الرئيسية الأديان اساطير أن النصر من عند الله وأن الكوارث الطبيعية احدى اسلحته العقابية 2
اساطير أن النصر من عند الله وأن الكوارث الطبيعية احدى اسلحته العقابية 2
اساطير أن النصر من عند الله وأن الكوارث الطبيعية احدى اسلحته العقابية 2 PDF طباعة أرسل لصديقك
الأديان
كتـب سواح   
الاثنين, 16 أغسطس 2004 19:29

اساطير أن النصر من عند الله وأن الكوارث الطبيعية إحدى اسلحته العقابية (2)

لقد كانت الالهة شديدة الانتقام والاهلاك والتخريب لمن يعترض طريقها من البشر او من تجرأ على عصيان اوامرها او اغضابها

هذا ما اكدت عليه اسطورة سومرية اخرى تعرف باسطورة

( انانا والبستانى ) وفيها جاء ان بستانى اغتصب الالهة انانا , وكان رد فعل انانا مهولا انتقاما من البستانى , فقررت انزال الكوارث المهلكة على البلاد جميعا . فماذا فعلت الالهة؟

لقد حولت المياه الى دم , فلم يجد الناس ماءا ليشربوه او ليزرعوا به اراضيهم , فعم الجوع والعطش فى البلاد .


جاء بالاسطورة :

"
انانا من اجل فرجها , ماذا فعلت ؟

لقد ملئت جميع آبار البلاد بالدم
ففاضت كل الغابات والبساتين بالدم "

(
مغامرة العقل الاولى , فراس السواح ص 198 الطبعة التاسعة 1990 , دار المنارة , سوريا )

وانتقلت دموية الالهة الاسطورية الى الاديان فنرى( يهوه ) اله اليهود , و ( الله ) اله العرب يفعلان ما فعلته الالهة انانا .

اراد يهوه خروج العبرانيين من مصر , وعندما رفض الفرعون قام يهوه :

"
بشن حملة من الدمار الشامل على فرعون وقومه لاجباره على اطلاق العبرانيين , وهو يبدأ بما بدأت به انانا السومرية فيملأ آبار المصريين بالدم "
فراس السواح ص 209

وهذا هو تقرير التوراة , خروج 7

17
هكذا يقول الرب بهذا تعرف اني انا الرب ها انا اضرب بالعصا التي في يدي على الماء الذي في النهر فيتحول دما
18
و يموت السمك الذي في النهر و ينتن النهر فيعاف المصريون ان يشربوا ماء من النهر

19
ثم قال الرب لموسى قل لهرون خذ عصاك و مد يدك على مياه المصريين على انهارهم و على سواقيهم و على اجامهم و على كل مجتمعات مياههم لتصير دما فيكون دم في كل ارض مصر في الاخشاب و في الاحجار

20
ففعل هكذا موسى و هرون كما امر الرب رفع العصا و ضرب الماء الذي في النهر امام عيني فرعون و امام عيون عبيده فتحول كل الماء الذي في النهر دما

21
و مات السمك الذي في النهر و انتن النهر فلم يقدر المصريون ان يشربوا ماء من النهر و كان الدم في كل ارض مصر


ان انتقام يهوه كان بشعا حتى ان هذه الدموية لم ترحم الاسماك قبل البشر !!

ولم يكتف يهوه بتحويل مياه المصريين الى دم بل انزل عليهم من الكوارث ما لا طاقة لانسان او حيوان به مثل :

ضربة الضفادع
حيث فاض النهر بالضفادع : " فمد هرون يده على مياه مصر فصعدت الضفادع و غطت ارض مصر " خروج 8 : 6

ضربة البعوض
حيث سحر يهوه تراب مصر وحوله الى بعوض : " ففعلا كذلك مد هرون يده بعصاه و ضرب تراب الارض فصار البعوض على الناس و على البهائم كل تراب الارض صار بعوضا في جميع ارض مصر " خروج 8 : 17

ضربة الذبان المهلكة
"
ففعل الرب هكذا فدخلت ذبان كثيرة الى بيت فرعون و بيوت عبيده و في كل ارض مصر خربت الارض من الذبان " خروج 8 : 24

ضربة الوباء الذى فتك بجميع حيوانات مصر :
"
ففعل الرب هذا الامر في الغد فماتت جميع مواشي المصريين و اما مواشي بني اسرائيل فلم يمت منها واحد " خروج 9 : 6

ضربة الدمامل والبثور
حيث سحر يهوه رماد الآتون فتحول الى دمامل :
" 8
ثم قال الرب لموسى و هرون خذا ملء ايديكما من رماد الاتون و ليذره موسى نحو السماء امام عيني فرعون
9
ليصير غبارا على كل ارض مصر فيصير على الناس و على البهائم دمامل طالعة ببثور في كل ارض مصر
10
فاخذا رماد الاتون و وقفا امام فرعون و ذراه موسى نحو السماء فصار دمامل بثور طالعة في الناس و في البهائم . خروج 9

ضربة البرد الفاتكة
22
ثم قال الرب لموسى مد يدك نحو السماء ليكون برد في كل ارض مصر على الناس و على البهائم و على كل عشب الحقل في ارض مصر
23
فمد موسى عصاه نحو السماء فاعطى الرب رعودا و بردا و جرت نار على الارض و امطر الرب بردا على ارض مصر
24
فكان برد و نار متواصلة في وسط البرد شيء عظيم جدا لم يكن مثله في كل ارض مصر منذ صارت امة
25
فضرب البرد في كل ارض مصر جميع ما في الحقل من الناس و البهائم و ضرب البرد جميع عشب الحقل و كسر جميع شجر الحقل
26
الا ارض جاسان حيث كان بنو اسرائيل فلم يكن فيها برد خروج 9

ضربة الجراد
12
ثم قال الرب لموسى مد يدك على ارض مصر لاجل الجراد ليصعد على ارض مصر و ياكل كل عشب الارض كل ما تركه البرد
13
فمد موسى عصاه على ارض مصر فجلب الرب على الارض ريحا شرقية كل ذلك النهار و كل الليل و لما كان الصباح حملت الريح الشرقية الجراد
14
فصعد الجراد على كل ارض مصر و حل في جميع تخوم مصر شيء ثقيل جدا لم يكن قبله جراد هكذا مثله و لا يكون بعده كذلك
15
و غطى وجه كل الارض حتى اظلمت الارض و اكل جميع عشب الارض و جميع ثمر الشجر الذي تركه البرد حتى لم يبق شيء اخضر في الشجر و لا في عشب الحقل في كل ارض مصر خروج 10

ضربة الظلام
21
ثم قال الرب لموسى مد يدك نحو السماء ليكون ظلام على ارض مصر حتى يلمس الظلام
22
فمد موسى يده نحو السماء فكان ظلام دامس في كل ارض مصر ثلاثة ايام
23
لم يبصر احد اخاه و لا قام احد من مكانه ثلاثة ايام و لكن جميع بني اسرائيل كان لهم نور في مساكنهم خروج 10

ضربة قتل الاله لكل بكر فى مصر
29
فحدث في نصف الليل ان الرب ضرب كل بكر في ارض مصر من بكر فرعون الجالس على كرسيه الى بكر الاسير الذي في السجن و كل بكر بهيمة
30
فقام فرعون ليلا هو و كل عبيده و جميع المصريين و كان صراخ عظيم في مصر لانه لم يكن بيت ليس فيه ميت خروج 12

فبماذا يمكننا ان نصف هذا الاله العبرانى يهوه ؟
هذا الاله الذى تفنن فى تعذيب وابادة المصريين البشر , بل والبهائم والزرع ؟؟
يقول السواح عنه :

"
ولعل اله العبرانيين يهوه من اكثر الالهة ولعا بالدماء والكوارث الشاملة " السابق ص 209

ونأخذ على الاستاذ فراس السواح انه تغاضى عن ذكر ( يهوه ) بصورته العربية الذى اطلق عليه القرآن اسم ( الله )

فان ( يهوه ) و ( الله ) وجهين لعملة واحدة , وما ( الله ) العربى الا نسخة كربونية من ( يهوه ) العبرى , ينطبق عليه كل وصف ليهوه من تعطش للدماء وتفنن فى انزال الكوارث والمصائب بالبشر والحيوانات والنبات

فان القرآن نسب ( لله ) – ذلك المعبود بثوبه العربى – كل الكوارث والمصائب والضربات التى انزلها يهوه بالمصريين لكن بدون تفاصيل , فمعظم الضربات الكارثية ذكرها القرآن اجمالا
ونفس قصة محاولات يهوه لاخراج شعبه اليهودى المختار كررها القرآن بتفاصيلها وان جعل القرآن سبب الضربات هو عدم ايمان الفرعون بالله ورسالة موسى , بينما فى التوراة يرجع سببها لرفض الفرعون لخروج اليهود من مصر ليعبدوا يهوه .

وقليل من التفكير فى هذا الامر يدل على ان السبب فى التوراة وفى القرآن لا يختلف كثيرا لان التوراة ارادت ان تقول ان شعب يهوه هم المؤمنين الحقيقيين والوحيدين , بينما المصريين كانوا يعبدون آلهة باطلة غير يهوه

وجدير بالملاحظة ان قصة ضربات يهوه الاسطورية فتحت الباب بمصراعيه لمؤلف القرآن فى ابتكار ضربات اخرى غير التى وردت بالتوراة قياسا على ما جاء بها

ولنلقى نظرة على ضربات ( يهوه ) بثوبه العربى للمصريين

فى الاعراف 133

فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آَيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ

ففى هذه الاية نرى خمس ضربات , اربعة منهم هى نفس ما جاء بالتوراة عن يهوه العبرانى :

ضربة الجراد

ضربة القمل ( الذبان )

ضربة الضفادع

ضربة الدم

أما ضربة الطوفان التى جاءت وسط هذه الضربات فهى اما ان تكون من ابتكارات ومزايدات محمد التى استوحاها من الضربات التوراتية , واما فانها قد ترجع لسوء فهم لضربة الوباء الذى فتك بالحيوانات والمواشى , ونظرا لهذا اللبس والغموض فى هذه الضربة اختلف علماء المسلمين فى ماهيتها

فيرى ابن عباس ان " الطوفان " :

"
كثرة الامطار المغرقة المتلفة للزرع والثمار "

ويشاركه هذا الرأى الضحاك بن مزاحم , وفى رواية اخرى لابن عباس :

"
انه كثرة الموت "

ورأى ابن عطاء ذلك ايضا

اما مجاهد فقال ان الطوفان هو :

"
الماء والطاعون على كل حال , وروت عائشة عن محمد ان الطوفان هو الموت"

ارجع لتفسير ابن كثير للاية.

ومن علماء الاسلام المحدثين نرى الشيخ العلامة عبد الله يوسف على صاحب الترجمة الانجليزية للقرآن والتى أقرها الازهر , يترجم الاية " فأرسلنا عليهم الطوفان ..."

So we sent ( plagues ) on them wholesale death

فهو لم يترجمها بكلمة الطوفان الانجليزية flood وانما ترجمها مستخدما كلمة plagues والتى تعنى الاوبئة ووضعها بين قوسين , وهو لا يكتفى بهذه الترجمة توضيحا للمعنى بل يضيف شرحا فى حاشية الصفحة يجعل من معنى الطوفان نفس المعنى التوراتى , فيقول :

Tufan : a widespread calamity , causing wholesale death and destruction. It may be a flood , or a typhoon , or an epidemic , among men or cattle . Perhaps the last is meant if we may interpret by the old testament story . see also Exod.ix : 3,9,15 . xii . 29

وهذه ترجمة تعليقه وتفسيره :

"
الطوفان : كارثة على نطاق واسع ينتج عنها موت وهلاك شامل

ويحتمل انها تعنى طوفان او فيضان او اعصار او وباء يعصف بالبشر وبالمواشى

ومن المحتمل انها تعنى المعنى الاخير ( الوباء ) لو اخذنا بقصة العهد القديم فى سفر الخروج "

وبعد استعراض اراء المسلمين فى تفسيرهم لضربة الطوفان التى ذكرها القرآن , يمكننا ان نصل لهذه النتيجة :

اختلط الامر على محمد فى سرده لضربات الاله للمصريين ومن بين الضربات التى ذكرها اتفق مع رواية التوراة فى اربع ضربات , واختلط عليه الامر عندما ذكر ضربة الطوفان فظن ان الله انزل على المصريين طوفانا قياسا على طوفان نوح , ونظرا لمعرفة علماء ومفسرى القرآن بالرواية التوراتية فانهم فسروا ( الطوفان ) بانه الوباء الذى ضرب به الاله مواشى المصريين .

وننتقل الى باقى الضربات التى ذكرها القرآن على انها ضربات الله ( يهوه العربى ) للمصريين

جاء فى الاعراف 130

وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

فهنا نرى ضربة مجاعة , حيث شاء الاله ان تقل الزروع
ويفسر ابن كثير :

"
اى اختبرناهم وامتحناهم وابتليناهم بالسنين , وهى سنى الجوع بسبب قلة الزرع ونقص من الثمرات .. وقال ابو اسحاق عن رجاء بن حيوه : كانت النخلة لا تحمل الا ثمرة واحدة " ابن كثير ج 2 ص 230

والواقع ان هذه الضربة لم تذكر من بين الضربات الاسطورية التوراتية

ويبدو ان كثرة الضربات وتنوعها قد الهم خيال كاتب القرآن فاضاف ضربة تجويع المصريين وبهائمهم

جاء بالاسراء 101

وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا

وكعادة علماء الاسلام , اختلفوا فى تحديد تلك التسعة آيات , وسبب الاختلاف هو ان القرآن فى هذه الاية حدد العدد بتسع , بينما اذا اتطلعت على سور قرآنية اخرى وقمت بعمل حصر للايات فستجد ان هناك اكثر من تسع آيات , فبسبب اختلاف القرآن اختلف علمائه ومفسريه , ولو كان غير مختلف لما اختلفوا فيه

فلقد روى القرآن اكثر من تسع آيات انى بها الاله على يد موسى وهارون وهى الايات :

1 –
الطوفان

2 –
الجراد

3 –
القمل

4 –
الضفادع

5 –
الدم

6 –
اليد البيضاء

7 –
العصا

8 –
شق البحر

9 –
السنين

10 –
نقص الثمرات

11 –
تلقف العصا ما يأفكون

12 –
الحجر الذى جرى منه الماء

ومحاولة من المسلمين ان يوفقوا بين هذه الايات الاثنا عشر مع قول القرآن انهن تسع آيات , اختلفت آرائهم فى تحديد التسع آيات

فقال ابن عباس ان التسع آيات هم :
"
العصا واليد والسنين والبحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم "

وواضح انه تجاهل او اغفل عن آيات شق البحر والحجر وتلقف العصا ما يأفكون

(
انظر ابن كثير ج 3 ص 65 )

وفى النهاية

قالت الاساطير القديمة ان الالهة رهيبة ودموية عندما تغضب , فتعصف وتهلك وتبيد ولا تأخذها شفقة او رحمة بانسان او حيوان او نبات

ومن وحى هذه الاساطير الكارثية صوّر العبرانيون معبودهم القومى يهوه بنفس الدموية والتخريبية فى اهلاكه للشعوب والبلاد , خاصة شعب مصر حيث حوّل مياه انهارهم وآبارهم الى دم وتفنن فى تعذيبهم بشتى التعذيبات مثل الاوبئة والجراد والذبان ( القمل ) والضفادع الخ

وكما اقتبس اليهود هذه الفكرة من التراث القديم الرافدى , اقتبس القرآن نفس الفكرة من التوراة , فجاءت صورة الاله العربى ( الله ) بنفس صورة الاله العبرى ( يهوه ) حيث اشتركا فى ولعهما وتفننهما فى الدموية والاهلاك الكارثى الشامل

ولا نبالغ اذا قلنا ان المعبود العربى ما هو الا صوره كربونية من المعبود العبرانى , كل ما هنالك هو اختلاف الاسماء لكن المسمى واحد

فالاله الدموى عند السومريين مثلته الالهة ( انانا ) او الاله ( انليل ) , وعند العبرانيين الاله ( يهوه ) وعند العرب الاله ( الله ).
---------

الدراسة الثانية

الاصل الاسطورى لفكرة الاديان ان النصر من عند الله

آمنت الشعوب القديمة ان آلهتها هى وراء نصر شعوبها فى حروبها مع اعدائها . فنجد هذا الاعتقاد القديم عند المصريين القدماء والسومريين والبابليين والاشوريين والكنعانيين .. الخ . وكانت الحرب بين شعبين هى بالدرجة الاولى حرب بين الهين , إلهين البلدين المتحاربين , وعندما انتصر احد الشعبين ارجع المنتصر هذا الانتصار لمساندة إلهه القومى وتأييده .

اما الطرف المهزوم فبرر الهزيمة بتخلى الاله عنهم بسبب تخاذلهم او عصيانهم او شرورهم او انحرافهم عن تعاليمه وتعليماته . ولقد انتقل هذا الاعتقاد الاسطورى الى الاديان الشرقية الابراهيمية اليهودية والمسيحية والاسلام .

لم يقرأوا – سواء الشعوب الاسطورية القديمة او مؤسسى الاديان واتباعهم - الواقع موضوعيا , لم يضعوا فى الاعتبار ان النصر حليف لمن يخطط جيدا للمعركة ولمن تحالفه الظروف الطبيعية والمناخية ولمن يدرس الوقت المناسب والمكان المناسب للمعركة ولمن يجهز جيدا عدة الحرب ولمن يجيد فنون المناورة والتكتيك الحربى ولمن يعبأ جنوده تعبئة نفسية معنوية تدفعه لتحقيق النصر عن طريق الهاب الحماس والوعد بالمكافأة المادية ( من غنائم واسلاب ) او المعنوية ( من وعود أخروية ) , ولمن يبث فى عقول جيشه مبادئ التضحية من اجل الوطن او من اجل هدف قومى او دينى تهون النفس من اجل تحقيقه . لقد جهلوا او تجاهلوا ان لا دخل للاله او الالهة بهذا الشأن .

فكما ان الاله البابلى " مردوخ " كان ينصر اتباعه وشعبه من البابليين على اعدائهم , كان " يهوه " اله اسرائيل ينصر اليهود على اعدائهم , وكان "الله " اله العرب ينصر اتباعه ورسوله والمؤمنين فى حروبهم وغزواتهم ضد الاعداء الكفار الظالمين اعداء الاسلام .

وكما تأثر الفكر الدينى بالاساطير القديمة فى تفسيرها الاسطورى للكوارث الطبيعية التى تحل بالبلاد باعتبارها نتيجة حتمية لغضب الاله او الآلهة على اهل البلاد الظالمين والفاسقين , كذلك تأثر الفكر الدينى باسطورة وقوف الاله فى صف شعبه والمؤمنين به حتى ينصرهم على القوم الظالمين من وجهة نظرهم .

هذه الحقيقة لخصها استاذ السومريات د . فاضل عبد الواحد على عند حديثه عن اسهامات الفكر الرافدى واثره على المعتقدات الدينية اللاحقة , يقول :

((
مع كل الاستعدادات التى كانت تستحضر للمعركة على صعيد الاعداد والتخطيط والتجهيز , فقد كان الايمان عميقا , وفى كل العصور , بان النصر من صنع الالهة , واى كان الملك المنتصر وفى اى عصر فانه لا يعزو نصرا حققه الا الى اسناد الاله وعونه , كأن يكون الاله " ننكرسو " فى زمن الامير " ايناتم " من " لكش " , والاله " مردوخ " فى زمن " نبوخذ نصر الاول " ملك بابل , و" عشتار " و" آشور " فى عهد الملوك الاشوريين . ))

(
من سومر الى التوراة , فاضل عبد الواحد على , ط 2 , سينا للنشر , ص 89 )

ويضيف مؤكدا على تغلغل هذه الفكرة عند الشعوب القديمة :

((
كان الثبات واستذكار الآلهة وقت الظروف الحرجة من المعتقدات الاساسية عند القائد . يقول الملك الاشورى " سنحاريب " فى هذا الشأن ان العيلاميين زحفوا لملاقاته عند مدينة " حالوله " على نهر دجلة , وانهم بدوا له ولجنده وكأنهم جراد , وان الغبار المنبعث من اقدامهم ارتفع سحابة سوداء فوق ارض المعركة .

ويعترف سنحاريب بان العيلاميين سدوا عليه الطريق , وانه عندئذ راح يدعو الالهة : سين و شمش وبعل ونابو ونركال وعشتار , لتنصره على اعدائه . ثم يقول سنحاريب ما نصه :

"
لقد استجابت الالهة لدعائى فجاءت مسرعة لعونى , وعندئذ انقضضت على اعدائى كالأسد الهصور ." ))

(
المرجع السابق ص 89 )
ويؤكد ايضا الاستاذ محمد بيومى مهران نفس الفكرة فيقول :

((
ان الحكام السومريين انما قد ردوا انتصاراتهم الى اربابهم , كما حرصوا على استفتاء وحيهم وطلب عونهم ))

(
تاريخ العراق , محمد بيومى مهران , ص 110 )

وقبل ان نناقش ونحلل النصوص الدينية المقدسة للاديان والتى تأثرت بهذه العقيدة الاسطورية والتفسير الاسطورى للصراعات وللحروب بين الشعوب ونتائجها من نصر وهزيمة , نعرض اولا بشئ من التفصيل اصل هذه الافكار الاسطورية عند الشعوب القديمة ونوثق لها من النصوص القديمة التى اكتشفت فى العصر الحديث وقام علماء الاثار واللغات القديمة بتحقيقها وترجمتها.

اولا : عند المصريين القدماء
لقد آمن المصريون القدماء ان النصر من عند الاله يهبه لاتباعه ولشعبه المؤمنين به , وسندلل على هذه الحقيقة بعدة امثلة من نصوص عقائد وتاريخ مصر كما ترجمها ولخصها العلماء و الباحثون المتخصصون

1 –
استطاع امراء طيبة هزيمة الهكسوس الطغاة الذين احتلوا مصر فى حوالى القرن السابع عشر قبل الميلاد , وتمكنوا من طردهم من البلاد , وما تحقق هذا النصر الا بعون الاله " آمون " الذى هو صاحب النصر الحقيقى كما تذكر ذلك النصوص المصرية القديمة .

يعلق استاذ المصريات إرمان على نتائج هذا النصر :

((
وقد اقام فراعنة القرنين السادس عشر والخامس عشر والاسرات اللاحقة معابد طيبة الفخمة للاله " آمون رع " ... رمزا لتقديرهم وعرفانهم بسبب ذلك النصر الذى قادهم اليه ))

(
ديانة مصر القديمة , ارمان , ص 121 )

وكان الامير " كامس " الاخ الاكبر للامير احمس من الذين خرجوا لطرد الهكسوس وجاء على لسانه فى احدى النصوص القديمة :

"
أبحرتُ فى عزم لأُجلى الهكسوس وفقا لامر آمون ذى الرأى الرشيد "

(
الشرق الادنى القديم . الجزء الاول . مصر والعراق , القاهرة 1967 , عبد العزيز صالح, ص 192 )

وهكذا يتضح ان امراء طيبة الذين خاضوا الحرب والمصريين الذين سعدوا بجلاء الهكسوس , جميعهم كانوا يعتقدون ان النصر كان من عند آمون .

2 –
الاله آمون ينصر تحوتمس الثالث على اعدائه فى آسيا.

توجه توحتمس الثالث , وهو " اعظم رجال الحرب من الفراعنة المصريين " كما وصفه الاستاذ عبد العزيز صالح فى كتابه ( تاريخ الشرق الادنى ) ص 208 , الى آسيا سنة 1468 ق م مع جيشه الذى بلغ عدده من عشرة آلاف الى خمسة آلاف جندى . وكان الجيش يثق ويؤمن تماما ان الاله آمون سينصرهم على اعدائهم

يقول قادة الجيش لتحوتمس فى طريقهم لارض المعركة :

"
ليساعدك ابوك آمون , وها نحن فى معيتك سائرون اينما سرت "

وبالفعل حقق توحتمس انتصارات عظيمة هناك ( انظر تفاصيل المعركة فى : تاريخ الشرق الادنى . عبد العزيز صالح , ص 208 – 211 ).

ويعلق ارمان على تغلغل عقيدة نصر الاله آمون لتوحتمس :

((
وحين يقود توحتمس الثالث واحلافه جيوشهم فى آسيا , فليس يتم ذلك الا لان الاله آمون ابوهم قد اعد لهم هناك انتصارات ))

(
ديانة مصر القديمة , ادولف ارمان , ترجمة عبد المنعم ابو بكر , ص 174 )

3 –
الاله آمون يزهق الباطل وينصر الحق

بعد ان اعتلى اخناتون عرش مصر واقام عاصمة ملكه فى تل العمارنة , قام بنشر دعوته التوحيدية الجديدة والتى ملخصها "
"
ان لا اله الا آتون " , الاله الواحد الذى لا شريك له فى الملك .

فانكر اخناتون جميع الالهة الاخرى وقام بمحو اسمائها من المعابد المصرية خاصة اسم الاله آمون.

ولما مات اخناتون واستولى على العرش ملوك كانوا يؤمنوا بآمون , تحالف هؤلاء الملوك مع كهنة آمون وأذاعوا بين الشعب ان آمون هو الذى قضى على هذه الهرطقة ( الكفر ) الاخناتونية , وهو الذى نصرهم على هذا الكفر المبين .

ويذكر ارمان ان اتباع آمون اطلقوا على اخناتون لقب " مجرم تل العمارنة " , وعن اختفاء نجم آتون وبزوغ فجر آمون ينقل ارمان نص انشودة كهنة آمون وفيها ينشدون فى ابتهاج مخاطبين الإله آمون :

((
الويل لمن يمسّك

لقد اسست مدينتك خير تأسيس

ولكن ذلك الذى حاول المساس بك قضى عليه

الخزى لمن يسئ اليك فى اى بلد كان

ان شمس من لا يعرفك قد غربت

اما من يعرفك فيضئ

ان معبد من مسّك فى ظلام

واما الارض كلها ففى النور ))

ويعلق ارمان :

((
وآتون الذى كان طاغيا عليها قد غلب على امره , ولكن الواقع كذلك ان طاغية آخر قد حل محله هو " آمون رع " , ومن البديهى ان يحدث ذلك , أليس اليه والى مدينته يرجع الفضل فى الانتصار فى المعركة ضد الهرطقة ؟ ( دعوة اخناتون ) فبفضله أحرق عدو رع حتى استحال الى رماد ))

((
ديانة مصر القديمة , ادولف ارمان , ترجمة عبد المنعم ابو بكر , ص 149 )


4 –
جاء فى ادب الحكمة المصرى ما يفيد ان النصر من عند الله

يقول الحكيم " أمينموبى " :

"
فى كل مشاجرة ومشاداة مع اعدائك لا تضع كل ثقتك فى نفسك , بل اترك نفسك بين ذراعى الاله "

(
ديانة مصر القديمة , ادولف ارمان , ترجمة عبد المنعم ابو بكر , ص 183 )


ثانيا : ان النصر من عند الله
عند شعوب ارض الرافدين القديمة Mesopotamia

1 –
جاء بملحمة جلجامش الاعتقاد الشائع عند السومريين والبابليين ان النصر من عند الالهة , ولقد تكررت هذه الفكرة عدة مرات فى نصوص الملحمة .

فعندما قرر جلجامش ان يقضى على " خمبابا " ( او : حواوا فى قراءة مسمارية اخرى ) وهو رمز قوى الشر ( الذى صار الشيطان او ابليس فى الاديان ) , وهو وحش رهيب يحرس غابة الارز , ابلغ جلجامش شيوخ وحكماء مدينته بقراره , وبعد فشل الشيوخ فى اثنائه عن قراره , لم يجدوا سوى الدعاء له بان ينصره الاله " شمش " على عدوه الشرير .

يقول الشيوخ لجلجامش الملك العظيم :

"
لا تتكل على قوتك وحدك يا جلجامش ..

وعسى شمش ان يجعلك تنال رغبتك

وعساه ان يُرى عينيك ما قاله فمك

وان يفتح لك السبيل المسدود

ويفتح الطريق لمسراك

ويمهد مسالك الجبال لقدميك "

(
من سومر الى التوراة , فاضل عبد الواحد على , ط 2 , سينا للنشر , ص 124 )

وترجم فراس السواح نفس هذه الفقرة من الملحمة :

"
لا تعتمد على قوتك يا جلجامش

وليهبك شمش من لدنه نصرا ...

وليقف الى جانبك " لوجال بندا " فى نصرك "

(
قراءة فى ملحمة جلجامش , فراس السواح , دار سومر للدراسات والنشر , طبعة اولى , ص 128 )

بعد ذلك تروى الملحمة ان جلجامش ذهب لوالدته لتباركه قبل معركته المصيرية مع الشر , فما كان من الام الا انها خاطبت الاله شمش متوسلة اليه ان يحفظ ابنها وينصره على عدوه ويعيده الى وطنه سالما مظفرا :

تخاطب الام الاله شمش :

"
علام أعطيت ولدى جلجامش قلبا مضطربا لا يستقر

والان وقد حثثته فاعتزم سفرا بعيدا الى موطن خمبابا

فانه سيلاقى نزالا لا يعرف عاقبته

ويسير فى طريق لا يعرف مسالكها

فحتى اليوم الذى يذهب فيه ويعود

وحتى يبلغ غابة الارز

ويقتل خمبابا المارد

ويمحو من على الارض كل شر تمقته

عسى ان توكل به حراس الليل والكواكب وأباك الاله سين

حينما تحتجب انت فى المساء "

(
من سومر الى التوراة , فاضل عبد الواحد على , ط 2 , سينا للنشر , ص 124 )

ويلاحظ من النص الاخير اعتقاد الام ان الالهة كلفت ابنها جلجامش بالقضاء على الشر على الارض فلذلك تستحث الالهة بمساندته ونصرته فى هذه المعركة

اما عن احداث المعركة الرهيبة التى دارت بين جلجامش وخمبابا فيلخصها د . فاضل عبد الواحد ويعلق عليها :

((
ثم هجم خمبابا على الصديقين ( جلجامش وانكيدو ) اللذين اصيبا بالذعر لهوله وشدة بأسه . فاخذا يتضرعان للاله شمس عسى ان يمد لهما العون . وسرعان ما استجاب شمس لدعوتهما فسخر لهما الريح العاتية التى اوهنت قوى خمبابا وشلت حركته ))

(
من سومر الى التوراة , فاضل عبد الواحد على , ط 2 , سينا للنشر , ص 125 )

اما ان اردنا ان نقرأ ما جاء بنص الملحمة نفسه , فها هو النص كما ترجمه فراس السواح , على لسان جلجامش الذى يذكر كيف أيده الاله بالنصر فسخر له الريح التى قضت على عدوه :

"
نزلت دموعه مدرارا

صاح جلجامش مخاطبا شمش السماوى :

لقد تبعت شمش السماوى

وسرت فى الطريق التى قدرت لى .

سمع شمش السماوى صلاة جلجامش

فهبت فى وجه حواوا ( خمبابا ) رياح عاتية

الريح الكبرى , ريح الشمال , وريح الجنوب , وريح الزوبعة