|
الالحاد ، مكانته الاجتماعية و تطوره يعني الإلحاد أصلا عدم الأيمان بأي اله و لكن كيف يمكن تصنيف الكثير من البشر في المجتمعات الحديثة التي ليس لها موقفا ايجابيا من اله او الدين بشكل عام؟ هذا الموقف الذي يعني تجاهل الأديان و الأفكار الميتافيزيقية يأتي اما من عدم رغبتهم في التفكير في هذا الموضوع أو من جهلهم به. ذلك يحدث رغم أن المؤسسات الدينية تعتبر
مثلا كل من تم تعميده في طفولته مسيحيا أو كل ولد لأبوين مسلمين مسلما . يجب أن لا ننسى هنا مشكلة الإلحاد اللغوية التي تتمثل في ضرورة استخدام المصطلحات الدينية أي ان الملحد مضطر إلى استخدام كلمة "الإله" عندما يعرض رأيه و يقول :"لا يوجد إله". عبر هذه الاستخدام اللغوي فإن الملحد يساعد المتدين في خلق صورة الإله الذي لا يؤمن هو بوجوده أصلاً. و يبدو ذلك واضحا و جليا في محاولات نقض الدين عن طريق العلم النظري. الإيمان بالإله كان و ما زال وسيلة من اجل تثبيت الطاعة الجماعية و لذلك نرى الرأي العام بأن من لا يعتنق أي دين هو مواطن لا يمكن الاعتماد عليه و لا يمكن التعامل معه. فالرأي الشعبي البسيط يقول أن ترويض الإنسان و إمكانية خضوعه للقوانين لا يمكن أن تتم إلا عبر الإله الذي أرسل الأوامر و وضع العقوبات لمن لا ينفذها. الفكرة الإلحادية تقوم أصلا على الفكرة الدينية و هذا ما يجد صدى ايجابيا لدى حاملي لواء الفكر الدينين لأنهم يجدون في ذلك طريقة جديدة من اجل إثبات فكرتهم الدينية و ذلك بالحديث عن الفوضى الفكرية التي يأتي بها الإلحاد (؟)و عن العالم الباطل الذي لا يمكن إنقاذه و عن نهاية العالم الباطل القريبة و بذلك يستخدم المتدينون الخوف لدى الناس العاديين من اجل إعادتهم إلى الحظيرة الدينية. من الضروري هنا الاعتراف بأن المؤسسات الدينية غيرت طريقتها في الكلام و في المحاججة خلال السنوات الأخيرة (خاصة خلال الربع الرابع من القرن العشرين و بشكل خاص بعد سقوط منظومة الدول الاشتراكية التي كانت تجسيدا للفكرة الإلحادية أي أنها كانت "الدولة الإلحادية" المناقضة للمؤسسة الدينية. قبل هذا التغيير كان الصراع عبارة عن صراع فكري ب و ين مؤسسات مختلفة أي بين مؤسسات دينية و مؤسسات الحادية. بعد سقوط هذه المؤسسات الإلحادية تغيرت طريقة حديث المؤسسات الدينية أي أن الصراع لم يبقى صراعا فكريا نظريا و علميا و إنما أصبح صراعا اجتماعيا بين المؤسسات الدينية من جهة و الأفراد الذين يعلنون إلحادهم أو لا يهتمون بالفكرة الدينية من الطرف الآخر. المشكلة الأساسية في الصراع الفكري بين المؤسسات الدينية و الملحدين هي قناعة المؤسسات الدينية الثابتة أنها تفهم نفسية و طريقة تفكير الملحدين أفضل من الملحدين نفسهم. نجد ذلك بشكل واضح لدى المؤسسات و الأدبيات المسيحية الأوروبية فبعض هذه الأدبيات تطلق على الملحدين مصطلح "المسيحي المجهول" أي أن هذه الأدبيات تعامل الملحد كمؤمن و لكنه "مؤمن ضال". هذه الأدبيات تصف الوجود البشري بأنه تطور فكري ديني من الإلحاد إلى الإيمان. الأب اليسوعي كارل رانر (Karl Rahner) يفسر ذلك: "... و من ذلك نستنتج انه لا يمكن أن يحصل الإنسان على الخلاص بدون أن يؤمن ليس فقط بالرب إنما بالمسيح أيضا. أي" لا يوجد خلاص خارج الكنيسة و لكن هذا لا يعني انه خارج المسيحية لا يوجد خلاص أي حتى في صفوف الملحدين يمكن أن يوجد الخلاص الذي يأتي عبر رحمة الرب و عبر الروح القدس الذي يسكنهم. ..... لذلك فإن كل قرار ايجابي موافق للضمير يأتي من رحمة الرب (بغض النظر عن الحاد أو إيمان الشخص) أي حتى لو كان هذا الشخص يقول عن نفسه انه ملحد فهذا يعني أن هذا الملحد لم يصل بوعيه إلى المرحلة التي يمكن له فيها أن يعكس في وعيه الوجود الرباني في نفسه ... أي أن هذا الشخص هو مسيحي أصلا و لكنه لا يعرف ذلك. هذا الكلام و هذه الطريقة تعني أنه حتى الملحد لا يستطيع أن يتخلى أو يستقل عن الرب الذي يسكنه و الذي يتحكم بقراراته الإيجابية شاء هذا الملحد أم أبى. بطريقة أخرى تريد المؤسسات الدينية أن تضع الملحد رغما عنه في موقع الملعون من الرب (و رغم ذلك يمكن أن يُرحم من هذا الرب) و بذلك تجبره على الخضوع للمحكمة الربانية. مشكلة مصطلح "الإلحاد" اللغوية تكمن في أن الإلحاد هو نفي الإله. لذلك يطرح السؤال نفسه: إذا كان الإله غير موجودا فلماذا يتوجب نفيه؟؟؟ عبر هذا النفي يتحول الإله إلى موجود و إلى حقيقة. لذلك فمشكلة الإلحاد اللغوية هي واحدة من اكبر مشاكل الإلحاد. على سبيل المثال نستطيع أن نذكر هنا مثالا مشهورا و هو تقارب الفاتيكان من الإلحاد و ذلك عبر المجلس الفاتيكاني الكنسي الثاني بين العامين 1962 و 1965 حيث أن هذا التقارب لم يكن في النهاية إلا نوعا من اللعب اللغوي: " المطالبة العامة بأحقية و بمطلقيه الرب المسيحي لا يمكن ان تتغير " و لذلك فإن اعتراف الدينين بوجود و بأحقية النقد الإلحادي طالما أن هذا النقد لا يزال مشمولاً في الفكرة الدينية التي عبر عنها الفاتيكان: "الإنسان موجود لأنه مخلوق من محبة الرب و سيبقى الإنسان لأنه باق بمحبة الرب ، رغم انه قد لا يعيش حسب هذه الحقيقة أي حتى لو انه رفض الاعتراف بهذه المحبة و هذا الخالق." و لذلك تتمسك الكنيسة بأن "الإيمان بالرب لا ينقص من كرامة الإنسان لأن الرب هو أساس هذه الكرامة و منشأها" بالرغم من أن الكنيسة تعترض و بكل وضوح على الإلحاد إلا أنها تقر بضرورة أن يتعاون الجميع (متدينين و ملحدين) من اجل بناء عالم جيد لجميع البشر" في الوقت ذاته تطالب الكنيسة من الملحدين: "حرية عمل الكنيسة من اجل أن تستطيع الكنيسة بناء معبد للرب على هذه الأرض " و كذلك تطالب الكنيسة من الملحدين : "باحترام الأناجيل". نلاحظ في هذه المقاطع البسيطة و في النص الكامل الذي صدر عن الكنيسة أن الكنيسة تطالب بحريتها و احترام كتبها المقدسة و لكنها و في الوقت ذاته لا تطالب نفسها باحترام المعتقدات الأخرى. هذه الرؤيا الأحادية الجانب نراها في أدبيات أغلبية الأديان البشرية و خاصة السماوية منها. لا يمكن نقض المذهب الديني بشكل عقلاني لأن عماد المذهب الديني (الإيمان بالخالق) موجود لدى المتدينين خارج كل مناقشة. و غير ذلك فإن النقد الدائم للفكرة الدينية يدفع أصحاب الدين إلى التماشي مع المتطلبات الفكرية الجديدة و يحثهم على بناء فرضيات و حيثيات جديدة تريد أن تثبت القوة الإلهية. ما نحصل عليه في النهاية هو مؤسسات دينية تنتظر النتائج الأخيرة من اجل أن تربطها لغويا و فكريا بفكرتها الدينية الأساسية. الفكر الديني يفهم نفسه بأنه "صحيح" و "طبيعي" و " من اجل البشر" أما نقد الفكر الإلحادي للفكرة الدينية فتصنفه المؤسسات الدينية على انه "شر" و "ضلال" و "جهل" أي أن الملحد ينقد الدين لمحبته بالنقد و لرغبته في التميز عن الآخرين و من اجل إعلاء شأنه. في ظل هذه الظروف يمكن أن نفهم السبب في خطورة و إمكانية اتخاذ الفكر الإلحادي ، العقلاني أصلا، لمواقف تتعارض مع الحرية و مع كرامة الإنسان. الإلحاد كدين معاكس الإلحاد هو ثمرة التفكير الحر المستقل للشخصية البشرية المسئولة و هو خروج البشر من عبوديتهم التي خلقوها بنفسهم و الإلحاد هو المخاطرة في استخدام العقل بشكل مستقل عن كل المعطيات الجاهزة. و هو قرار مستقل حر لصالح الذات و لصالح المسؤولية الشخصية. لذلك قد يكون الإلحاد جوابا فلسفيا على الفكرة الدينية أو قد يكون أيضا ردة فعل اجتماعية على المؤسسات الدينية. هذا الرد على المؤسسات الدينية ينطبق عليه قانون تساوي الفعل و رد الفعل و لذلك و انطلاقا من عنف و وحشية الأديان و توازيا مع المؤسسات الدينية الحاكمة فإن الرد عليها يكون عنيفا و يدفع إلى الثورة التي تكون في الكثير من الحالات دموية بقدر ما كانت المؤسسات الدينية الحاكمة دموية و عنيفة. من ناحية أخرى فإن البشر الذي تعودوا على الطاعة و على تسليم أمورهم للمؤسسات الدينية لن يتعلموا بسهولة و بسرعة استخدام حريتهم و عقلهم و إنسانيتهم من اجل تحقيق ذواتهم الشخصية و لذلك سيتحول الإلحاد بغض النظر عن منشأه إلى دين جديد. و هذا ما نراه في الثورة الفرنسية عندما قامت مجموعة صغيرة في من الثوار يوم 10-11-1793 بتنصيب آلهة جديدة "إلهة العقل" أما الدافع لذلك فقد كان إرضاء الحس و الدافع الديني لدى أفراد الشعب. رغم أن هذه الحاثة لم تكن من أعمال قيادة الثورة إلا أن روبسبير عبر عن هذه الفكرة بطريقة أخرى: "الإلحاد هو أرستقراطي. الشعب بحاجة على شيء كبير (Grand étre) يحمي المظلوم و يعاقب الظالم". لم يكن هذا العمل غير نقل الثورة السياسية إلى الجانب الديني أي انه كان الإعلان عن دين جديد يتشابه مع الدين القديم من ناحية عنفه و عدم تساهله مع المعارضين له. لذلك جاء في المدة رقم 1 من القرار الصادر بتاريخ 7-5-1794: "الشعب الفرنسي يعرف بوجود ماهية عليا و يقر بخلود الروح" غير ذلك فقد وضعت الثورة الفرنسية احتفالات و أيام وطنية جديدة منها الاحتفال الذي قاده روبسبير و الذي كان تحت اسم "احتفال الماهية العليا و الطبيعة". لم يكن ذلك غير النظام القديم من وحدة السلطة الدينية و السياسية تحت اسم جديد و بتقاليد جديدة و بتقويم جديد و بقديسين جدد. أو كما وصف المسيح ذلك "خمر جديد في جرار قديمة". لم يكن ذلك انتصارا لسلطة العقل و لحرية الإرادة من اجل بناء عالم جديد يقوم على ذلك أنما كان جهز جديد أو شكل جديد من اجل مواصلة التحريف و التزوير السياسي و الأخلاقي. و هذا ما أدى على أن تأكل الثورة الفرنسية أبناءها إذ أن أنصار الفصل بين الدين و الدولة في الثورة الفرنسية لم يسامحوا روبسبير على طريقته الدينية. إذاً لا يكفي إنكار وجود الآلهة من أجل التحرر من التبعية و العبودية و خاصة عندما يتبع الإنسان سلطات جديدة. يتحدث كانت (Kant) في هذا المجال عن "الكسل و الجبن (الخوف)" كأسباب لهذا التطور: "لماذا نجد أن هناك قسما كبيرا من البشر، بعد أن حرروا الطبيعة من كل سلطة خارجية، يريدون الخضوع. ... انه شيء مريح أن يكون المرء خاضعا: لو كان عندي كتاب يملك عقلا من أجلي و يملك ضميرا عوضا عني، لو كان طبيبا يضع لي خطة الطعام الصحية ... الخ. في هذه الحالة لن أحتاج أن أُتعب نفسي. لن أكون بحاجة لأن أفكر عندما يكون هناك من يقوم بأعمالي الاقتصادية و أنا املك من المال ما استطيع أن ادفع له". هذا الكسل و هذا البحث عن الراحة هوالنقيض ممن يعتقد انه يملك الحقيقة المطلقة. كمثال على هذه الحالة نستطيع أن نورد هنا أوغوست كومتي (Auguste Comte) الذي وُصف بأنه ملحد لأنه وضع "دين البشر" و لأنه وضع "تعاليم الدين الإيجابي" و لذلك يمكن وصفه بأنه أبو الإلحاد المعاصر. و لكنه كان يصف نفسه بأنه نبي ديانة جديدة. دور الإله في هذه الديانة الجديدة يلعب هنا ال "شيء كبير" و الذي كان يرمز لدى كومتى إلى مجموع البشر الذين يساهمون في تطور البشرية. كومتى المحافظ كان مندهشا و متفاجئا من تفكك و انهيار النظام السياسي لذلك كانت رؤيته المستقبلية قاتمة. هذه الرؤيا التي تتكون من عودة المجتمع البشري إلى عهود البربرية. لم يكن كومتى يعتقد انه بإمكان الفرد الخروج من خضوعه الذي كان هو نفسه سببه. غير ذلك كان كومتى يعتقد انه في ظل نظام سياسي و اخرقي جديد تنتفي الحاجة إلى استقلالية و حرية الضمير الشخصي لأن العقلانية أي العلم سيسود المجتمع و سيسود تصرفات أفراد المجتمع. كومتى كان يعتقد نفسه نبي مجتمع متكامل كامل سلمي متعاون حيث يتم توزيع الممتلكات و البضائع بشكل عادل بين أفراد المجتمع. الثورة التي كان كومتى ينتظرها و يتوقعها كانت ثورة روحية و عقلية. لذلك فإن نقد كومتى للأديان القديمة كان إبدال التصورات الدينية القديمة للحياة ما بعد الموت بتصورات جديدة حول تنفيذ او تطبيق هذه التصورات الغيبية على الحياة الأرضية و حسب رأيه فإن هذه الفكرة ستوحد قوى البشر من اجل هذه الدفعات أو النبضات الثورية المنتظرة. هذه الأفكار و التصورات خُلقت لدى كومتى من رحم التفكير الديني المطلق. أي انه لم ينقد الفكرة الدينية من وجهة نظر اجتماعية و فلسفية إنما حاول بناء فكرة "دينية" جديدة قوامها العلم و الحياة البشرية على الأرض. كان يرى نفسه مبشرا لدين جديد و لذلك أرسل رسائل إلى قيصر روسيا و إلى الوزير الكبير في السلطنة العثمانية يدعوهما فيها إلى اعتناق دينه الجديد و كذلك أرسل رسالة إلى زعيم اليسوعيين يعرض فيها عليه تحالفا من أجل مقاومة الانحلال و الفوضى. كيف يمكن أن نفهم كومتى؟؟؟ أعتقد ان كومتى لم يكن ملحدا بل كان يريد دينا جديدا يتفوق على الأديان السابقة في مجال التسامح و التعايش السلمي و في مجال سلطة العلم في المجتمع. هنا يكمن الخطر في النضال و في الصراع مع الأديان، أي في اقتباس الفكرة الدينية و تحويلها إلى فكرة أخرى مع بقاء الجوهر. و هذا ما حدث مع التطبيقات الاشتراكية التي تحولت مع الوقت إلى صراع و نضال ضد المؤسسات الدينية المسيطرة و ذلك بعكس ما أراده و ما كتبه آباء الماركسية الأوائل (ماركس، أنجلس، لينين). حيث اتخذت هذه التطبيقات الاشتراكية نفس الوسائل الدينية في صراعها ضد المؤسسات الدينية الحاكمة أي أنها تبنت فكرة "الخلاص" عبر المطلق الذي لا يُخطي أي الحزب الحاكم. لكن النظرية الاشتراكية الأصلية فهمت الصراع ضد الأديان بطريقة أخرى أي أن الأديان هي مخدر الشعب في بؤسه و في وضعه المزري و عندما يتحسن وضع الشعب المعيشي و الحياتي و الثقافي أي عندما يتحسن وضع المجتمع بشكل عام يتخلى الشعب بمحض إرادته و حريته عن الأديان السابقة و هو في ذلك لا يحتاج إلى نظام ديني جديد أو إلى وسائل دينية جديدة من اجل إجباره على التخلي عن الأديان القديمة. للمقارنة أيضا نستطيع إيراد الاشتراكية القومية (النازية) التي كانت دينا جديدا و بآلهة جدد (العرق و القومية) حيث كان الزعيم (الفوهرر) هو النبي و زعيم رجال الدين و هو الذي خلق فكرة الخلاص (إمبراطورية الألف سنة) و غير ذلك فقد كان هذا الدين غير متسامحا و يريد إخضاع الأديان (القوميات) الأخرى. القاسم المشترك بين الجميع هو كونها أديان تُفرض من قبل الدولة أي أنها لا تترك مجالا للحرية الشخصية و لا لحرية الفرد في اتخاذ قراره بنفسه. الإلحاد كمسؤولية شخصية للفرد: عندما تكون مسؤولية الفرد شكل و جوهر الإلحاد تظهر هنا معضلة في التطبيق الاجتماعي للإلحاد. قرار الإلحاد و التفكير العقلاني هو قرار فردي و شخصي لذلك يقود هذا القرار في أغلب الحالات إلى التفرد و الابتعاد عن المجتمع فالفرد الذي يقرر و يأخذ طريق التفكير العقلاني و يحمل مسؤوليته الشخصية بيده لا يجد أسبابا كثيرة تدفعه إلى جعل نفسه جزءا من الجماعة لأن الجماعة لن تأخذ عنه صعوبة و معضلة القرار الشخصي. هذا لإلحاد الحديث يقود إلى ضعف الترابط الاجتماعي و إلى الضعف السياسي. الكثير من الفلاسفة (مثل : شوبنهاور، نيتشه، سارتر، بلوخ، فروم ... و غيرهم) اتفقوا بآرائهم على عدم حاجة الإنسان إلى الرب من أجل أن يفسر الوجود و من أجل أن يحدد مسؤولية الإنسان على نفسه و رغم ذلك فأن هناك بينهم خلافات كثيرة في الرأي حول ما هو الإنسان و حول ماهية الإنسان و الإنسانية. و لكنهم اتفقوا في النهاية على أن كل إنسان يتحمل مسؤوليته بنفسه. في الوقت الذي تضع فيه الأديان السماوية ضرورة الأصل الإلهي في مركز اعتقاداتها ، هذه الاعتقادات التي تضم أيضا مجموعة من التقاليد الكهنية التي يجب أن تساعد على الخلاص ، تقف مسؤولية الإنسان عن نفسه أمام كل هذه الصعوبات. بشكل آخر: الأيمان بإله يضع الإنسان في موقف الخضوع الذي تسبب به هو نفسه و هذا يقودنا إلى مفارقة او مخالفة منطقية في تعارض هذا الخضوع مع التطور الصناعي و الاجتماعي الذي حدث في المجتمع البشري خلال القرون الأخيرة 0منذ الثورة الصناعية و حتى الآن) لأن هذا التطور الصناعي و الاجتماعي هو التعبير الحقيقي عن الرفض الإلحادي للخضوع الديني. أي أن هذا التطور هو انتقال المسؤولية عن الإنسان من يد الإله إلى يد الإنسان. رغم الجوهر الإلحادي للتطور البشري إلا أن الطابع الديني لا يزال مسيطرا على الشكل العام للمجتمع البشري و نرى ذلك واضحا في الجمعيات و المنظمات التي تأخذ شكلا دينيا واضحا و نرى ذلك واضحا في طريقة تعامل الملحدين اللامبالية تجاه المجتمع. و تجاه الأديان المسيطرة عليه. و هذا ما تنبأ به نيتشه عندما كتب: "اللامبالاة تجاه الأشياء الدينية تتحول من حذر إلى ترفع على التصورات الدينية و هذا يعني عدم تلامس مع الأشياء الدينية (بما في ذلك المتدينين)..." رغم الجوهر الإلحادي للمجتمع الصناعي إلا أن المؤسسات الدينية (في أوروبا) لا تزال محترمة ضمن المجتمعات الأوروبية و لا تزال تحتفظ بمكانتها و السبب في ذلك يعود إلى أن فقدان المؤسسات الدينية للسلطة السياسية جعلها تلتفت إلى المؤسسات الاجتماعية التي بدأت في بنائها خلال القرن التاسع عشر. في هذه الفترة لعصيبة في أوروبا (خلال الثورات الصناعية المتعاقبة و الحروب الكثيرة) و في الفترة التي تلتها كانت المؤسسات الدينية هي المؤسسات الخيرية الوحيدة في أوروبا و رغم تطور النظام الاجتماعي في أوروبا و ظهور الكثير من المؤسسات الاجتماعية الحكومية و النقابية خلال القرن العشرين إلا أن المؤسسات الخيرية الدينية حافظت على مستوى وجود معين و ساعدها على ذلك غنى المؤسسات الدينية التي فقدت احتياجاتها المادية من اجل القضايا السياسية و العسكرية و بالتالي استطاعت أن تستثمر غناها في المؤسسات الخيرية. هذه الحالة شكلت مشكلة جديدة بالنسبة للإلحاد لأن الإلحاد ليس منظما في جماعات و أحزاب و بالتالي يصعب على الإلحاد يناء مؤسسات اجتماعية شبيهة بتلك التي تتبع المؤسسات الدينية. في الوقت نفسه نرى أن الأفراد و المؤسسات الصناعية 0القائمة على الإلحاد) تقوم بدورها الاجتماعي و لكن هذه المساهمات ليست واضحة و ظاهرة للعيان كما المساهمات التي تقدمها المؤسسات الدينية. نذكر هنا على سبيل المثال منظمة أطباء بلا حدود التي تقدم الكثير من المساهمات و لكنها ليست بشهرة الصليب الأحمر أو الشركات الدينية الأخرى. و كذلك فإن جميع المؤسسات الحكومية الاجتماعية هي مؤسسات إلحادية المنشأ و لكنها معروفة تحت أسماء حكومية و بذلك تضيع صلتها الحقيقة مع الإلحاد لصالح صلتها بالدولة و الحكومة. التجريم الاجتماعي للإلحاد و لمحاولات الخروج من الخضوع: يوجد الكثير من الصور الإلهية و كذلك يوجد الكثير من الصور الإلحادية في المجتمع البشري و لكن الفرق الأساسي أن الصور الإلهية موجودة في وعي المؤمنين بشكل واضح بينما تختلف المفاهيم لدى الحديث عن الإلحاد و تبقى صورة الإلحاد في الوعي البشري صورة مجردة غير واضحة و لا تزال هذه الصورة تعاني من سيطرة الدين اللغوية حيث أصبحت كلمة الإلحاد نوعا من الشتيمة و نوعا من الاستفزاز. تجريم الإلحاد من قبل المتدينين لا يعود فقط على ماهية الإلحاد إنما يعود أيضا إلى جان جاك روسو في نظرية الدولة حيث كتب روسو بما معناه أن من يرفض و لو جزء صغير من الدين لا يستحق الحياة، لا لأنه ملحد أو غير مؤمن أنما لأنه يرفض الحياة ضمن الجماعة و لا يخضع لقوانينها و لا يحترمها و لا يوجد لشخص كهذا من عقوبة سوى الموت. الحال في بروسيا (ألمانيا) لم يكن أفضل من ذلك، إذ رغم أن القانون العام للدول البروسية من العام 1774 كان ينص على حرية الاعتقاد الديني و على تجريم العنصرية ضد معتنقي الأديان و الطوائف الأخرى إلا أن الواقع كان مغايرا للوضع القانوني. و بقي الوضع على هذه الحال سنينا طويلا و هذا ما دفع الفيلسوف فيخته (Fichte) إلى القول بأن الدولة التي تحتاج إلى عكازه الدين توضح أنها مشلولة. بالرغم من ذلك بقي دعاة السيطرة الدينية في المجتمع الألماني أقوياء و عديدين مثل ترايتشكى (Treitschke) الذي كتب حوالي نهاية القرن التاسع عشر: "لا مكان للملحدين في الدولة لأنه بدون الجماعة الدينية لا يمكن أن تتكون الوحدة القومية لأن الشعور الديني هو واحد من القوى الأساسية لدى البشر" في هذا السياق كتب أيضا فيرديناند فالتر (F. Walter) :"يجب على الدولة أن تطلب من كل مواطن أن يكون و عائلته جزءا من جماعة دينية ما لأن الدولة في ظل الإلحاد لا يمكن أن تبقى مستمرة". هذا الحال الذي كان و لا يزال مستمرا في ألمانيا هو الفرق الأساسي بين ألمانيا من جهة و دول أخرى كفرنسا و انكلترا التي تسبقها آمادا طويلة في مجال التنوير و الحرية الدينية، إذ أن الملحدين في ألمانيا لا يزال وصفهم بأنهم غير مؤمنين بالإله الرسمي للدولة. ليست ألمانيا وحدها في هذه الخطة فالولايات المتحدة الأمريكية كدولة أكثر تعصبا و عنفا ضد الملحدين من ألمانيا و قد عبر الرئيس الأمريكي آنذاك بوش في العام 1991 أن الملحدين ليسو مواطنين و ليسو وطنيين. كذلك على المستوى الشعبي لا يزال الملحدون يعانون من التجريم فعلى سبيل المثال دعا احد السياسيين (Rippert) في إحدى المقاطعات الألمانية (Hessen) إلى منع مؤتمر الملحدين الذي أقيم عام 1992 في إحدى جامعات المقاطعة الألمانية و من سياسيين آخرين تم وصف هذا المؤتمر بأنه مؤتمر الإرهابيين. حوادث و أشياء كهذه دفعت كارل بيتر هاينتسن (Karl Peter Heinzen) إلى القول:"ما هذا الإله الذي يمكن أن يتعرض للخطر من جراء رفض الاعتقاد به و يطلب الشرطة لحمايته؟" في مجتمعنا الحالي يتعرض الملحد إلى الاتهام بأنه قادر (أخلاقيا) على القيام بكل الأعمال الشريرة و يتعرض في بعض الحالات إلى الاتهام بأنه خارج النظام الاجتماعي و التربوي و السياسي. و هذا ما أكده البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته و التي تعود إلى الخامس من تشرين الأول (أكتوبر) للعام 1993 إذ كتب بما معناه: "الإتحاد بين الإلحاد و الديمقراطية هو خطر على أخلاق المجتمع و تقاليده و أكثر من ذلك فهو خطر لأنه يسرق معرفة الحقيقة ... فبدون هذه الحقيقة النهائية التي تقود التحرك السياسي يصبح خطر الاستخدام السيئ للسياسة كبيراً و بالتالي تتحول الديمقراطية إلى ديمقراطية بدون أخلاق .... و بالتالي يصبح من السهل أن تتحول هذه الديمقراطية على دكتاتورية و حكم مطلق." هذا الكلام يعني بطريقة أخرى و يتضمن مسلمات دينية: 1- الأخلاق ذات أصل مسيحي 2- فقط المسيحيين – أي الكاثوليكيين في نظر الفاتيكان – يملكون الحقيقة النهائية التي هي أساس الأخلاق. و هذا دليل كاف على النظرة الدينية بأن الإلحاد خطر على المجتمع و أخلاقه لأنه يدعو إلى إنقاذ المجتمع من براثن سيطرة الدينية. ما هو الإلحاد؟ الإلحاد هو مصطلح عام يضم في طياته التجمعات و الحركات التي نشأت في عدة مئات من السنوات و التي تريد أن تفهم العالم و المجتمع بدون تقاليد دينية . من رحم الفلسفة الجدلية المادية تطور نوع من الاقتصاد أدى في الدول التي كانت تسمي نفسها اشتراكية إلى إفلاس اقتصادي. في ظل هذا التطور الاقتصادي تغيرت هذه الفلسفة و تحولت إلى نوع من الدين الذي كان عماده الإيمان بعدم الإيمان و محاولة نقض كل ثقافة و تقاليد قديمة من اجل بناء ثقافة و تقاليد جديدة. أي أنها تحولت إلى دين جديد. هناك نوع آخر من الصراع الفكري مع :الرب: و الذي سمّاه لودفيغ ماركوز (Ludwig Marcuse) الصراع الفكري الشعري التقي. هذه الفكرة تبحث عن إلغاء الحدود بين الإيمان و الإلحاد عن طريق الإيمان ب لا شيء. الإيمان هو بلا معنى و هذا كان حياة و فكر أحد كبار الفلاسفة الملحدين: سيورن كيركيغارد (Sören Kierkegaard) الذي كان يمثل الملحد بكل ما يعنيه و هو من وضع مقياس فلسفي جديد كان أساسا لفكر إلحادي جدي. الملحد الإنساني يعرف نفسه بأنه: "مَن فهم أن الإنسان يعيش على هذه الأرض بدون حماية من آخر (إله) و أن اعتماده يجب أن يكون على نفسه . و الإنسان أيضا هو كائن بإمكانيات كثيرة و مفتوحة. هذا الكائن يعرف أنه لا شيء و لكنه يريد أن يكون كل شيء (ليس بالمقصود الإلهي إنما بالمعنى البشري). هذا الكائن يفهم و يعرف انه يتحمل مسؤوليته بنفسه لذلك يجد نفسه مضطرا لأن يتعلم الحياة و الموت بشكل جيد. إمكانية تقبل الإنسان للأشياء و الأفكار الميتافيزيقية تجعله متقبلاَ للأفكار الدينية. و لكن هذه المقدرة على تقبل الأفكار الدينية لا تربطه بإله معين أو محدد إنما تجعله مسؤولاَ عن أعماله و تصرفاته. ليست مهمة من يبحث في علم الاجتماع أن يحكم على التطورات الاجتماعية إنما فهمها و تفسيرها و قد وجد العديد من الباحثون في الاجتماع أن المصطلحات القديمة المتوارثة و طريقة التفكير التقليدية لم تعد كافية من أجل شرح التطورات الجديدة في المجتمع. لذلك يطالب بعضهم و يوافقهم في ذلك بعض المفكرين من أصحاب الأديان بأن يكون الإلحاد البداية في وصف الدين و الإله.(على عكس الطريقة الحالية في وصف الإلحاد عن طريق الدين). حتى بعض المتصوفين فهموا "الرب" بطريقة مغايرة لما تفهمه المؤسسات الدينية التقليدية و هذا ما وصفه المعلم إيكهارت (Meister Eckhart): من يتهم غيره بأنه ينكر الرب يكون هو نفسه منكراَ للرب لأنه يريد أن يستملك الرب لنفسه فقط. ايريش فروم (Erich Fromm) يرى أن هدف التطور الإنساني هو التطور إلى الإنسان الشامل بالاعتماد على قدراته العقلية و الجسدية الذاتية. بالنسبة ل فروم يكون الإنسان حرا عندما لا يختار الشر في تصرفاته و في قراراته لأنه فقط في هذه الحالة يكون قد أصبح كائنا واعيا متطورا منتجا و قادرا على المحبة. هذا هو الكائن الذي يحمل في ذاته تجاربه و خبراته و قوته التي يحتاجها من أجل الحياة. بالنسبة لهذا الكائن فإن هذه التجارب توضح له الطريق لأنها تعلمه تعريف و تقييم الأخلاق. و هي أيضا تجربة إنسانية لأنها تعلم الإنسان أنه ليس وسيلة إنما هدف في هذا الوجود. هذه التجربة تعلم الإنسان أن يتخلى عن طمعه و عن مخاوفه من أجل أن يصبح جزءا من هذا العالم و من الجماعة البشرية. من الممكن أن تكون هذه التجربة تجربة روحانية أيضا إذا لم تتسبب في تحوله إلى إله معاصر. أي أنها تجربة تعطي الإنسان الإشارة الضرورية من أجل أن يعرف أهدافه. فروم يعتقد أن الحب، اللطافة، العقلانية، الاهتمام و الهوية أبناء و نتائج للحرية. بين هذه الأنواع المختلفة من تعريفات و نظريات الإلحاد توجد فروق ليست زمنية فقط إنما أخلاقية و ثقافية. تقترب بعض هذه التعريفات من التصورات الدينية بشكل أو آخر. الإلحاد في النهاية هو اعتراف بمسؤولية الإنسان عن نفسه. كتب المعلم ايكهارت بما معناه: "أنني إنسان، أشترك بهذه الصفة مع البشر. أنني أرى و أسمع أنني آكل و أشرب أشترك بهذه الصفة مع الحيوانات و لكن ماهيتي أنا، لي أنا فقط ولا أحد غيري لا اشترك بها مع إنسان غيري و لا مع ملاك و لا مع إله إلا إذا كنت متحدا مع الرب. سيردد الكثير من الملحدين هذه الكلمات مع المعلم إيكهارت إلا إنهم سيغيرون العبارة الأخيرة إلى: إلا إذا كنت متحدا مع نفسي. باختصار: أن نتعلم الاعتماد على النفس أن نتعلم تحمل مسؤولية أنفسنا أن نتعلم مسؤوليتنا عن أعمالنا أن نتعلم أننا أحرار أن نعي مسؤوليتنا أن نعي من نحن أن نعي قدراتنا و إمكانياتنا أن نعي حريتنا هذا هو الإلحاد، و لكن هل هذا فعلا إلحاد؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
|