|
أديان أخرى
|
|
كتـب القبطـان
|
|
السبت, 28 فبراير 2004 00:00 |
|
برأيي أن الدين "الفطري" الذي يتبعه الانسان فيما لو تجنب تأثير الديانات الكبيرة، أو الفكر العلماني المعاصر، هو الوثنية بدون شك. وما يقال عن عودة الانسان الى الدين في ساعات الخوف أو الموت، هو عودة الى ذلك الدين الوثني. فنرى التمتمة بالكلمات السحرية وممارسة الطقوس من صلوات وأدعية، والتضرع الى الشفعاء من أجداد أو قديسين أو أولياء..
والوثنية هي "الأقرب الى القلب" من كل الطقوس والممارسات الدينية المختلفة. ففيها تتجلى أعمق المشاعر الانسانية في محاولتها للتعامل مع الطبيعة وما وراءها.
فنرى الخوف من غضب الآلهة واسترضائها بالأضاحي والنذور، أو استخدام الرقية أو التعاويذ لابعاد الأذى من الحسد والعين، أو الصلاة والدعاء للشفاء من مرض عضال، والتضرع لانجاح الزرع أو انزال المطر أو النجاح في الامتحان.
ولذلك فلا عجب إذا رأينا الوثنية تظهر من كل ثنايا الأديان المعروفة، بل وكل النظم الفكرية الأخرى، مهما تكن لادينية. فالتوحيد، أو المفاهيم المجردة عن الاله المطلق القدرة وكامل العدالة أو المحبة، هي فقط قشرة رقيقة لا تغطي البركان الوثني المتأجج تحتها. فالاله "المجرد/المطلق" بعيد وصعب الوصول. بينما الوثن قريب، ملموس، يعطي وجودا شعوريا يمكن التعامل معه. ليس للروح التي تكمن الوثن تلك القوة المجردة، ولكن بقربها من نفس المؤمن وتفهمها لحاله يمكنها أن تساعده بشكل مباشر. وإلا لما رأينا تقديس قبور الأولياء، أو التضرع لمريم العذراء (وهي ليست الاله وليس لها قدراته، ولكن العواطف تتجه نحوهاللشفاعة والمساعدة بشكل يزيد في معظم المجتمعات الكاثوليكية عما يحظى به المسيح).
طبعا هذا لا يعجب "التجريديين" من فلاسفة الأديان الذين يسهرون على نقاء الدين من مثل هذه الشوائب. فيحاولون من وقت لآخر العودة الى "الاصول"، لازالة هذه "الخرافات" و"الشعوذات" والممارسات الخاطئة. ويبنون فلسفات في شدة التعقيد لاصباغ صورة منطقية "مجردة" على دينهم بعيدة عن تلك الوثنية التي لا يستسيغونها. ولكن الوثنية لا تختفي ولا يمكن أن تزال بهذه البساطة، فالأديان التوحيدية وكتبها المقدسة مليئة بالتفكير السحري والطقوس الوثنية. والناس في الممارسة سوف يعودون الى التفكير الوثني في أقرب فرصة. وهذا ليس صدفة، بل إن التفكير الوثني هو "جوهر" التفكير الديني والغيبي. ما هي الوثنية؟ مثل معظم التعريفات والتصنيفات، قد نخرج بعد محاولة تعريف الوثنية بأن جميع الأديان المعروفة وثنية. أو قد نستنتج العكس بأنه لا توجد أديان وثنية على الاطلاق. في كلا الحالتين يكون المفهوم قد فقد قدرته على "التمييز"، أي إذا انطبقت صفة ما على جميع الأشياء فمن الممكن اختصارها وعدم ذكرها لأنها مضمونة بسبب شمولها.
على كل سأحاول التعريف.. أعتمد في تعريفي على مبدأ ".. ليقربونا إلى الله زلفى.."، أي أن الأوثان هي وسائل تقرب من عالم الغيب.
سأركز على تعبير الوثنية الإسلامي بالدرجة الأولى، بمعنى أن الوصف الذي نعرفه لدين العرب في الجاهلية هو أنهم كانوا يعبدون الأوثان (أو الأصنام). بينما لا يبدو لي هذا التعبير عند قراءتي للمصادر المسيحية بالانكليزية، هناك تعبير paganism الذي يدل على يدل على الديانات قبل المسيحية في أوروبا وما يشبهها، هناك تعبير animism الذي يستخدم لوصف الديانات الأفريقية (التعبير العربي الدارج هو "عبادة الطبيعة"، الأدق ربما "روحانية الطبيعة").
يبدو لي أن دين العرب في الجاهلية هو أفضل ممثل لما يمكن أن نطلق عليه اسم الوثنية، فمنه نشأ التعبير الاسلامي. والمثال المعاصر لهذا النوع من الأديان هو الهندوسية. والشبه يبدو هائلا بين الهندوسية وديانة عرب الجاهلية، وقد رأيت مقالا يقول كاتبه أن عرب الجاهلية كانوا هندوسا.
ونظرا لخبرتي العملية بالهند وأهلها سأتحدث عما أعرفه عن الهندوسية. في الهندوسية نرى الأصنام بشكل واضح. ففي كل بيت، هناك زاوية يضعون فيها تماثيل لآلهتهم، ويتوجهون بصلاتهم الى هذه التماثيل، ونراهم يقدمون لها العطايا ( قرابين ) من الفاكهة والزهور، نراهم يلمسون هذه التماثيل ليتبركوا بها، يزينونها ويلونونها.
في الدين الهندوسي يوجد آلاف الآلهة (تتضارب الأرقام، ولكن أكبر رقم سمعته كان 400 ألف). ولكل منطقة أو مدينة آلهة مختصة بها، ولكل هذه الآلهة شكل يظهر في تماثيلها. ولكل إله رموزه الخاصة (حيوان معين، زهرة معينة، أشياء يحملها، ثياب معينة) و"اختصاص" معين.
السؤال الآن هو:
هل الهندوسية هي وثنية؟
حسب كل المنطق مما تعلمته في المدرسة عن قصص عرب الجاهلية، فالهندوس وثنيون إلى أقصى الدرجات. وإلا فكيف تكون الوثنية؟؟؟ ولذلك تفاجأت عندما سمعت في خضم قصة الطالبان وتدمير تماثيل بوذا في "باميان" على أنها أوثان، أن الهندوس في أفغانستان لن يصيبهم أي مكروه لأنهم "ذميون" ومن أهل الكتاب. فلم أفهم المنطق الذي يعتبر تماثيل بوذا أوثانا، بينما يستثني تماثيل الهندوس. ومعرفتي بالدينين لا تترك مجالا للشك بأن تماثيل الهندوس هي الأوثان، بينما تماثيل بوذا هي أقرب الى تماثيل القديسين في المسيحية. فيما بعد قرأت أيضا أن المجوس يعتبرون أيضا من أهل الكتاب (في ايران مثلا). ففهمت الطبخة.
فالمسلمون أعلنوا عرب الجاهلية وثنيين وقضوا عليهم. ولم يعتبروا في البداية غير اليهود والمسيحيين من أهل الكتاب. ولكن في خضم الفتوحات كانوا براجماتيين جدا. فأرادوا السيطرة على المناطق التي احتلوها والحصول على ثرواتها، فأعلنوا أهلها "كتابيين=ذميين". أي أنهم "أرادوا العنب وليس مقاتلة الناطور" كما يقول المثل. وتعريف الوثنية غير مهم إذا تعلق الأمر بالحصول على الخراج.
هل الهندوس وثنيون؟
إذا سألت الهندوسي لماذا يعبد الصنم، فهو سيقول طبعا أنه لا يعبد تلك القطعة من الخزف أو الحجر. بل يعبد ما وراءها. طبعا يسوءه أن يدنس أحد الرمز الديني (كأن يكسر التمثال)، ولكنه لا يتوقع أي قدرة خارقة في التمثال. وهو عندما يقدم العطايا (مثلا صحن مليء بالفاكهة) لهذه التماثيل، فهو يقدمها في الحقيقة للآلهة الغيبية.
تبقى قصة تعدد الآلهة. الهندوس يقدسون كما أسلفت آلاف الآلهة. ولكن ماذا يعني ذلك؟ إذا دخلت في نقاش فلسفي مع أحد الهندوس، فستدوخ في البداية لتعقيد "البانثيون"(مجمع الآلهة) الالهي عندهم. ولكن مع بعض المعرفة بقصة التناسخ، تكتشف أن كل هذه الآلاف المؤلفة إنما هي تجليات لعدد محدود جدا من الآلهة الأساسية (ربما عشرة). وهذه الآلهة الأساسية أيضا كلها تجليات للاله الأساسي "فيشنو". ولكن لكل من هذه التجليات ناحية معينة ركزت عليها. هل نحن أمام آلهة كثيرة أم أمام إله واحد وتجليات متعددة؟
برأيي الشخصي، ولم أتعمق في دراسة التاريخ الهندوسي لأؤكد ذلك. أن الاختلاف هنا مشابه جدا لما نراه في المسيحية والاسلام، بين الدين "الرسمي" المفلسف والمجرد الى حد كبير. والدين الشعبي، الذي لا يهتم بفلسفة البنية الغيبية، تهمه العلاقة المباشرة مع آلهته، ويستخدم لتحقيق ذلك الرموز المادية الوثنية. مستقبل الوثنية توضيح مالا يحتاج إلى توضيح: أنا لا أعتقد أن الوثنية هي أمر (جيد) أو أن من واجبي نشرها، على الاطلاق. ولكنني أراقب العالم حولي، فأرى أن الدول الغربية الحديثة فصلت الدين عن الدولة، ولم يعد من واجب الدولة الدعوة إلى دين معين أو تفضيل أتباعه عن غيرهم. كذلك نرى نتيجة أخرى من ذلك هي حرية ممارسة العقيدة لجميع الأديان والطوائف، وكذلك حرية الدعوة والتبشير للجميع. ولذلك نرى في الغرب الكثيرين ممن يغيرون دينهم إلى الأديان الشرقية (هندوسية أو بوذية) وكذلك إلى الاسلام أو إلى الأديان الاوروبية الوثنية (الدرويد) أو إلى الأديان الافريقية (فودو)، وكذلك نرى الأديان المبتدعة (ساينتولوجي، نيو إيج)، ناهيك عن عدد هائل من الطوائف المسيحية الحديثة (شهود يهوة، المعمدانيين، الميثوديست، المرمون).
والأهم من ذلك كله هو الشفافية التي تحدث بين هذه الأديان، فنرى أن نسبة 40% من المسيحيين الأوروبيين وأكثر منها من الأمريكان يؤمنون بالتناسخ وبأنهم قد عاشوا حياة قبل هذه الحياة. وهذا لا علاقة له بالعقيدة المسيحية، بل هو اقتباس من العقائد الهندية. ونرى رواد الفضاء يحملون معهم تعاويذ و"جالبات حظ"، ورؤساء أمريكيين يؤمنون بالتنجيم، واصبح اهداء "مانعات الأحلام" (من تراث الهنود الحمر) موضة دارجة، ونرى مبيعات هائلة في الغرب لأساور "فنج شوي" التي تزيد الطاقة الايجابية (مقتبس من التراث الصيني)... بمعنى أنه في عالم غير متزمت ومنفتح ولا يستخدم الحرب وسلطة الدولة لنشر الأديان، نرى العقائد الوثنية تخرج من جميع ثنايا المجتمع، ونرى الناس تختار عقائدها بحيث تشبع رغباتها وآمالها وتتجنب القلق والخوف. سأعود في مقال لاحق لتحليل البنية النفسية لدى الانسان التي تتسبب في ذلك، المهم الآن هو فقط تثبيت وجود هذه الظاهرة.
ولذلك أقول أن الوثنية هي دين الفطرة، وهي كما يبدو مستقبل البشرية كما كانت ماضيها. والتوجهات التوحيدية هي تفريعة في هذا الخضم الكبير. أنا قد أوضحت موقفي العقلاني والالحادي مسبقا. ولكنني أرى أن الانسان بحاجة إلى الاساطير، وليس من الممكن حرمانه منها بشكل كامل. ولكن يمكن استبدال اسطورة بأخرى. وكذلك من الممكن زيادة تقبله لأساطير الآخرين، بحيث لا يقتلهم إذا لم تتطابق مع اسطورته الخاصة. ماذا بعد؟ طبعا كثرة الأديان مربكة لمن يعتقد بوجود "حقيقة واحدة"، ولا أرى هناك مشكلة أخرى. من وجهة نظري فالأديان كانت لها دائما علاقة "بالبيع والشراء"، أي بمصادر السلطة والاقتصاد. والفرق عند كثرة الأديان هو في التوزيع. بينما تشكل الأديان الكبيرة (المسيحية، الاسلام، الهندوسية)، شيئا يشبه طبقة "ارستقراطية" لا تسمح بكثير من الحركة، إلا إذا تم قهر دولها بقوة السلاح، تعطي الأديان الصغيرة نوعا من "المنافسة" في العرض والطلب لاشباع الحاجات الانسانية عن معنى الحياة وتجنب الخوف والقلق. هذا يعني طبعا بعض الفوضى، وكذلك ربما انتشار الاحتيال وسوء الاستخدام. ولكن هذا طابع شائع للأديان الكبيرة أيضا.. روحانية الطبيعة - هناك تعبيرات أخرى مستخدمة لوصف معتقدات هذه الشعوب مثل "ديانات طبيعية"، أو "ديانات أفريقية"، لأن هذه الديانات لا تتطلب "العبادة" بالضرورة، بل أن جوهرها هو "العلاقة" مع الطبيعة. - تعبير "عبادة" كما نفهمه بالعربية يطغى عليه المفهوم الاسلامي، حيث أن هذه الكلمة مشتقة للتدليل على الرق (ملكية السيد للعبد=عبودية)، أي بشكل عام علاقة غير متكافئة على الاطلاق بين إله مطلق القدرة وبين انسان هدف حياته هو تنفيذ تعليمات هذا الاله وتبجيله.
- بينما العلاقة مع أحد الآلهة في ظل وجود تعدد للآلهة هي أقل "جدية"، لأن كل إله منها ليس مطلق القدرة أو المعرفة، بل محدود باختصاصه، ويمكن استرضاؤه أو الاحتيال عليه، أو "الاستقواء" ببعض الألهة ضد أخرى..الخ وهذا ينطبق بشكل أكبر على الديانات الطبيعية، لأن الأرواح التي تقطن في الأشجار أو في الغابات ليست مطلقة القوة أو المعرفة، والعلاقة بينها وبين الانسان قد تأخذ أشكالا متعددة. فهناك الصداقة (تقديم هدايا، حماية الغابة) من أجل الحصول على ثمار وفيرة أو صيد جيد، وهناك تقديم الاضاحي مع الخوف من الانتقام في حال قطع الشجرة. ولكن هناك أيضا "تهديد" الروح التي تسكن الشجرة مثلا بالقطع، إذا لم تجلب ثمارا وفيرة. وهناك خداع تلك "الروح"، حيث يتم الهاؤها بشيء ما لكي تترك الشجرة، قبل أن يتم قطعها.
ومفهوم الروح يختلف حسب المجتمعات، من مجرد افتراض "الوعي" في الجمادات بحيث تتأثر بالتصرفات الانسانية (تقديم الهدايا، الكلام) والمقدرة على التصرف بشكل "مقصود" تجاه الانسان (الغضب والانتقام)، إلى تصور وجود روح قادرة على التنقل (مثلا بشكل غمامة أو ظل) من شجرة إلى أخرى وتستخدم الجماد فقط "كمكان لسكنها".
القبطان
|