|
بوذا ومهاويرا-اللادينية كثورة أخلاقية
|
بوذا ومهاويرا-اللادينية كثورة أخلاقية |
|
|
|
|
أديان أخرى
|
|
كتـب الغريب المنسي
|
|
الخميس, 05 أغسطس 2004 00:00 |
بداية أحب أن أشير إلى أن الحديث هنا موصول بحديث سابق تحت عنوان "الوميض الأول الخافت للفكر اللاديني من مصر الفرعونية"تحت بند اللادينية بالمنتدى حيث القصد هو التأكيد على أن الفكر اللاديني هو ظاهرة إنسانية عامة عرفت شرقا وغربا(غير مرتبطة بالغرب تحديدا من حيث النشأة)
وتعود في بداياتها إلى أقدم العصور ولايمكن الحديث عنها فقط في إطار رد الفعل العلماني على العلاقة المقيتة بين الناس والكنيسة في العصور الوسطى من تاريخ الغرب أو فقط من خلال التطبيق السوفيتي ودول المعسكر الإشتراكي السابقة للماركسية الملحدة وما صاحبها من إضطهاد مرفوض مني بالطبع للمتدينين … وما يتبع ذلك من حديث بوصم الفكر اللاديني بالتآمر تحت عباءة الماركسية تارة وتحت الصهيونية تارة أخرى بما يمثل تعمدا لتلويث هذا الفكر بتعميم نظرية التآمر عليه وقلت في السابق أن توظيف التيارات الدينية كان واردا شأنها في ذلك شأن الماركسية اللادينية بيد ساسة قصدوا من وراء ذلك خدمة مصالح دولهم الإستعمارية فالأتراك العثمانيين شأنهم في رفع راية الإسلام لتبرير توسعاتهم الإستعمارية شأنهم كشأن الصليبيين المسيحيين الغربيين الذين رفعوا رايات الجهاد المسيحي المقدس لتبرير هجماتهم الهمجية على الشرق وِشأنهم كشأن الذين برروا ولا زالوا للصهاينة عدوانهم الغاشم على فلسطين والمتمثل في دعم دولة الكيان الصهيوني الغاصب قديما وحديثا بإسم التوراة لإخفاء مصالحهم السياسية الحقيقية للهيمنة على مقدرات الشعوب العربية … ولم يكن الإسلام نفسه بنظري في مجمله على يد محمد إلا غطاءا مقدسا لقيام الدولة القرشية ثم توسعها بعد ذلك شرقا وغربا على حساب الفرس والرومان وغيرهم في مطلع العصور الوسطى جريا على سنة الساسةالأقدمين في تدجين شعوبهم ببث عقيدة الحكم الإلهي في صورة الملك الإله ..الملك النبي..الخ لضمان ولاء الشعوب للسلطة الحاكمة وكم من أساطير مختلقة دبجها الكهنة للتأكيد على قداسة الملوك وحقهم الإلهي في الحكم المطلق منذ أقدم العصور!
و حديثنا هنا عن صفحة من صفحات الفكر اللاديني في العالم القديم دارت أحداثها في الشرق في القرن السادس قبل الميلاد وهوالقرن الذي مثل كما يبدو لي بدايات حقيقية لفكر لاديني متحرر تمرد فيه العقل البشري على الخرافات الدينية تارة وعلى إستغلال الشعوب بإسم الدين تارة أخرى وكان ذلك في الشرق والغرب على السواء . والحديث هنا عما قام به الهنديان "وردهاماتا" أو "مهاويرا"(599_527 ق.م) كما يسميه مريديه من أتباع الديانة الجينية و"سذهاتا" أو "جوتاما" أو "بوذا" والإسم الأخير هو الذي اشتهر به بين أتباع البوذية (563_483ق.م) ما قاما به من تمرد فكري على الظلم الطبقي الهندوسي أطاحا بمقتضاه ولفترة قصيرة بالإيمان بتلك الآلهة الهندوسية عند أتباعهم فرفض "مهاويرا" فكرة وجود الإله خالق الكون من الأساس بينما رفض "بوذا" الحديث عن ذلك الإله باعتبار ذلك أمرا لايمكن التأكد منه وهو بالتالي غير مجدي! ويحسن بنا أن نمر سريعا على الأفكار العامة والرئيسة للديانة الكبرى بالهند ألا وهي الهندوسية لنفهم من خلالها ماقام به كلا من "بوذا" و"مهاويرا" من تمرد على الهندوسية! فلقد تعرضت الهند حوالي عام 1800 ق.م ومن جهة الغرب إلى هجرات وغزوات قام بهاالآريون(بمعنى النبلاء) البيض المنحدرون من أواسط آسيا أو جنوب أوروبا كما تعرضت من الشرق ومنذ آلاف السنين إلى هجرات ما يسمى بالشعوب الصفراء (التورانيين) وامتزج هؤلاء وأولئك بأغلبية السكان الأصليين لتبقى أقلية غير ممتزجة ومنبوذة عرفت بفئة "المنبوذين"… وسادت الهند منذ القرن الخامس عشر ق.م و حتى القرن الثامن ق.م عبادات مثلت قوى طبعية عديدة كأرواح الحيوانات والأشجار والأحجار..الخ وهي خليط من آلهة محلية هندية تنتمي إلى سكان وادي السند(أصحاب الحضارة الهندية الأصيلة في شمال الهند حول نهر السند مابين حوالي ما قبل 3000 ق.م_2000 ق.م) كالإله "سيفا" إله الغابات والوحوش وآلهة آرية جلبها الآريون معهم كالإله"وارونا" إله السماء و"إندرا" إله الرعد و"أغني" إله النار ..الخ سادت تلك العبادات في ظل حكم قروي آري حكمت كل قرية من خلاله حكما مستقلا بواسطة ملك يسمى "راجا"لما يقرب من ألف عام..شهدت خلالها هذه المرحلة ظهور المتعلمين المتجولين بين القرى كمفكرين وأدباء وشعراء ينشرون أفكارهم ومبادئهم بين القرى . ولقد قسم الحكم الآري الهنود تقسيما عنصريا صارما إلى عدة طبقات حرم بينها الإختلاط والتزاوج وذلك بالإستناد إلى إحساس الآريين بالتفوق العنصري على السكان الأصليين فجعل الآريون من أنفسهم أرقى هذه الطبقات وأعلاها متمثلة في البراهمة"الكهان" تليها في المكانة طبقة الكشتاريا(الجنود) وهاتان الطبقتان من الآريين لذا فهما طبقتان متميزتان ثم طبقة التجار والصناع (الويشا) من التورانيين ثم طبقة دنيا هي الشودرا (الخدم والعبيد) وقوامها الهنود الأصليين الذين اتصلوا بالتورانيين أما الهنود الذين لم يجري في دمهم دما تورانيا أو آريا(زنوج الهند) فهم في منزلة الحيوان ويسمون بالمنبوذين وهم محرومون من التدين الهندوسي وتوضح شرائع"منو" (حوالي القرن الثالث ق.م ) والتي قدمت شروحا للفيدا ( الكتاب المقدس الرئيس لدا الهندوس) توضح لنا مكانة وإختصاصات كل طبقة من هذه الطبقات.. تتحدث تلك الشرائع عن البراهمة(الكهان)/ الآريون/الغزاة المنتصرون مثلا فتقول:"إذا ولد براهمي وضع في الصف الأول من صفوف الدنيا" &" يقوم البراهمة بدراسة أسفار الفيدا وتعليمها وتبريك تقديم القرابين التي لا تقبل من الناس إلا عن طريقهم "&"البراهمي محل لإحترام جميع الآلهة بسبب نسبه وحده , وأحكامه حجة في العالم والكتاب المقدس هو الذي يمنحه هذا الإمتياز"&"كل ما في العالم ملك البراهمي.وللبراهمي حق في كل موجود"&"لا يدنس البراهمي بذنب ولو قتل العوالم الثلاثة" & "لا ينبغي للملك أن يجبي خراجا من برهمي عالم بالكتاب المقدس ولو مات الملك محتاجا.ولا يجوز أن يصبر على جوع برهمي في ولايته" & " وليتجنب الملك قتل البراهمي ولو اقترف جميع الجرائم .." & " والبرهمي إذا ما افتقر حق له أن يمتلك الشودري(الخدم والعبيد) الذي هو عبد له من غير أن يجازيه الملك على ما فعل , فالعبد وما يملك لسيده"..وهنا نجد هذا البرهمي شبيه في نظرته لغيره من فئات مجتمعه بنظرة التوراة العنصرية المقيتة لشعب "بني إسرائيل" المختار من الرب الذي أباح له ربه باقي شعوب الأرض كحيوانات له!!أما الأكشترية (الجند) الطبقة التالية للبرهمة في الإمتيازات وهي من الآريين أيضا فهم الجنود والذين يحرم عليهم حتى في أوقات السلم الإشتغال بغير الجندية ومنهم يصطفى الملك (فيما يبدو إعتزازا بشرعية الغزو الآري ) تليها طبقة الويشية (التجار والزراع) من التورانيين ثم تحدثنا تلك الشرائع العنصرية الرهيبة عن طبقة الشودرا (الخدم والعبيد) فتقول:"يجب على الشودري أن يمتثل إمتثالا مطلقا لأوامر البرهمة.." &" لايجوز للشودري أن يجمع أموالا زائدة ولو كان على ذلك من القادرين, فالشودري إذا جمع مالا آذى البراهمة.." & "ويجب نفي إبن الطبقة الدنيا الذي تحدثه نفسه بأن يساوي رجلا من طبقة أعلى من طبقته وأن يوسم تحت الورك" &" وتقطع يده إذا علا من هو أعلى منه بيده أو بعصاه , وتقطع رجله إذا رفسه برجليه" & " وإذا ما دعاه باسمه أو بإسم طائفته بدون تقدير أدخل إلى فمه خنجر محمي متلوث النصل طوله عشرة قراريط" & "ويأمر الملك بصب الزيت الحار في فمه وفي أذنيه إذا بلغ من الوقاحة ما يبدي به رأيا للبراهمة في أمور وظائفهم". وتكريسا لهذا الظلم الطبقي بإسم المقدس الديني!! تحدثنا تلك الشرائع عن أن "برهما" إله الهندوس الرئيس قد"..خلق البرهمي من فمه , والكاشتريا من ذراعه , والويشا من فخذه , والشودرا من رجله, فكان لكل من هذه الطبقات منزلته على هذا النحو " و الناظر في أمر هذه الشرائع العنصرية المقيتة سيجدها الأم البعيدة لنظام بريتوريا العنصري الأوروبي الأبيض السابق في جنوب إفريقية و للإستعلاء النازي الألماني الذي نسب نفسه هو الآخر لسيد الأجناس (الجنس الآري المتفوق!!!) مستلهما فلسفة الألماني نيتشة عن الإنسان الأعلى صاحب القوة المطلقة وصاحب الحق المطلق في قهر كل ما دونه من أجناس البشر ! نعود لسياق حديثنا فنقول أن طبقة البراهمة الآرية قد شرعت في تدوين الفيدا وتأويلها "سمي هذا التأويل بالبراهمانات" منذ القرن الثامن ق.م وكونت مذهبا دينيا متميزا نوعا ما عن المرحلة البدائية السابقة عليه هو" البرهمة" كرسوا بمقتضاه النظام الطبقي الذي تحدثنا عنه ليحولوا بينهم وبين السكان الأصليين بما يعد البداية التاريخية لما يعرف بالديانة الهندوسية تلك الديانة التي تعد تراكما معرفيا هائلا لثقافة وعادات الهنود عبر تاريخهم الطويل ثم استمروا في تلخيص الفيدا إلى أسفار مقدسة هي "الأوبانيشادات" منذ القرن السادس ق.م إلى ما بعد الميلاد بقرون ولقد تميزت المرحلة ما بين القرنين الثامن و السابع ق.م بإنتقال الحكم الآري من مرحلة القرى إلى مرحلة المدن حيث تأسست بعد ذلك دولتا كوسالا وماجادا في القرن السادس ق.م .. ولقد عرفت الهندوسية عددا من الكتب المقدسة معظمها مجهول الأصل ومؤلف على مراحل زمنية متعاقبة بمعرفة عدة أشخاص أهمها "الفيدا" و"المهابهارتا" و"الرمايانا" و"يوجاواسستها" و"الكيتا". أما بخصوص آلهة الهندوس فهي ديانة تعددية بالأساس تعج بالكثير من الآلهة والتي تمثل كل ما هو نافع وضار لهم مما حولهم من مظاهر الطبيعة وأهم تلك الآلهة التي وردت بالفيدا:"فارونا"/السماء&"إندرا"/الهواء&"أغني"/الأرض إلا أنهم وفي حوالي القرن التاسع قبل الميلاد ومنذ ذلك الحين قد عبدوا إلها خلعوا عليه نظريا لا عمليا صفة الوحدانية في ثلاثة أقانيم (برهما": الموجد/"فشنو":الحافظ/"سيفا":المهلك) وبرهما(ومنه سمي الكهنة بالبرهمة) هو الإله الأزلي الموجود بذاته والذي لاتدركه الحواس والذي أوجد العالم من ذاته ونسبوا لبرهما هذاقصة مفصلة عن خلق العالم تسيطر عليها أجواء شبيهة بأجواء قصة الخلق بسفر التكوين التوراتي وردت على نحو مفصل بكتاب "شرائع منو" المشار إليه سابقا. وتقول الهندوسية بفكرة "الكارما" : وهي الجزاء فالكون كله يخضع لنظام صارم العدالة وعليه فلابد لكل عمل إنساني خيرا كان أم شرا أن يقابله الجزاء الأوفى وفي حالة ما إذا مات الإنسان ولم يتلقى الجزاء عن بعض أعماله خيرا كانت أم شرا وكانت نفسه ما تزال متعلقة ببعض الشهوات الحياتية…. تحتم أن تتحقق عدالة "الكارما" ب "التناسخ": من خلال حلول روحه بعد الموت في جسد آخر إنسانيا أو حيوانيا في دورة واحدة أوعدة دورات حياتية حلولية منفصلة تعتبر كل دورة منها كيانا منفصلا تماما عن سابقتها فلا تذكر الروح شيئا في كل دورة عن الدورات السابقة لها وتستمر تلك الدورات في التكرار إلى أن تتحقق الكارما فتستوفي روح الإنسان الجزاء كاملا عن كل أعمالها وتصبح نفسه خالية تماما من التعلق بأية شهوة .. عندها يتحقق ما يسميه الهندوس ب"الإنطلاق": حيث تتحد الروح ببرهما وهي بمثابة الجزء منه ليتوقف بذلك التناسخ. وهذا الإنطلاق هو قمة مايرنو إليه الهندوسي لذا فلقد نظر الهندوسي إلى الجسد وشهواته باعتبارهما أساس لكل الشرور فالجسد بشهواته يحول بين الهندوسي وبين الإنطلاق لذا فقد آل أولو العزم من الهندوس على إرهاق الجسد برياضات بدنية شاقة من صوم وحرمان وسهر لتحرير هذا الجسد من شهواته . وفي هذا السياق يتحدث كتاب "يوجا فاسستا"( أحد أهم كتب الهندوس المقدسة) عن شقاء الإنسان في هذه الحياة وما فيها من شهوات فيقول مثلا: ( السعادة لاسبيل لها في هذا العالم الذي خلقت كل نفس فيه لتموت , كل شيء في هذا العالم سائر إلى الزوال والفناء , مسرات هذه الحياة ليست إلا خدعا وأوهاما , وقد سقطت الأفراح على الأحزان..) (الرغبة فينا متقلقلة كالقرد , والنفس لاتشبع أبدا , ولا تقنع بما في اليد , ولا تزال وثابة إلى ما لا تناله , ومهما أشبعتها ازدادت جوعا وطموحا.) (لا خير في الجسد , إنه محل العاهات , ووعاء لسائر الآلام وهوسائر إلى الإنحلال,… ). وبناءا على ماتقدم من نظرة ناقمة على الجسد وشهواته تلك التي تعوق الروح عن "الإنطلاق" نرى الفلسفة الهندوسية أملا في بلوغ "الإنطلاق" تقسم الحياة إلى أربع مراحل لكل منها منهجها الخاص وكل مرحلة تمتد إلى 25 سنة حيث يبلغ متوسط العمر 100سنة..المرحلة الأولى للتربية الجسدية والروحية والعقلية والمرحلة الثانية للحياة العائلية للفرد والتي تتحقق بالزواج والمرحلة الثالثة يقوم فيها الفرد وزوجته بخدمة المجتمع تطوعيا دون مقابل ثم يتجرد المرء في المرحلة الرابعة تماما من كل أمور الدنيا متفرغا على نحو تام للرياضة الروحية . ولكل مرحلة من تلك المراحل رياضتها البدنية الخاصة بها والتي تصبح شديدة المشقة في المرحلة الأخيرة. وتتحدث شرائع "منو" عن جانب من هذه الرياضات البدنية فتقول: ( ان الذي تغلب على نفسه فقد تغلب على حواسه التي تقوده إلى الشر , إن النفس لأمارة بالسوء, والنفس لاتشبع أبدا, بل يزداد جشعها بعد أن تنال مشتهاها) (على طالب العلم أن يتجنب الحلوى واللحوم والروائح الطيبة والنساء, وكذلك يجب عليه ألا يدلك جسده بما له رائحة طيبة, ولايكتحل, ولايلبس حذاء, ولايتظلل بالشمسية, وعليه ألا يهتم برزقه بل يحصل على رزقه بالتسول.) (وعندما تدخل في الشيخوخة , عليك بالتخلي عن الحياة الأهلية وبالإقامة في الغابة , وإذا أقمت في الغابة فليس لك أن تقص شعرك ولحيتك وشواربك , ولا أن تقلم أظافرك.) (وليكون طعامك مما تنبته الأرض وتثمره الأشجار , ولا تقطف الثمر بنفسك بل كل منه مما سقط من الشجر بنفسه, وعليك بالصوم تصوم يوما وتفطر يوما , وإياك واللحم والخمر. ) (عود نفسك على تقلبات الموسم , فاجلس تحت الشمس المحرقة , وعلى أيام المطر تحت السماء , وارتد الرداء المبلل في الشتاء .) (لا تفكر في الراحة البدنية , اجتنب سائر الملذات , لا تقترب من زوجتك , نم على الأرض , ولا تأنس بالمكان الذي أنت فيه.) (إذا مشيت فامش حذرا حتى لاتتخطى عظما أو شعرا وحتى لا تدوس نسمة , وإذا شربت الماء فاحذر أن تبتلع نسمة.) (لا تفرح للذيذ ولا تحزن على الرديء.) كان هذا العرض الموجز للأفكار الرئيسة للديانة الهندوسية ضروريا كي نقف على طبيعة ما جاء به كل من "بوذا" و"مهاويرا" من أفكار إتخذت شكل مذاهب دينية منفصلة إنطلقت من خلفية فكرية هندوسية. ولنبدأ ببوذا والذي كان إبنا لنبيل من طبقة "الكشترية "(الجند) ينتمي إلى قبيلة "ساكيا" التي عاشت شرق الهند بجوار مملكة "كوسالا"الآرية وكانت "الكشترية " هي الفئة صاحبة المكانة العليا في هذا المكان وكان هذا الإنتماء الطبقي للكشترية تلك الطبقة الآرية النبيلة والتي تنافست مع الطبقة الأعلى منها "البرهمة" على المكانة والنفوذ لما بينهما من تقارب كان هذا الإنتماء بطبيعته تلك عاملا مهما وأساسيا لكي يصل "بوذا" بعد ذلك إلى المناداة بإلغاء الطبقات تماما . كان "سذهاتا"الذي ولد في عام 563ق.م تقريبا يعيش في نعيم مقيم في قصور وضياع إلا أن الإرث الهندوسي الذي أكد على إحتقار الجسد وشهواته و على ما تحفل به هذه الحياة من أوهام الشهوة والرغبات التي تفنى بالموت كان ذلك الجانب الزاهد في الحياة من هذا الإرث قد ملك لا شعوريا على "سذهاتا" عقله وفكره فانجذب إلى ما في الحياة من شرور وألم كالشيخوخة والموت رغم مظاهر النعيم المحيطة به وفكر "سذهاتا" النبيل في مصدر هذا العناء والشقاء الحياتي , وفي كيفية الخلاص منه ورغم محاولات والده الحثيثة في أن يبعد "سذهاتا" عن فكره الحزين هذا إلا أنه قد فشل , وقرر "سذهاتا" أن يعتزل النعيم الدنيوي المحيط به إلى حياة الزهد والتقشف فترك أهله وزوجته وولده ورحل عن الجميع وهو في التاسعة والعشرين من عمره . لجأ "سذهاتا" في بداية طريقه لراهبين من البراهمة يشاركهما طريق الزهد والتقشف إلا أنه سرعان ما فارقهما لإختلاف الغرض من هذا الزهد بينه وبينهم فلقد كان الزهد عند "سذهاتا" وسيلة لمعرفة الكون بينما وجد في زهد الراهبين أمرا مقصودا لذاته فبدأ "سذهاتا" بعد ذلك يسلك مسلك العزلة والرهبنة وسمي عند أتباعه منذ ذلك الحين "جوتاما"(الراهب) . وبدأ "جوتاما" يمارس عزلة وتقشفا شديدي القسوة فخلع ثيابه وستر عورته فقط بورق الشجر ونام على الأشواك والحصى واكتفى بأقل القليل من طعام يومه وهجر كل الملذات وظل على حاله هذا لسبع سنين زامله خلالها خمسة نساك نصبوه زعيما لهم لما لاحظوه عليه من شدة على نفسه فاقتهم جميعا ..ومن اليسير أن ندرك أن "جوتاما" كان حتى تلك اللحظة أسيرا للثقافة الهندوسية وما تقوله عن الجسد . إلا أن "جوتاما" لم يصل بعد سبع السنين هذه لشيء عن حقيقة الكون فيأس من زهده وتقشفه ورأى أن الفكر السليم لابد له من جسد سليم فعاد إلى حياة عادية معتدلة إلى أن جاءته اللحظة الحاسمة التي حولته إلى داعية وصاحب فكر فلقد جلس ذات يوم تحت شجرة بغابة تسمى "أورويلا" (سميت بعد ذلك بوذاكيا) ليتحدث "جوتاما" بحديث هو أقرب ما يكون لزعم "محمد " عن لحظة الوحي الأولى في غار "حراء" وما صاحبها من عزلة وإنقطاع للتأمل.. تحدث "جوتاما" عن لحظة نادرة من الصفاء الذهني والنفسي سمع في خلالها هاتف بداخله يقول: ( نعم في الكون حق , أيها الناسك هنالك حق لاريب فيه, جاهد نفسك اليوم حتى تناله.) ويقول عنها "جوتاما" الذي أصبح من اليوم يحمل إسم المتنورأو "بوذا" يقول( لما أدركت هذا تحررت من الهوى , تحررت من شرور الكون الأرضي , تحررت من شرور الخطأ , تحررت من شرور الجهل , وشعور عدم المولد , قد انتهى الصراط المقدس !! , قد تمت الفريضة !!, فلن أرجع إلى هذه الدنيا رجعة أخرى قد أبصرت هذا) ويقول كذلك( كلمني صوت من داخلي قائلا:إن الهوى هو أصل الحزن . والنفس هي التي تجلب الشقاء , وذلك أن المرء يقول دائما :أناأنا , ويقول أيضا : زوجتي وأولادي فهم أيضا نوع من أنا , أما من سواهم فليسوا أنا , فيهوى ما فيه شهوة نفسه , وإذا خاب , شقى , وبهذه الفكرة يذهب الناس في الدنيا كالحريق العظيم المدمر, فيؤذون ويقتلون , ويكونون لعنة على الخلق .فقال "بوذا"ردا على ذلك الصوت: إن قبلت قولك فهل أنال الحرية ؟ فأجاب الصوت : نعم نعم إنه يجلب لك الحرية أيها الناسك" ) … إذا فلقد منح بوذا في هذه اللحظة الشبيهة باللحظة المحمدية الأولى من وحي حراء منح خلاصا من تناسخ روحه وتكرار الحياة والشقاء الجسدي الملازم لذلك وفقا لما شاع في زمنه من ثقافة هندوسية يحتل موضوع "الإنطلاق" فيها المكانة الرئيسة, تماما كما كانت فكرة النبي المنتظر تعبق جو شبه جزيرة العرب زمن "محمد " فجاءت لمحمد البشارة الإلهية بأنه هذا النبي إنطلاقا من لحظة وحي حراء..وهوما يدفعنا إلى القول بأن الناس هم الذين يصنعون معتقداتهم الدينية وفقا لثقافة مجتمعاتهم وإن غلفوا هذه المعتقدات بغلاف قدسي خاص يسمونه وحيا لن يكون في أحسن أحواله إلا تجربة شخصية بحتة من الإستغراق الذاتي التأملي المبطنة بثقافة مجتمعاتهم دون أن يكون هذا الوحي القدسي ممثلا لحقيقة عالمية خالدة ذات طبيعة نورانية واحدة في كل الأرض في غار "حراء" المكي أو تحت شجرة غابة "بوذاكيا" في الهند ..بينما سيعكس ذلك الوحي فقط تلك الحقيقة العالمية في حالة ما إذا كان سر الكون والحياة الإلهي المزعوم حقيقة واحدة موضوعية مجردة من الطابع المحلي لثقافات الشعوب والتي تتفاوت من مجتمع لآخر لأعود من هذا كله إلى مقولة "كارل ماركس " الخالدة مؤكدا على صحتها (دون أن أكون ماركسيا بالضرورة) "إن الله لم يخلق الإنسان ولكن الإنسان هو الذي خلق الله"..أو لنقل إن الإنسان هو الذي خلق ما أسماه سر ومعنى الوجود الكوني وفقا لقدراته وثقافته ! ومنذ ذلك الحين بدأ "بوذا" بعد تردد قصير كراهب متسول في الدعوة لفكر متماسك أسماه "النظام" أو "عجلة الشريعة" التي تحدث عن أهدافها قائلا( لولا ثلاثة في الدنيا لما ظهر في الكون الكامل المقدس الأعلى "بوذا" ولا الشريعة , ولا أشرق في الكون التعليم الذي يعرضه الكامل , وما هذا الثالوث إلا المولد والهرم والموت , وما تبشير بوذا إلا الدعوة إلى النجاة من الآلام والحسرات باجتثاث شأفتها واقتلاع أصولها) وظلت دعوته لمدة أربعين عاما حتى وفاته حوالي عام 483 ق.م غير مكترث بمحاولات أسرته بالمال في إثنائه عن دعوته التي ظنوها خيالات وأوهام تسكن رأسه فجمع الكثير من الأتباع المطحونين بالنظام الطبقي حول دعوته التي تقول بتحرر كل من يدخل في نظامه من أسر الطبقية الهندوسية المقيتة (وما أشبه ذلك بأحوال بعض عبيد مكة الذين إستجابوا لدعوة محمد ليتخلصوا من العبودية ) إلا أن "بوذا" قد أعلن رفضه لجميع آلهة الفيدا الهندوسية التي يتربع كهنتها "البرهمة" على قمة نظام طبقي جائر (وهو يشبه هنا "محمد" أيضا في كفره بآلهة "مكة"..لكن محمد بالإستناد لخلفياته الثقافية وأهدافه السياسية بخلاف "بوذا" قد أبقى على الإيمان ب"الله" كبير مجمع الآلهة المكية آنذاك كإله وحيد ! بينما أطاح "بوذا" بكل آلهة المجمع الهندوسي) هذا الرفض الذي يعد أول وأهم تعارض نلمحه للفكر البوذي مع الفكر الهندوسي وليصبح الخلاص البوذي من تكرار المولد المرتبط بتكرار الآلام بطريق قتل الشهوات الهندوسي المعهود و المسمى عند "بوذا" ب "النرفانا" يصبح هذا الخلاص غير منتهي بالإتحاد بكبير آلهة المجمع الهندوسي "برهما" بل خلاصا من شقاء تكرار المولد فحسب ! فلا وجود للآلهة إذا في نظام الخلاص البوذي (أو كما قال "لابلاس" بعد ذلك عن رؤيته لنظام الكون : أن لا حاجة بي لله في نظامي!) وهوما نجد"بوذا" يتحدث به وفقا لفكرته عن عدالة طبيعة النظام الكوني الخالية من الآلهة قائلا( إن ناموس الطبيعة هو الذي يسيطر على كل شيء , وهو يقضي ألا يدوم العذاب والجحيم إلى ما لا نهاية , كما لا تدوم الجنة, ولا النعيم , ومهما طال عهدهما فإنهما زائلان أخيرا .متى وكيف يتم ذلك ؟ هذا يتوقف علينا نحن , كل محرك سافل يجب أن نقهره , كل إرادة مهينة نضبطها , كل ضعف معيب نتغلب عليه , ولكن ليس معنى هذا أن نغمض عيوننا عما يعانيه البشر من الفقر والشقاء زاعمين أنهم استحقوه بما جنته نفوسهم , إذ كل من يفكر هكذا ولا يتمسك بالأخوة العامة والمحبة الشاملة مع سائر الخلق , فلا شك ان ناموس الطبيعة يعاقبه أشد العقاب , لأنه خارج عليه بعدم بذله الجهد الذي يسبب العفو و الرحمة , هذا وإن ناموس الطبيعة ليس بخاضع لذات قدسي , يتصرف فيه كيفما يشاء , بل ذلك الناموس مستقل بذاته , نافذ بنفسه , لا يتأثر بمؤثر بشري أو إلهي أبدا) وكان "بوذا" يرى في الحديث عن الأمور الغيبية المجردة كقضية الإله وطبيعة الكون والذات يراه عبثا لاطائل منه فحين سأله أحد مريديه عن الذات ..هل هي موجودة ؟ فسكت..هل هي غير موجودة؟ فظل ساكتا ..ثم سأله المريد: هل الكون دائم أم غير دائم؟ ..فأجابه "بوذا" أخيرا( هل قلت لك جئني أعلمك عن الذات وعن الكون؟ لا, لم أقل هذا ..أيها المريدون لاتفكروا كما يفكر الناس , بل فكروا هكذا: هذا ألم , هذا مصدر الألم, هذا إعدام الألم..) إذا فجوهر الدعوة البوذية (النظام أو الشريعة) هو القضاء على آلام الحياة كالموت والمرض..الخ بالقضاء على أسبابها وهي الشهوات والرغبات التي تجعلنا متعلقين بتلك الحياة فيتكرر مولدنا فيها بما تمتلئ به من آلام بينما كبح هذه الشهوات يمنحنا الإنعتاق"النرفانا" من هذه الحياة فلا نكابد آلامها بعد ذلك . هذا المصير الإنساني إذا يتوقف على الإنسان ذاته دونما حاجة لآلهة فيقول "بوذا" عن ذلك(كونوا لأنفسكم جزائر قائمة بنفسها , وكونوا لأنفسكم موائل وكهوف , ولا تعتصموا بملاذ خارجي , ولا تحتموا بغير أنفسكم)..ومسئولية الإنسان الفرد وحده عن صناعة مصيره عند "بوذا" تلك تتفق مع ما تحدث به بعض من أهم أعلام الفلسفة الوجودية في عصرنا الحديث عن مسئولية الإنسان بذاته عن إختياره وصناعة مصيره! ويواصل "بوذا" رفضه لفكرة الإله من منطلق الشك قائلا( إن المشايخ الذين يتكلمون عن الإله, وهم لم يروه وجها لوجه , كالعاشق الذي يذوب كمدا وهولا يعرف من هي حبيبته , أو كالذي يبني السلم وهو لا يدري أين يوجد القصر , أو كالذي يريد أن يعبر نهرا فينادي الشاطيء الآخر ليقدم له ..) ليبدو بهذا ذلك التحليل البوذي(الشرقي!) وفقا للعبارة السابقة رافضا لفكرة وجود الإله من حيث كونها غير قابلة للإثبات بالبرهان الحسي وهو نفس الأساس الذي جعل من هذه الفكرة فكرة مرفوضة عند فلاسفة الوضعية المنطقية(الغربيين!) في العصر الحديث والذين مثلوا إمتدادا لمنهج للفلاسفة التجريبيين والماديين الإنجليز منذ القرن السادس عشر الميلادي تقريبا كتوماس هوبز وجون لوك وفرنسيس بيكون وديفيد هيوم! ولينسجم المنطق البوذي في العبارة السابقة مع عبارة بردية "إيبو_ور" المصرية القديمة والتي تحدثت عنها في المقال السابق المشار إليه آنفا في بداية هذا المقال(إذا عرفت مكان الإله قدمت له قربانا!). لنخلص من حديثنا أن أسباب رفض "بوذا" لفكرة الإله تنحصر في تحول هذه الفكرة إلى أداة للإستغلال الطبقي في يد البراهمة الهندوس( وهوما ينسجم مع رؤية ماركس بعد ذلك عن توظيف الدين كوسيلة للإستغلال الطبقي) و لكون فكرة الإله غير ذات نفع في الخلاص البوذي المأمول"النرفانا" ولكونها أيضا غير قابلة للبرهان الحسي الموضوعي.. ننتقل الآن إلى الحديث بإختصار أكثر عن المصلح أو الثائر الثاني على الظلم الطبقي البرهمي /الهندوسي و الذي تتشابه الخطوط العامة لأفكاره ومنهجه وحياته إلى حد بعيد مع "بوذا" فكانا معا مصلحين للهندوسية عاصر كل منهما الآخر ألا وهو"مهاويرا". ولد "مهاويرا" قبل ميلاد "بوذا" بأكثر من ثلاثين عاما حوالي عام 599 ق.م لأسرة عريقة من نفس الطبقة التي انتمت إليها أسرة "بوذا"..طبقة الكاشتريا (الجند) ووصل والده إلى درجة حاكم/ملك مدينة "بتنا" بولاية "بيهار"الهندية وأسماه والده "وردهاماتا" أي الزيادة إلا أن أتباعه أطلقوا عليه "مهاويرا" بمعنى البطل العظيم كما دعوه "جينا" أي القاهر ومن هذا الإسم عرف المذهب/الدين كله بالديانة الجينية . نشأ "مهاويرا" كبوذا في نعيم مقيم إلا أنه سرعان ما تأثر بفكر الرهبان والنساك الذين كانوا في إستضافة والده الحاكم من آن لآخر فمال قلبه للزهد والتقشف ..غير أن "مهاويرا" إنتظر حتى وفاة والديه وتولي أخيه للإمارة ليعلن في الثلاثين من عمره صراحة رفضه للملك والألقاب . فارتدى "مهاويرا" ثياب النساك البسيط ونتف شعر جسمه ولجأ للجوع والتقشف وللتفكير العميق ثم ما لبث أن خلع ملابسه تماما بعد 13 شهرا بعد أن قتل في نفسه مشاعر الجوع والحياء ليمضي وقته بين الإعتكاف في المقابر والغرق في تأمل عميق لايشوبه إحساس بحزن أو سرور أو ألم حريصا كل الحرص على سلام مطلق يمتنع معه قتل أي شكل من أشكال الحياة مهما بدا بسيطا (منهج قتل الشهوات الهندوسي المعتاد) . وحين استشعر "مهاويرا" في نفسه(؟؟!!) أنه قد ألهم البصيرة ب "النجاة" من تكرار المولد("الإنطلاق" الهندوسي/"النرفانا"البوذية)بدأ في التبشير بدعوته التي أعلن ضمنها بطلان النظام الطبقي الهندوسي وإنكاره للمجمع الإلهي الهندوسي بل ونفيه التام لوجود أية قوى إلهية شخصانية تسيطر على هذا الكون وتتحكم بمصير البشر فاستجاب له أهل مدينته لاسيما الملوك والقواد (الكشتريا) الناقمين على البرهمة وظل "مهاويرا" يبشر بدعوته حتى وفاته في عام 527 ق.م بعد أن ترك وراؤه رصيدا كبيرا من الحكم والخطب والمواعظ.. ولا تختلف النجاة عند "مهاويرا" عن "الإنطلاق" الهندوسي إلا في عدم إرتباطها بالإتحاد ببرهما كبير آلهة المجمع الهندوسي كما أن "الكارما" /الجزاء الهندوسي إتخذت عند "مهاويرا" شكلا ماديا يلتصق بالروح الإنسانية فيمنعها من "النجاة " ولا سبيل لفكاك الروح من هذه "الكارما" إلا من خلال مراحل عالية من التقشف القاسي والحرمان العنيف يتخلص فيه "الجيني" من كل إحساس حياتي يربطه بتلك الحياة التعسة خيرا كان أم شرا فلا يشعر بالحياء حين يمشي عاريا ولا يتألم حين ينتف شعره بل ربما يصل به الصوم إلى الإنتحار جوعا! هذه الدرجات العالية من التعذيب الذاتي من أجل الفوز بنعيم "النجاة" السرمدي لايقدر عليها إلا الخاصة "الرهبان" أما العوام من الجينيين فلا أمل لهم في تلك "النجاة" فقط يلتزم هؤلاء بالعمل الطيب الذي يجزى الإنسان عليه في حياته وفي دورات حياتية أخرى قادمة بالخير والسعادة والصحة أما إرتكاب السيئات وعلى رأسها قتل أي كائن حي مهما صغر شأنه هذه السيئات جزاؤها هو الفقر والتناسخ في أجساد لشخاص تعساء أو في قوالب حيوانات وجمادات!. أعتبر إذا كلا من "مهاويرا" و"بوذا" مهرطقين في التاريخ الفيدي الهندوسي ويسمى عصرهما في القرن السادس ق.م بعصر الإلحاد نظرا لإنكارهما لفكرة الإله الشخصاني بصفة عامة وللآلهة الهندوسية بصفة خاصة .. إلا أن "بوذا" و"مهاويرا" يمكن كما يبدو لي أن ننظر لفكرهما اللاإلهي باعتباره فكرا إصلاحيا للهندوسية كثورة على استغلال البشر بإسم الدين لتحقيق إمتيازات لطبقات على حساب أخرى مما يدفعنا للتأكيد مرة أخرى على أن الدين قد يستخدم بشكل تآمري (وليس الفكر اللاديني فقط) يستخدم ليقهر البشر به بعضهم بعضا وأن الفكر اللاديني قد يكون في هذه الحالة رد فعل نبيل ومفهوم لتحرير البشر من هذا القهر .. غيرأن الفكر البوذي والجيني لم يتجاوز بأية حال رغم كونه فكرا ثوريا على وجود الآلهة لم يتجاوز آفاق الفكر الهندوسي الغيبي الخرافي السائد آنذاك في كثير من أطروحاته كالتناسخ والنجاة من تكرار المولد ..فلم يكتمل التحرير الكامل على يديهما للبشر من أسر الخرافة !! كما أن البشر بعد ذلك من أتباع هاتين الديانتين الإصلاحيتين الإلحاديتين قد تعاملوا مع "بوذا" و"مهاويرا" المصلحين الهندوسيين المؤسسين لدينين جديدين خرجا من عباءة الهندوسية .. تعاملوا معهم كما تعامل أتباع المسيح "يسوع" معه .."يسوع" الذي حاول هو الآخر إصلاح اليهودية من خلال فكر إصلاحي أخلاقي تحول إلى ديانة منفصلة تعتبر إمتدادا لليهودية هي "المسيحية" فتحول المسيح إلى إله على يد "بولس" بعد وفاته بزمن غير بعيد! هكذا أصبح مصير "بوذا" و"مهاويرا" الملحدين على يد أتباعهما ..!! فاحتفظ الكثير من الهنود بولائهم للبوذية وظلوا على ولاء مماثل لآلهة الهندوس فأدمجوا "بوذا" كإله ضمن آلهة المجمع الإلهي الهندوسي الغفير وذاب بوذا ضمن الآلهة الهندوسية في الهند وإنمحت تقريبا البوذية من الهند وتحول "بوذا" إلى صنم يعبد وتحولت الأشجار من نوعية شجرة "بوذا" إلى صليب مسيحي أو كعبة إسلامية يحج إليها "البوذيون" في البلدان البوذية حيث تزرع شجرة من هذا النوع في تلك البلدان! وأصبحت البوذية في الصين مثلا ديانة ذات 33 إله!! مثلت آلهة صينية قديمة في مرحلة ما قبل البوذية فلم يتبقى من البوذية بحلول القرن الأول الميلادي وحتى الآن بعد أن بنت المعابد ووضعت فيها الآلهة إذا إلا مجموعة من تعاليم أخلاقية تمنح النجاة وتدعو للخير والأخلاق والرحمة ونبذ الشرور! اما "الجينيون" والذين يقتصر وجودهم على الهند فقد ألهوا "مهاويرا" بعد ذلك ضمن مجمع إلهي يضم 24 إلها يسمى كل منهم "جينا" نسبة للجيناوات الأربع والعشرين وهم بحسب زعم الجينيين المعلمين الكبار من أسلاف "مهاويرا" الذين بشروا بالتعاليم الجينية ويعتبر "مهاويرا" إمتدادا لهم بل ووصل الأمر بهم إلى إجلال الآلهة الهندوسية بعد ذلك والإعتراف بها !! تلاشت إذا وبشكل عملي مباديء الإصلاح اللاديني على يدي "بوذا"و"مهاويرا" بتأليههما كما أله المسيح .. لكن عبرة التاريخ في سيرتهما باقية حين يضرب الإنسان الملحد أروع الأمثلة في التفاني الأخلاقي من وحي ضمير حي يؤمن بالخير والتسامح مع كل البشر.. وحين يصبح الفكر اللاديني صالحا لأن يكون أربابه مصلحين لظلم مجتمعاتهم بالثورة الأخلاقية على الظلم! ختاما ..أرجو أن تواتيني القدرة على الإستمرار في كتابة لمحات أخرى من تاريخ الفكر اللاديني بما يضعه في مكانته اللائقة في منظومة الفكر الإنساني خارج الأطر الضيقة التي تحصره في دائرة التآمر والعصيان!!
مع خالص إحترامي للجميع : الغريب المنسي
|
|