الرئيسية الأديان الحكمة من الخلق
الحكمة من الخلق
الحكمة من الخلق PDF طباعة أرسل لصديقك
الأديان
كتـب فولتير   
الاثنين, 22 ديسمبر 2003 17:31

الاثنين، كانون الأول 22، 2003


حكمة الخلق
لماذا خلق الله الإنسان؟
من الطبيعي أن يتساءل الإنسان المؤمن بالله عن سبب خلق الله له. والأديان الإبراهيمية تتفق على وصف الله بأكمل الصفات ومنها الحكمة، وتبعاً لذلك فالحكمة يجب أن تكون

متحققة في أفعال الله، فليس من الحكمة أن يكون الله قد خلق الإنسان والكون عبثاً بلا سبب. ويصرح القرآن بهذا المعنى على لسان الله نفسه.. "وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ " (الأنبياء 16) وسنحاول هنا معرفة إجابة الأديان الإبراهيمية الثلاثة عن هذا السؤال، وبالتالي معرفة إن كانت الإجابة تتفق والحكمة التي يوصف بها الله أم لا. ثم نختم بمحاولة للتعرف على الأسباب التي أدت إلى عدم تقديم أي من الأديان الثلاثة (كما سنرى) إجابة مقنعة تتفق وحكمة الخالق المزعومة. ملاحظة.. للأسف لم أصادف أي كتاب يتناول هذه المسألة (موضوع البحث) تحديداً، سواء من وجهة نظر الأديان كلها أو دين بعينه، وقد يكون في هذا بعض العذر لأي تقصير يوجد في هذا البحث القصير.


1-
اليهودية
إذا بدأنا باليهودية أو التوراة بالأحرى فكل ما نجده وله علاقة بسؤالنا هو ما ورد في الإصحاحين الأول والثاني من سفر التكوين بخصوص قصة خلق الإنسان الأول. وقصة الخلق ذكرت مرتين في هذين الإصحاحين، ويوجد اختلاف واضح بين القصتين يصل لحد التناقض(1)، فبينما تبين القصة الواردة في الإصحاح الأول أن الإنسان(ذكر وأنثى) هو آخر مراحل الخلق، نرى في القصة الأخرى الواردة في الإصحاح الثاني (وهي الأقدم على ما يرجح) أنه تم خلق الإنسان الأول (الذكر/آدم) أولاً ثم الحيوانات والطيور ثانياً وأخيراً المرأة الأولى (حواء). ومرجع هذا التناقض على نحو ما يبين السير جيمس فريزر في كتابه "الفولكلور في العهد القديم" هو وجود مصدرين مختلفين رجع إليهما كاتب السفر وبين هذين المصدرين فارق زمني كبير تطورت خلاله أفكار ورؤى الإنسان. الرواية الأقدم (سفر التكوين، الإصحاح الثاني) 4- هذه مبادئ السماوات و الأرض حين خلقت يوم عمل الرب الإله الأرض و السماوات. 5- كل شجر البرية لم يكن بعد في الأرض و كل عشب البرية لم ينبت بعد لان الرب الإله لم يكن قد أمطر على الأرض و لا كان إنسان ليعمل الأرض. 6- ثم كان ضباب يطلع من الأرض و يسقي كل وجه الأرض. خلق آدم 7- و جبل الرب الإله آدم ترابا من الأرض و نفخ في أنفه نسمة حياة فصار آدم نفسا حية. 8- و غرس الرب الإله جنة في عدن شرقا و وضع هناك آدم الذي جبله. 9- و انبت الرب الإله من الأرض كل شجرة شهية للنظر و جيدة للأكل و شجرة الحياة في وسط الجنة و شجرة معرفة الخير و الشر. 10- و كان نهر يخرج من عدن ليسقي الجنة و من هناك ينقسم فيصير أربعة رؤوس. 11- اسم الواحد فيشون و هو المحيط بجميع ارض الحويلة حيث الذهب. 12- و ذهب تلك الأرض جيد هناك المقل و حجر الجزع. 13- و اسم النهر الثاني جيحون و هو المحيط بجميع أرض كوش. 14- و اسم النهر الثالث حداقل و هو الجاري شرقي أشور و النهر الرابع الفرات. 15- و اخذ الرب الإله آدم و وضعه في جنة عدن ليعملها و يحفظها. 16- و أوصى الرب الإله آدم قائلا من جميع شجر الجنة تأكل أكلا. 17- و أما شجرة معرفة الخير و الشر فلا تأكل منها لأنك يوم تأكل منها موتا تموت. خلق الحيوانات والطيور ثم المرأة 18- و قال الرب الإله ليس جيدا أن يكون آدم وحده فاصنع له معينا نظيره. 19- و جبل الرب الإله من الأرض كل حيوانات البرية و كل طيور السماء فأحضرها إلى آدم ليرى ماذا يدعوها و كل ما دعا به آدم ذات نفس حية فهو اسمها. 20- فدعا آدم بأسماء جميع البهائم و طيور السماء و جميع حيوانات البرية و أما لنفسه فلم يجد معينا نظيره. 21- فأوقع الرب الإله سباتا على آدم فنام فاخذ واحدة من أضلاعه و ملا مكانها لحما. 22- و بنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة و أحضرها إلى آدم. 23- فقال آدم هذه الآن عظم من عظامي و لحم من لحمي هذه تدعى امرأة لأنها من امرء أخذت. يبدي السير جيمس فريزر بعض الملاحظات على هذا النص التوراتي، فيقول.. " ولا تتميز القصة المتقدمة (المعروضة سلفاً) على أختها المتأخرة بأنها أكثر زخرفة منها فحسب، بل تتميز عنها فضلاً عن هذا بغنى عناصرها الفولكلورية، فلقد أبقت على ملامح واضحة من البساطة البدائية طمسها الكاتب الثاني في حرص..ويبدو أن المؤلف اليهودي قد تصور أن الإله قد شكل الرجل الأول من الطين على نحو ما يفعل صانع الفخار تماماً..فبعد أن عجن الإله الطين وسواه على الطريقة المعلومة بث فيه الروح بأن نفخ في فم التمثال ومنخريه.." ثم ينتقل الكاتب بعد ذلك لمقارنة القصة التوراتية بالقصص والأساطير الأخرى المتشابهة والمنتشرة في كثير من الأمم المختلفة. الرواية الأحدث (سفر التكوين، الإصحاح الأول) تروي التوراة أنه بعد خلق السماوات والأرض والنور والجلد واليابسة والعشب والطيور والحيوانات فكر الله في خلق الإنسان.. " وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا. فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الأرض وعلى جميع الدبابات التي تدب على الأرض. فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرا وأنثى خلقهم." تك1: 26-27 تخبرنا القصة بأمرين.. الأول : أن الإنسان خُلِقَ على صورة الله (وهو ما لم يرد في القصة الأقدم). الثاني : خُلِقَ الإنسان ليتسلط على باقي المخلوقات (وهو ما لم يرد في القصة الأقدم أيضاً). ويبدو أن هذه الإضافات حدثت بعد تمكن الإنسان من الطبيعة وسيطرته على الكائنات الأخرى، وشعوره بتميزه عنها. أما القول بأن الإنسان خُلِقَ على صورة الله، فنستطيع أن نفهمه على وجه أفضل لو عكسنا هذه الجملة، وكما يقول فيورباخ.. "الإنسان هو الذي خلق الله على صورته ومثاله". ونستطيع أن نجد تأييداً لهذه العبارة في نفس الإصحاحات الأولى من سفر التكوين، حيث نرى الصفات البشرية التي يسبغها الكاتب التوراتي على الله فهو يتمشى في الجنة (عند هبوب ريح النهار) ، وينادي آدم الذي اختبأ وراء الشجر ولا يعرف مكانه فيسأله "أين أنت"، ويتكلم معه بصورة مباشرة عادية..الخ أما أن الله خلق الإنسان ليتسلط على باقي المخلوقات فلا نعتقد أن هذا سبب معقول لخلق الإنسان المستمر وجوده من آلاف السنين، ولا أن تكون هذه حكمة وجوده. وهي أيضاً مبالغة كبيرة، فلا نستطيع أن نتصور أن الإنسان كان منذ بدء وجوده متسلطاً على كل المخلوقات، فمن المؤكد أن الإنسان عانى كثيراً حتى وصل إلى ما يؤهله إلى السيطرة على باقي الكائنات. كل ما نخرج به إذن من قصة الخلق التوراتية هو تقديمها صورة ساذجة لقصة الخلق وللرب نفسه تتناسب وعصرها، فهو يتصرف إزاء الأحداث بتلقائية وكأن لا علم مسبق له بتطورات الأحداث، فهو يخلق الإنسان ثم يفاجأ بعصيانه فيعاقبه ويطرده من الجنة التي أقامها خصيصاً من أجله. ثم تكتمل بعد ذلك سلسلة الأعمال الإلهية العبثية في الإنجيل بقصة (الفداء). وبذلك نجد أن التوراة لم تقدم لنا سبب مقنع لخلق الإنسان.
2-
المسيحية
إذا انتقلنا للمسيحية نراها تعتمد أيضاً على التوراة (العهد القديم) ككتاب مقدس بجانب الإنجيل (العهد الجديد) فالكلام السابق إذن ينطبق على المسيحية، لكن هناك زيادة في المسيحية تنبع من قصة/عقيدة " الفداء" وهي حجر الزاوية في الدين المسيحي. والسؤال هو هل تفيدنا تلك القصة شيئاً في الإجابة على تساؤلنا؟ في الواقع إن ما جاءت به المسيحية لا يزيدنا شيئاً في محاولة البحث عن الحكمة الإلهية للخلق، فكل ما تضيفه القصة الإنجيلية هو المزيد من السذاجة والعبثية على التصرفات الإلهية، فبعد تأييدها لقصة السقوط التوراتي تضيف إليها قصة (الفداء) التي تصور الإله وكأنه أوقع نفسه في مشكلة لا مجال للخلاص منها سوى بقتل نفسه! لذلك لا مجال للتطويل هنا، حيث لا تقدم لنا المسيحية أي جديد فيما نبحث(2).
3-
الإسلام
يصرح الله في القرآن أن خلقه للإنسان والكون(3) لم يكن عبثاً.. "وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ " (الأنبياء 16) وبالفعل قدم القرآن سبب محدد ومباشر لخلق الإنسان، والسياق الذي جاء فيه الكلام جاء واضحاً، لا يحتاج لتأويل. والإجابة هي ما جاء في سورة الذاريات آية 56(على لسان الرب).. "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ " وبالإضافة لهذه الآية/الإجابة (الرئيسية) يوجد ثلاث إشارات أخريات هي كل ما وفقت في العثور عليه وله علاقة بالسؤال المطروح، والثلاث إشارات هم.. 1- الحديث القدسي المنسوب إلى الله (والذي يتفق مع الآية السابقة).. "عبادي إني ما خلقتكم لأستأنس بكم من وحشة ولا لأستكثر بكم من قلة، ولا لأستعين بكم من وحدة على أمر عجزت عنه، ولا لجلب منفعة ولا لدفع مضرة، وإنما خلقتكم لتعبدوني طويلا وتذكروني كثيرا وتسبحوني بكرة وأصيلا". 2- ما جاء في سورة البقرة.. " وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ " (البقرة 30) 3- الحديث القدسي.. "كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق، فتعرفت إليهم فبي عرفوني". وهو حديث مبهم المعنى في جزء منه، ساذج في الجزء الآخر. تشك فيه السنة(4)، وتعتمده الصوفية في التدليل على بعض معتقداتهم الخاصة بالعبادة ومعرفة الله، حتى درجة الاتحاد به عند بعضهم. لذلك سيقتصر بحثنا على الآية الأولى الرئيسية (وهي شاملة للحديث الأول) بالإضافة إلى الآية الثانية (إني جاعل في الأرض خليفة). سنبدأ بالآية القرآنية الرئيسية وهي ما جاء في سورة الذاريات آية 56.. "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ". يصرح القرآن إذن أن عبادة الله هي الغاية التي خلق من اجلها لإنسان، وهنا يثار سؤالان.. الأول : هل الله في حاجة لهذه العبادة؟ الثاني : هل تحققت هذه الغاية؟ أما السؤال الأول (هل الله في حاجة لهذه العبادة؟) فإجابته موجودة في القرآن، وبالتحديد في الكثير من الآيات التي يصف فيها نفسه بالغني، أي المكتفي بنفسه. فالله إذن ليس في حاجة لهذه العبادة وفي هذا تناقض مع الآية، أو على أقل تقدير يبقى السؤال معلقاً بدون إجابة. (يحاول البعض القول أن الله بالفعل خلق الإنسان للعبادة وبدون أن يكون الله في حاجة لهذه العبادة بالفعل، بل الإنسان هو الذي يحتاج لها. وبالطبع هنا مغالطة واضحة، لأن السبب الذي من أجله خلق الله الإنسان يجب أن سابقاً لوجود الإنسان، فلا يصلح أن أقول إن الله خلق الإنسان لعبادته، لأن بعد خلق الله للإنسان سيكون الإنسان في حاجة إلى عبادة الله!!!!) هذا بخصوص السؤال الأول عن حاجة الله للعبادة. أما السؤال الثاني، فهو يدور حول تحقق مشيئة الله، وهو خلق الإنسان للعبادة. بالفعل يوجد الكثير من المؤمنين بالله التابعين لدينه والممتثلين لأوامره. لكن ألا يوجد آخرين يتبعون سبل أخرى غير ما ارتضاه الله، سواء بعبادته بطريقة مختلفة (الأديان المختلفة) ، أو التقصير والإهمال في عبادته (الغير متدينين) ، أو التوجه لغيره بالعبادة (آله أخرى أو مظاهر الطبيعة)، بل ونكران وجوده (الإلحاد). فماذا عن هؤلاء؟ بل إن دائماً ما يقال وفي أغلب العصور أن المؤمنين هم قلة قليلة، وإليك عصرنا مثالاً. فلو سلمنا بأن سبب الخلق هو العبادة، فماذا عن سبب خلق هؤلاء تحديدا؟ يخبرنا القرآن أن أغلب هؤلاء سينالون عذاباً مقيماً. فهل كانت الغاية من وجود هؤلاء هو تعذيبهم بالنار الإلهية الأبدية؟ الإشارة التالية هي.. " وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ " (البقرة 30) (ملاحظة أولية.. إذا كان الغرض من خلق الله للإنسان هو (جعله في الأرض خليفة) فلماذا إذن قصة عمل الجنة لآدم والغواية والسقوط وتصوير خروج آدم من الجنة إلى الأرض وكأنه (عقاب) بينما يظهر (كغاية) في الآية السابقة؟) ولا نجد أيضاً تفسيراً للسبب الذي يجعل الله يتشاور أو يخبر الملائكة بما ينويه من أفعال، ولا نفهم كيفية معرفة الملائكة بمستقبل الوجود الإنساني (جميع التفسيرات التي تجيء هنا هي تفسيرات "تبريرية" تبحث عن حل). الذي يعنينا هنا السبب الجديد الذي يقدمه لنا القرآن، وهو أن الله كان يريد من خلقه للإنسان أن يجعله خليفة له على الأرض. فهل يصلح هذا كسبب؟ اختلف المفسرون في من الذي سيخلفه الإنسان على الأرض، الله أم الملائكة أم قوم آخرون كانوا على الأرض قبل الإنسان، ولا يخرج المفسرون بموضوع الخلافة – عادة- عن السيطرة والحُكم وتعمير الأرض...الخ، وقد يطبقوها على الخليفة أو الإمام. وفي النهاية كلها أمور وتفصيلات لا تتصل بمعنى يصلح للإجابة عن تساؤلنا. بدائية التصور الإسلامي لله يصور الإسلام الله كملك جبار، علاقته بالإنسان علاقة السيد بالعبد، أو كعلاقة ملك جبار بأحد أفراد الرعية المغلوبين على أمرهم. ويسعد الله (أو الملك) بطاعة عبيده، ويغضب من معصيتهم. جاء الإسلام (مثل الأديان السابقة) يمثل واقع العصر الذي ظهر فيه، وقد يكون الإسلام أكثر تطوراً في نظرته إلى الإله من اليهودية والمسيحية، لكن هذا التطور وقف عند مرحلة لا تناسب عقل الإنسان المعاصر. 4- تفسير ونتيجة في البداية دهشت من إغفال الأديان لهذه المسألة الهامة أو الإجابة عليها بإجابات غير مقنعة، ثم أدركت أن السبب يكمن في أن المسألة لم تكن مثارة أصلاً، وما جاء في الكتب المقدسة (وهو ما عرضنا له) كان يكفي لإقناع الناس في ذلك الوقت، فلم يكن تفكير الإنسان وقتها يتطرق إلى تلك المسألة، فنحن نطالع في الكتب المقدسة الثلاثة كثير من الاعتراضات والأسئلة التي كان يبديها المجادلون للأنبياء لم يكن من بينها سؤال للأنبياء عن سبب خلق الله للإنسان، لذلك لم يتطرق إليها الدين، فالدين إنتاج بشري لن يثير مسائل خارجة عن اهتمامات العصر، ولو كان مصدر الدين إلهي لوجدنا فيه إجابات علي الأسئلة المثارة في الأزمنة المختلفة. يتضح مما سبق إذن، أن القول بأن الأديان - نظراً لإيمانها بوجود إله- قد أضفت على الحياة الإنسانية معنى وأزالت عنها شبهة العبث، هو قول لا يستند على أسباب مقنعة، فبالرغم من عشرات الأنبياء ومئات الصفحات المقدسة، عجزت الأديان عن الرد على أسئلة هامة كثيرة. (1) يوجد أيضاً مآخذ علمية على القصة التوراتية للخلق لكنها خارج مجال البحث. (2) يجيب البابا شنودة الثالث في كتابه ( سنوات مع أسئلة الناس، نشر الكلية الإكليريكية) على سؤال "لماذا خلق الله الإنسان" بقوله.. " إن الله لم يخلق الإنسان لكي يعبده ويمجده (عكس ما يقول به الإسلام). فليس الله محتاجاً لتمجيد من الإنسان وعبادة..إذن لماذا خلق الله الإنسان؟ بسبب جود الله وكرمه، خلق الإنسان ليجعله يتمتع بالوجود..خلقه لكي ينعم بالحياة. وإن أحسن السلوك فيها، ينعم بالأبدية". وبالطبع الرد على هذا الكلام يسير، فالواقع من حولنا يكذبه، فكم من ملايين يعيشون حياة بائسة لا مجال للتمتع فيها، فالفقر والمرض والعاهات والكوارث الطبيعية والجرائم والظلم والحروب والمجاعات..الخ كل ذلك يكذب الدعوى القائلة بأن الله خلق الإنسان لكي يتمتع بالوجود. بالتأكيد يوجد سعداء متمتعين بالحياة، لكن السبب الذي نقدمه لحكمة الخلق يجب أن يكون شاملاً للناس جميعاً، لا أن ينطبق على البعض دون الآخر. أما القول بالتمتع بالأبدية إذ صلح السلوك في الحياة، فباطل أيضاً، لأن كل ديانة تعد أتباعها بذلك دون أتباع الديانات الأخرى، فتبعاً لهذا قد يقضي المرء حياته كلها عابداً مخلصاً ثم يفاجأ بأنه كان على خطأ، وحيث أن كل متعبد (على أي دين) يكون مؤمناً بدينه، وغايته هي عبادة الله، فمن غير العدل أن يجازى على إخلاصه في العبادة بالعقاب. هذا بالإضافة إلى أن البعض قد يشقى في الدنيا والآخرة (بحسب الأديان) فهل يصلح أن نقول أن الله خلقه لكي يتمتع بالحياة؟. (3) يوجد ملاحظة هامة بخصوص المشترك في " قصة السقوط" بين الأديان الثلاثة. فالأديان الثلاثة تتفق على قصة سقوط آدم، إلا أن المسيحية ركزت على هذه القصة فأصبحت الخطية تتوارث، وأضافت لها (الفداء) بحيث أصبحت حجر الزاوية في هذا الدين. لكننا نرى أن الإسلام ينفي توارث الخطية وأنه.. (لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى )(الأنعام: من الآية164) أما اليهودية فلا تشير إلى أية نتائج ترتبت على قصة السقوط سوى ما سيلقاه الإنسان من متاعب في دنياه لاختلاف الحياة في الجنة عن خارجها، واليهودية بذلك تكون مقاربة للإسلام. لكننا لو تأملنا الموضوع سنستنتج أن "الإنسانية" كلها قد أضرت بالفعل مما اقترفه آدم من خطأ، إذ لولا سقوط آدم لكنا نعيش في الجنة، وبذلك يبطل القول القرآني بأنه (لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) فنحن أضرنا بالفعل بسبب آدم، وما كان للإنسان أن يشقى في حياته "الأرضية" لولا سقطة آدم. (4)" قال ابن تيمية ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعرف له سند صحيح ولا ضعيف‏.‏ وتبعه الزركشي والحافظ ابن حجر في اللآلئ والسيوطي وغيرهم"‏.‏ " كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس" ، الإمام إسماعيل الشافعي العجلوني، نسخة الكترونية.