|
مبادئ
|
|
كتـب قصي عبد الرحمن
|
|
الثلاثاء, 26 فبراير 2008 16:33 |
|
جان بول سارتر: إذا كان الرب موجودا، فإن الإنسان هو لاشيء. سارتر هو أحد ممثلي الفلسفة الوجودية اضافة الى سيورن كيركيغارد، فريدريش نيتشه، مارتين هايدغر و كارل ياسبرز.
1-ماذا تعني الوجودية؟ الوجودية هي
فكر يضع الوجود الإنساني في مركز هذا الفكر الفلسفي. الوجود البشري يجب أن يتحرر من الوجود العبثي الذي يعني الوجود بدون إمكانية التغيير. في هذه الحالة يربح الإنسان وجوده ضد الوجود العبثي. الإنسان يصنع وجوده عبر التخلي عن الوجود العبثي. هنا لا توجد أصناف و لا تقسيمات معينة لأن الإنسان ليس واحدا إنما كل إنسان هو وحيد و فريد في تطوره و تغيره. بالتالي يخون الإنسان نفسه عندما يخضع لضغط و إكراه الإيديولوجيات التي تريد أن تضعه في نموذج معين. فقط في صراعه ضد الوجود العبثي يحقق الإنسان نفسه.(ياسبرز يرى أن الإنسان يصل إلى مرحلة الوجود الحقيقية في الحالات و الحدود الاستثنائية – مثل الألم، الموت، ...) الفرق الأساسي بين الماركسية و الوجودية هو أن الوجودية تضع تركيزها القوي على الإنسان بشكل فردي. أي أن الإنسان لا يُرى هنا كجزء من الجماعة إنما ك فرد. الإنسان يجب أن يجد طريقه في هذا "اللاشيء" الذي وجد نفسه به.يمكن أن يُسلب من الإنسان كل شيء إلا كرامته بأن يخسر معركته بشجاعة. الوحدانية هي صفة "بطل الوجودية اللامعقول". الوجودية تحارب اللاشيء رغم أنها تعرف أن هذه الحرب و هذه المقاومة بلاجدوى.
2-إذا كان الرب غير موجودا، هذا يعني أن كل شيء مسموح نقطة البداية لوجودية سارتر هي جملة دوستويفسكي الشهيرة: "إذا كان الرب غير موجودا، هذا يعني أن كل شيء مسموح". سارتر يقول أن ذلك صحيحا: "كل شيء مسموح، إذا كان الرب غير موجودا" و لكن:"فقط عندما يكون الرب غير موجودا، يكون الإنسان حر". أي: عندما يكون الرب غير موجودا، يكون الإنسان إنسان لأن الإنسان هو الحرية. فقط عندما لا يكون الرب موجودا، يوجد الإنسان. الحرية بالنسبة لسارتر هي الحالة التي يكون فيها كل شي مسموح. الإنسان الذي يربط وجوده بوجود الرب لا يمكن أن يكون حراُ. الحرية هي شيء مطلق. الإنسان يصنع نفسه من خلالها. لأن الإنسان يخلق نفسه لا يمكن أن يوجد إله خالق. المهم بالنسبة لسارتر هو أن الإنسان يصنع بنفسه أي أنه ليس مبرمجا بشكل مسبق من قبل إله ما. لذلك فإن المقولة الأساسية لدى سارتر هي "الإنسان هو الإنسان الذي يصنعه بنفسه".
3-الإنسان محكوم بأن يكون حراُ. الإلحاد يجرد الإنسان من كل عكاكيزه و ركائزه، إنه الآن بدون رب يساعده، إنه لا يملك شيئا يتمسك به و المهم أنه لا يجد أعذارا لما يفعله إنما يجب أن يكون مسئولا عما يفعله. طالما أن الرب غير موجود و بالتالي لا يستطيع أن يعطيه الوصايا و الأوامر فإن على الإنسان أن يصنع وصاياه و قوانينه بنفسه. هذا لا يعني أن حياته أصبحت أسهل إنما على العكس من ذلك أصبحت حياته أصعب لأنه "محكوم بأن يكون حراُ".
4-النفاق هو الخطيئة الوحيدة "الإنسان يختار أخلاقه" لذلك يكون تصرف الإنسان خير أو شر و ذلك حسب الحالة. فعلى سبيل المثال نجد في دراما "موتى بدون جنازة" انه مقبول أخلاقيا أن يُقتل مقاتل من المقاومة، عمره 15 سنة، بيد رفاقه و ذلك من أجل أن لا يعترف تحت التعذيب. مقياس الأخلاق الوحيد عند سارتر هو الحرية و المسؤولية. و ذلك يوجد لدى سارتر خطيئة واحدة و هي النفاق أي عندما يتخلى الإنسان عن أن يكون هو نفسه، عندما يجبر نفسه على التقاليد الاجتماعية أي عندما يتخلى بنفسه عن حريته. لا يوجد فكاك (حرية) من الحرية و لذلك فإن "البطل" السارتري يعيش على هامش المجتمع، كما هو واضح في مسرحيته "العاهرة الشريفة". سارتر فهم نفسه ك ضد مواطن. و هذا ما أثبته سارتر عام 1964 عندما رفض جائزة نوبل للأدب أي أنه رفض محاولة احتواءه داخل المجتمع المدني. كذلك فإن رفضه لهذا المجتمع المدني هو ما نراه في رفضه للحياة الزوجية العادية (المؤلفة من ذكر و أنثى). هامشي أو لامنتمي في المجتمع هي صفة الأبطال في أعمال سارتر و لذلك هو (البطل) دائما وحيد و هذه ميزة أساسية في الوجودية.
5-الشيطان و الرب الطيب: في دراما "الشيطان و الرب الطيب" التي كتبها سارتر في العام 1951 يظهر بشكل واضح جدا الإلحاد السارتري. عبر بطل الحكاية غوتس يتضح التصميم الوجودي للبشر. تدور أحداث المسرحية في بداية القرن السادس عشر أثناء حرب الفلاحين في ألمانيا. غوتس، زعيم عصابة من المرتزقة، مستعد دوما من أجل المال أن يخون سيده. خلال المعارك كان غوتس ينهب و يسرق و يقتل كل ما كان ذلك بإمكانه. أي أنه كان قديس (أو نبي) للشيطان. فيما بعد غيّر غوتس كل شيء. من نبي الأشرار تحول غوتس إلى نبي الأخيار. وزع أراضيه على الفلاحين و أسس "دولة الشمس" التي تقوم على محبة الآخرين. و لكن تجربته الاجتماعية كانت فاشلة. عبر تجربته في الحياة و مروره بالشر و بالخير يصل غوتس إلى المعرفة أن السماء خالية و أنه لا يوجد هناك قاضي يحكم بين الخير الشر. في نهاية المسرحية يقول غوتس ل هاينريش: "كان دعائي من أجل أن احصل على إشارة، أرسلت إلى السماء رسائلي، و لم يصلني أي جواب .... في كل لحظة، أسأل نفسي ماذا أكون أنا في نظر الرب؟ أنا أعرف الجواب الآن. لاشيء. الرب لا يراني، الرب لا يسمعني، الرب لا يعرفني.هل ترى هذا الفراغ؟ هذا الفراغ هو الرب. هل ترى فتحة الباب؟ أنا أقول لك: هي الرب. هل ترى هذه الحفرة في الأرض؟ هذه الحفرة هي الرب. الصمت هو الرب. اللاوجود هو الرب، التخلي عن البشر هو الرب. ما كان، هو أنا وحدي: أنا وحدي (بنفسي) اخترت الشر و اخترعت الخير. أنا كنت شريرا و كذلك صنعت المعجزات (الخيّرة). أنا، بنفسي، أتهم نفسي و انا بنفسي أستطيع أن أطلق حكم البراءة على نفسي، أنا الإنسان. إذا كان الرب موجودا، فإن الإنسان هو لاشيء." "هاينريش، أريد أن اقول لك شيئا : الرب غير موجود. هو غير موجود. ..." " إذا كانت السماء غير موجودة، فلن يكون الجحيم موجودا" لاشيء موجود إلا الأرض." منذ موت الرب يجب على غوتس أن يدفع "ثمن" أخطائه بنفسه. فعلى سؤال هيلدا فيما إذا كان قد ربح المحاكمة يجيب غوتس: "لم تحصل هذه المحاكمة، لأنني أقول أن الرب مات. لا يوجد شهود . أنا الوحيد الذي يرى شعرك و جبينك و الذي أرى وجودك الحقيقي منذ أن الرب لم يعد فوقنا." هذه الحرية الجديد التي ربحها غوتس حولته الى شرير . فشل الإنسان في تحقيق نفسه و لكن هذا الفشل لا يعفيه من واجبه و مهمته بأن يصنع قضاءه بنفسه. لذلك يصح: قد تكون النتيجة هي الفشل و لكن و رغم ذلك لا يجوز الاستسلام للفشل إنما يجب مقومته.
|