|
الإسلام
|
|
كتـب RASEL
|
|
الاثنين, 29 أغسطس 2005 11:46 |
|
لطالما شعرت أن رجال الدين يخفون عنا شيئا في رؤوسهم، لذا وضعوا عليها العمائم. قد يكون العنوان مفاجأة للكثيرين ومدعاة لانتقاد عنيف ورمي صاحبه بالجهل وعدم استيعابه لأبسط سير وكتابات أعلام المسلمين وقد يقول قائل هذه عاقبة القول بغير العلم وتولي الجهلة الكتابة، ولكن مهلا لست أزعم أن هذا العنوان يتجاوز
الفرضية إلى حقيقة مسلم بها أو نظرية متجادل فيها. ولا ننسى أن الفرض لا يسوغ بدون أسباب ومشاهدات تدعوا إليه و إلا كانت دعوى فارغة من الباعث لا تدل على أكثر من قول مجرد عار من جذور تربطها بالحقيقة أو أوراق تستر عورها، فالحد الأدنى لقبول فرضية كون ابن حزم ملحد أو داعية إلى الإلحاد هي قدرة هذه الفرضية على دفع القارئ إلى التأمل فيها وإثارة بواعث الشك في خلافها، وأنا آمل أن أكون محقا في تقديري أنها تستحق التفكير والتأمل، وهذا هو الحد الأدنى الذي وعدت أن ألزمه حتى لا تصبح الفرضية مدعاة للهجر.
ولعل من أبرز الأدلة التي أعتمد عليها وهو مثال من الحياة الواقعية يمثلها صاحب المقال، فقصتي مع الإلحاد قصة، قصة شاب عرف التدين ولزمه قرابة العشرة أعوام وفي الثلث الأخير منها بدأت عقيدته بالعد التنازلي ليبدأ ميلاد عقيدة جديدة إن جاز أن نسميها عقيدة وهي الإلحاد وإن كان في أوله إنكار للنبوة وما جاء به الأنبياء ولكن مع بقاء الإيمان بالله، وكأنها خطوة حيية لما بعدها وهو عدم الإيمان بالله، قد ترون أن ما ذكرته هي سيرة مبتسرة لتحولي من التدين إلى الإلحاد، وهي كذلك بالفعل ولكنها هي نفسها المثال الواقعي الذي كنت وعدت به كقرينة، وهي علاقة المُؤثر بالتغير الذي يطرأ على المؤثر به في غياب مؤثر آخر، وهي القرينة التي تسقط بتمامها علي نفسي كمؤثر به، أتجه إلى الإلحاد في الثلث الأخير من فترة تدينه كانت بدايتها مع بداية التعرف على ابن حزم- المُؤثر الوحيد في مسرح حياتي الدينية- ومؤلفاته. قد لا يعجب البعض أسلوبي في الاستشهاد هذا ولكني أعلم بنفسي وما حل بها ولأنا هنا في فضاء حر ولو على الشبكة العنكبوتية، فإنا نكتب ما نكتب طالما وفرنا الباعث وأثرنا التساؤلات، ولفـّت عند البعض منا (الشاعر) بغموض السحر فخالها سحابة ترتسم على صفحة السماء تفصح عن شكل أو تكاد، تاركا الأمر لما تقرره الرياح.
ولعل من المفيد النظر في سيرة ابن حزم لتدعيم هذه الفرضية، فضلا عن دليل الخطاب في مؤلفاته، فإنا لو نظرنا في سيرته لوجدنا نقاط تقوي هذا الفرض أو تضعه في حيز الامكان ومنها:
_ أنه فارسي الأصل، فهو الإمام الحافظ العلامة أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي , جده خلف من موالي يزيد بن أبي سفيان وأصله من فارس لذا قد تدفعه شعوبيته لكره دين العرب الذين احتلوا بلاد أجداده التي كانت يوما ذات سلطان وتاريخ مجيد والذين حولوا أهلها إلى مواطنين من الدرجة الثانية فبدلوهم بعزهم ذل وبكبرهم مهانة فهم لم يؤمنوا إلى بحد السيف فقتل منهم من قتل وأتخذ منهم الرقيق ودفع الجزية من دفع ولجأ للأسلام من لجأ خوفا من القتل والرق. ودفع الجزية وأسلم منهم من أسلم بعد الرق علـّه بعد ذلك يمن بالحرية - ولعل جد ابن حزم منهم فقد كان مولى فارسي ليزيد ابن سفيان- فضلوا في تقياهم هذه في ازدياد حتى استتب الدين في تلك البلاد مع وجود دين البلاد القديم إلى يومنا هذا، فيما يسمى اليوم (إيران) وأنا لنجدهم والمسلمين منهم يحيون احتفالات دينهم القديم ومنها ما يعرف بعيد (النوروز). وأن مما يقوي هذه النقطة هو عدم قطيعته بجذوره فإنك تجد في مؤلف له هو ( جمهرة أنساب العرب) يذكر أنساب الفرس، فتعلم أنه لم ينقطع عن جذوره بل يحرص على ألا ينقطع باهتمامه هذا بأنساب الفرس، بل أنك لو قرت في طريقته في الحكم على أنساب العرب لوجدته أختط مسلك عجيب كمسلكي هذا الذي أسلكه في الكلام حول معتقده، لم يوافقه به أحد من نسابة العرب فعاج وماج في نسبهم.
وأصفو في هذه النقطة إلى أن كره ابن جزم هذا لم يدفعه إلى الإلحاد وأنه لم يرد كيدا بدين المسلمين، ولكن هذا الكره المحتمل أورثه خفة في الدين وقلة اكتراث به مما سهل عليه وضعه-أي الدين- موضع النقد ومن ثم الوصول إلى تزييفه بسهولة باستخدام آلة المنطق التي غالبا ما تقذف بأحبابها إلى الشك في الدين.
_ عدم اكتراثه بالدين، لم يكن لابن حزم في صدر شبابه اهتمام بالعلوم حتى جاء اليوم الذي تغيرت فيه حياة ابن حزم بالكلية. حدث ذات يوم أن مات أحد أقربائه فدخل المسجد قبل صلاة العصر ليصلوا على الميت فجلس ابن حزم من غير أن يصلي ركعتين قبل الجلوس فقال له أحد من في المسجد :'قم فصلي ركعتين' ثم صلى العصر وذهبوا لدفن ميتهم ثم عادوا قبيل صلاة المغرب فدخل ابن حزم المسجد فهم أن يصلي ركعتين فقال له أحد الحضور:'اجلس فلا تصل فليس هذا وقت صلاة' فتحير ابن حزم من هذا الكلام وكان عمره وقتها ستة وعشرين سنة فذهب بعد صلاة المغرب إلى مربيه الذي كان يحفظه القرآن وهو صغير فاشتكى له ما جرى فأرشده مربيه إلى تلقي العلم ومدارسته فأقبل ابن حزم من يومها على دراسة العلوم الشرعية وكان ذا فطنة وذكاء شديدين وعقل يستوعب بسرعة عجيبة . (انظر في كتب السير)<?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" />
هذه تثبت ما قلنا عن عدم اكتراثه، فهو لم يعلم عن دينه ما لا يخفى على الصبية من أوائل معارف الدين، وهو في السادسة والعشرين من عمره ولا يهتم بالدين إلى لتجهيل الناس له وهو الفطن الشديد الذكاء، فوضح أنه تعلم العلوم الدينية اعتدادا بنفسه وكراهة أن يُرمى بالجهل فيما لا يجهله الناس، بل وبرع فيه حتى يكون الأفضل ولكن هذا الإطلاع جاء بعد أن رسخت في نفسه علوم المنطق فأصبحت كالكاشف تعرض كل ما يأتيها من هذه العلوم الجديدة للفحص والامتحان، فبان له ما لم يبن لغيره فآثر الإلماح على الإفصاح للأسباب التي ذكرت سابقا.
_ تفننه في علوم أخرى غير الدينية، برع ابن حزم في فنون متعددة- على رأسها علم المنطق والطب والفلك- وساعده على ذلك قدرته الفائقة على التحصيل وتسيير المادة العلمية له بسبب ثرائه ومكتبة والده الكبيرة حافلة بالكتب النفيسة التي ورثها كلها وكان أبوه من المهتمين بالعلم (أنظر سيرته في مظانها) وقد أسلفنا ما لعلوم الدنيا في التأثير على التوجهات العقائدية عند أصحابها، ويمكنك أن تجد أمثلة في ابن سيناء وأضرابه من أهل علوم الدنيا والفلسفة، وقد تجد ضالتك في علماء إسلاميين تخبطوا بسبب تلك العلوم التي مزجوها بالدين ظنن منهم إلى التوفيق بين علوم الدنيا والفلسفات اللإنسانية من جهة والدين من جهة أخرى، وما محاولات التوفيق هذه إلى شهادة منهم على علو هذه العلوم وصعوبة التخلي عنها لمخالفتها لنصوص الدين. فحاولوا التوفيق فانتهى بهم الأمر إلى الاختيار بين الدين والعلوم. وإنا لنرى هذا التخبط في كتب أبو حامد الغزالي مثل (المنقذ من الضلال) و(تهافت الفلاسفة) وإنّا لنراه في قول إمام الحرمين الجويني "ها أنا ذا أموت على عقيدة أمي" وقول الفخر الرازي الطبيب في صدر من بيت شعر له "وآخر إقدام العقول عقال"
_ الثراء ورغد العيش، إن رغد العيش والثراء الذي يمكنا صاحبها من الوصول لما تتلذذ بها النفس بيسر وسهولة تفرض على صاحبها سؤال تطرحه هذه النفس التي جبلت على تحقيق الرغبات، لم يحال بيني وبين ما أرغب به من نساء وخمر وغناء وعزف؟! فتكون رغبة بقاء تلك المتع دافع للتدقيق في القضايا التي قد تحرمهم، والتمني لو أنها لا تصدق وهذا يغريهم بمزيد من البحث، كما فعل صاحبنا ابن حزم الذي عرف عنه الثراء فهو وزير وابن وزير ولا يغرنك قصة سجنه فهو خرج منه للوزارة مرة أخرى، ولا يغرنك إعتزالة فقد أعتزل إلى ضيعة أو إقليم كان يملكه مليء بالبساتين، ولعلنا نرى في قضية المعازف التي أجازها ونافح عنها وأصبحت حججه مرجع لا غنى عنه للمبيحين في عصرنا هذا، آثار هذا الولع بالملذات والحنين لها، ولعلنا نلحظ في كلامه عن الحب وتساهله في على خلاف علماء المسلمين- كما حكم عليه ابن قيم الجوزية في كتاب روضة المحبين- حنينا لأيام مضت!
إن رجلا مثل ابن حزم جمع بين كونه عجمي، متفنن في علوم الدنيا والفلسفات الإنسانية، ذو منصب وجاه وثراء وعيش رغيد ممكن من ملذات الحياة ومتعها، عاش شطر شبابه الأعظم غير مكترث بالدين، تعرض فرضية إلحاده والترويج له للنقاش والتأمل أو ينظر لها بعين شاعر.
إن الخطة التي اختططتها نفسي لتدعيم فرضية إلحاد ابن حزم لا تقل عجبا عن الفرضية نفسها بوصفه- ابن حزم- بالملحد أو بالمروّج للإلحاد، فكذا هي الفروض الغريبة تضطرنا إلى مسالك لا تقل عنها غرابة لتدعيمها. فلا ننس أن ابن حزم تربى وترعرع في محيط مسلم لن يتوانى في قمع أي فكر معاد للدين، ولو عرفنا أن ابن حزم وزير وبن وزير لعرفنا أن سقطة مثل هذه إن لم يحسن إخفائها ستجد الكثيرين ممن يطمحون لمكانته من المنافسين الذين لن يترددوا في استغلالها.
قد أوردنا سلفا لتدعيم فرضيتنا مثال من الواقع وهي سيرة مبتسرة لتحولي من التدين إلى الإلحاد، وقد أتبعتها بمحطات في سيرة ابن حزم تدعمها وكنت قد وعدت أن أضيف عنصر ثالث لهما وهو الاستشهاد بمؤلفات ابن حزم نفسه. وكما قلت لا يُتصور أن نجد له دعوة إلى الإلحاد ورفض للدين- أقصد الدين الإسلامي لأن كل ما سواه قد أعلن رفضه له صراحة- ولكن بالإلماح عوضا عن الإفصاح أو بما يسمى دليل الخطاب، وأقوى الطرق التي نراه قدسلكها هذا العالم الهمام هو عرض تناقض الوحيين وفضحه بنية الدفاع الكاذب عنهما. فتراه يذكر القضية ويحكم فيها بحكم الوحي ويصر أن هذا هو حكم الله فيها ثم يضع حلولا على الكيفية التي قد يكون عليه هذا الحكم فيبطل جميع الحلول ويبقي على حل واحد لو انتفى لتناقض الوحي مع صريح العقل ثم يتركنا وهذا الحل الذي ارتضاه بغير تدعيم منه بل يترك التصديق بالوحي وحد ه برهانا على هذا المخرج. هكذا هو ابن حزم يتركنا في حيرة من أمرنا في كثير من القضايا التي تمس الدين وكأنه يقول ها كم المعطيات كلها عندكم فتدبروا يا أولي الألباب. أم على عقول أقفالها.
ولعلي أضرب مثالا واحدا هنا للاختصار، وقد تسنح لي الفرصة يوما فُيمن علينا بفسحة من الوقت وهدوء البال فنطلعكم على الكثير مما تخفيه كتب ابن حزم هذا بين سطورها.
المثال: مسألة الإجماع
قال أبو محمد ابن حزم الظاهري في قضية الإجماع وهي القضية المختارة كمثال: بدأنا بالإجماع لأنه لا اختلاف فيه فنقول وبالله تعالى التوفيق أنه لما صح عن الله عز وجل فرض اتباع الإجماع بما ذكرنا وبقوله عز وجل: ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ) وذم تعالى الاختلاف وحرمه يقوله تعالى: ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) وبقوله تعالى: ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) ولم يكن في الدين إلا إجماع أو اختلاف فأخبر تعالى أن الاختلاف ليس من عنده عز وجل فقال تعالى: ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) فصح ضرورة أن الاجتماع من عنده تعالى إذ الحق من عنده تعالى وليس في الدنيا إلا إجماع أو اختلاف فالاختلاف ليس من عند الله تعالى فلم يبقى إلا الإجماع فهو من عند الله تعالى بلا شك ومن خالفه بعد علمه به أو قيام الحدة عليه بذلك فقد استحق الوعيد المذكور في الآية.
أقول: هنا نراه يؤسس للمسألة حكما شرعيا-وهي الخطوة الأولى- مستدلا بوحي القرآن: 1- ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ) دلالة على وجوب الاتباع. 2- ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) وبقوله تعالى: ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) دلالة على ذم التفرق. 3- ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) ولم يكن في الدين إلا إجماع أو اختلاف فأخبر تعالى أن الاختلاف ليس من عنده عز وجل فلم يبقى إلا الإجماع فهو من عند الله تعالى بلا شك.
الخطوة الثانية هي التهديد والوعيد على من خالف حكمه، تثبيتا لأن هذا هو الحكم لا غيره، حتى لا يجد النا في للتناقض مفرا للخروج منه عن طريق إسقاط الحكم نفسه (أسلوب تضييق الخناق)
ومن ثم بعد أن ضيق الخناق وأثبت ألا حكم تدل عليه الآيات إلا الحكم الذي ارتضاه، تأتي الخطوة الثالثة حيث يضع الصور المحتملة لهذا الحكم ويجزم بأن لا غيرها يتصوره العقل
قال ابن حزم في العصر الذي يصح إجماعه: [وذلك بعد استبعاده لفرض رابع كليا وهو إجماع الأمة في كل العصور حيث قال: فنظرنا في هذا الإجماع المفترض علينا إتباعه فوجدناه لا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما أما أن يكون إجماع كل عصر من أول الإسلام إلى انقضاء العالم ومجيء يوم القيامة أو إجماع عصر دون عصر فلم يجز أن يكون الإجماع الذي افترض الله علينا إتباعه إجماع كل عصر من أول الإسلام إلى انقضاء العالم لأنه لو كان ذلك لم يلزم أحدا في الناس اتباع الإجماع لأنه ستأتي أعصار بعده بلا شك فالإجماع إذن لم يتم بعد وكان يكون أمر الله تعالى بذلك باطلا وهذا كفر ممن أجازه إذا علمه وعاند فيه فبطل هذا الوجه بيقين لا شك فيه ولم يبقى إلا الوجه الآخر وهو أنه إجماع عصر دون سائر الأعصار]
ثم قال: أما أن يكون ذلك العصر هو: 1-عصر من الأعصار التي بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم 2-أو يكون عصر الصحابة فقط 3-أو يكون عصر الصحابة وأي عصر بعدهم أجمع أهله أيضا على شيء فهو إجماع.
ثم الخطوة التي تليها وهي تفنيد جميع الصور إلا واحدة. فيقول في الصورة الأولى: فنظرنا في القول الأول فوجدناه فاسدا لوجهين برهانين كافيين أحدهما أنه محمد على أنه باطل لم يقل به أحد قط والثاني أنه دعوى بلا دليل وما كان هكذا فهو ساقط بيقين لبرهانين أحدهما قوله تعالى: ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) فصح أن كل من لا برهان له فليس بصادق في دعواه والثاني أنه لا يعجز مخالفه عن أن يدعى كدعواه فيقول أحدهما هو العصر الثاني ويقول الآخر بل الثالث ويقول الثالث بل الرابع وهذا تخليط الإخفاء به فيسقط هذا القول والحمد لله . وقال في
الصورة الثانية: فنظرنا في هذا القول الثاني وهو قول من قال إن أهل العصر الذي إجماعهم هو الإجماع الذي أمر الله تعالى بإتباعه هم الصحابة رضي الله عنهم فقط فوجدناه صحيحا لبرهانين أحدهما أنه إجماع لا خلاف فيه من أحد وما اختلف قط مسلمان في أن ما أجمع عليه جمع الصحابة رضي الله عنهم دون خلاف من أحد منهم إجماعا متيقنا مقطوعا بصحته فانه إجماع صحيح لا يحل لأحد خلافه والثاني أنه قد صح أن الدين قد كمل بقوله تعالى: ( اليوم أكملت لكم دينكم ) وإذ قد صح ذلك فقد بطل أن يزاد فيه شيء. وقال في
الصورة الثالثة: ثم نظرنا في القول الثالث وهو أن إجماع الصحابة إجماع صحيح وأن إجماع أهل عصر ما ممن بعدهم إجماع أيضا وان لم يصح في ذلك عن الصحابة رضي الله عنهم إجماع فوجدناه باطلا لأنه لا يخلو من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها..إلخ (أنظر كتابه النبذ)
أقول، لقد أبطل ابن حزم جميع الصور والأوجه التي قد يحمل عليه الحكم إلا وجه واحد وهو إجماع الصحابة ولكنه لم يناقش قضية إمكان وقوع أو العلم بإجماعهم!! ولكنه على الخلاف يترك لك ما يحيرك في حقيقة إمكان وقوع هذا الإجماع أو العلم به.
أنظر ما يقول ابن حزم في قضية العلم بفتوة لصحابي وعدم وصول رأي مخالف بأنه إجماع:
فليتق الله تعالى كل أمريء على نفسه وليفكر في أن الله تعالى سائل سمعه وبصره وفؤاده عما قاله مما لا يقين عنده به ومن قطع على إنسان بأمر لم يوقفه عليه فقد واقع المحذور وحصل له الإثم في ذلك فان قيل هم أهل الفضل والسبق فلو انكروا شيئا لما سكتوا عنه قلنا وبالله تعالى التوفيق، هذا لو صح لك أنهم كلهم علموه وسكتوا عليه وهذا ما لا سبيل إلى وجوده في قول قائل منهم أبدا لأن الصحابة رضي الله عنهم تفرقوا في بلاد اليمن ومكة والكوفة والبصرة والرقة والشام ومصر والبحرين وغيرها فصح أن من ادعى في قول روى عن بعض الصحابة أما من الخلفاء أو من غيرهم أن جميعهم عرفه فقد افترى على جميعهم بلا شك وإنما يقطع على إجماعهم فيما يرى أنهم عرفوه كالصلوات الخمس وصيام شهر رمضان والحج إلى الكعبة.
أقول، في البداية يقول الإجماع حجة، ويحكم على صورة منه بأنها الحق ثم يعرض هذا الصورة للنقد: وهي استحالة معرفة إجماع الصحابة وقد تفرقوا في بلاد اليمن ومكة والكوفة والبصرة والرقة والشام ومصر والبحرين وغيرها، على أن الفتيا لم ترو إلا عن مائة وثمانية وثلاثين منهم فقط وهم أريد من عشرين ألفا فبطل ما ظنه أهل هذا القول بلا تحصيل
وبهذا القول نفسه أستدل الإمام الشوكاني على بطلان الإجماع الذي أصر ابن حزم أن الوحي يدل عليه وبالويل لمن خالفه!!!
هذا وأقول لا يأخذنكم الحديث والتنقل بين فقرات المقالة فتغفلوا عن كونه لا يتجاوز الفرض نرضى منكم حيالة بنظرة شاعر
الكاتب: RASEL الأثنين 29 أغسطس, 2005
|