشبه قدرة الملك أو زعيم القبيلة،
في التحكم بمصائر البشر وتوزيع الأرزاق،
أو البطل المغوار من حيث القدرة العضلية، والتغلب على الأعداء.
ولكن الإله الواحد يجمع كل الصفات في شخصه.
وبينما يتوزع تعاطف الآلهة على الناس
فنرى آلهة متخصصة بحماية قبيلة أو مدينة معينة وتريد الشر لجميع أعدائهم،
يتمتع الإله الواحد بصفات "عولمية"،
حيث أنه مسئول عن جميع البشرية بشكل متساوي.
كذلك الإله يحب الإنسان مثلما تحب الأم طفلها،
وهذا من أكبر فوائد الإيمان،
حيث أنه يساعد المؤمن على تجاوز مراحل الضعف والوحشة،
حيث أن الإله معه ولا يتركه، ويعرف كوامن نفسه،
ويساعده عند الحاجة، أو يحقق له رغباته،
خصوصا إذا زاد في الدعاء والصلاة، أو قدم الأضاحي.
ولهذا الإطلاق مشاكل كثيرة،
نفهمها إذا حاولنا فهم هذه الصفات واستشفاف معناها "بدون الإطلاق"،
ونرى المشكلة تتفاقم إذا أطلقنا الصفات وجعلناها بلا حدود.
اللاأدريـــة والإلحـــاد
مفهوم اللاأدرية والإلحاد (حسب تعريفي) غير متعارضين،
فالإلحاد ليس إيمانا، بل هو عدم الاعتقاد.
واللاأدري لا يعتقد أيضا.
اللاأدرية هي موقف معرفي.
أي تأكيد على عدم المقدرة على الوصول إلى حقيقة وجود الآلهة.
بينما الإلحاد الذي أكتب عنه هو موقف فكري.
أي أن يعيش الإنسان حياته معتبرا تلك الآلهة غير موجودة،
لأنه لم يحصل على دليل مقنع على وجودها.
ولكن هناك نواحي أخرى تؤثر في اختيار التسمية،
فلفظة الـ "لاأدري"، هي بكل بساطة "ألطف"،
فلا تستفز المؤمنين، بل تترك لهم مجالا للمناورة،
واستشفاف قاعدة مشتركة.
وأحيانا تكون تسمية الـ"لاأدري"،
هي فقط محاولة هروب من مسئولية التفكير الشخصي،
ومحاولة الحفاظ على "شعرة معاوية" مع الموروث العقائدي.
فإن قال لي صديق أن سمكة في حوض الأسماك الذي يزين غرفته تتكلم،
فهل أقول أنني "لا أدري" تجاه ظاهر السمك المتكلم،
لأنني لم أر سمكة تتكلم،
ومع ذلك لا أستطيع البرهان على عدم وجود سمك يتكلم؟؟؟
فليس من الممكن "البرهان على نفي"
وهو يرفض أن يريني تلك السمكة العجيبة،
ويريدني أن أعتمد على ثقتي به للتصديق بالموضوع.
بالنسبة لي أنا أقول أنني لا أعتقد بوجود سمك يتكلم،
لأنني أعتبر وجوده لا يتناسب مع معرفتي عن السمك،
ومنهجي في تفسير ظواهر الطبيعة.
حتى يريني صديقي تلك السمكة العجيبة،
وأعيد فهم البيولوجيا والبنية التشريحية للحبال الصوتية،
والمراكز الدماغية المسئولة عن النطق.
مبدأ اللاأدرية (agnosticism) هو موقف عقلي متوازن،
يتم اتخاذه بعد كثير من البحث والتمحيص،
وليس مجرد "نقطة علام" على الطريق.
ولكن محتوى هذا الموقف هو "عدم وجود موقف" تجاه قضية وجود الله أو عدمه.
والسبب الأساسي يكون عادة عدم كفاية الأدلة،
وإحدى نتائجه هي اعتبار احتمال وجود الإله غير كبير.
والإلحاد قد يكون متطرفا فيدعي أصحابه امكانهم البرهان على عدم وجود الله،
والفرق هنا هو في تقييم مفهوم "البرهان".
ناهيك عن الاختلاف "المعنوي" الذي ذكرته سابقا، للتقريب بين المواقف،
أو محاباة المتدينين.
يتبـع..